باسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وبه أستعين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين وإمام الأولياء والمتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد،

شهر رمضان شهر وأي شهر، شهر الصيام والصبر، شهر التلاوة والذكر، شهر القيام والتهجد والوتر، شهر الاستغفار وقرآن الفجر، شهر الليالي العشر وليلة القدر، شهر المواساة والشكر، شهر الجهاد والنصر.

في ليلة القدر، أنزل القرآن وتنزلت معه ملائك الرحمان، والتقى الأمينان. فبدأت جولة جديدة من جولات الصراع الأزلي بين الحق والباطل.

صبر المؤمنون وأدّوا عنّا ضريبة الثبات، ولا نبات بلا ثبات. عُذبوا وأوذوا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربّنا الله. فثبتوا حتى نبتت شجرتهم المباركة وآتت أكلها كلّ حين بإذن ربّها.

بعد تربية وتنظيم داما خمسة عشر سنة، أذن المولى الكريم سبحانه بالزحف، وكان ذلك في رمضان، فكانت غزوة بدر، وكان يوم الفرقان.

و كما كان هناك حضور ملائكي في ليلة القدر، كان هناك حضور ملائكي في غزوة بدر. بل وتنزّل الروح الأمين ومعه ميكائيل عليهما السلام في ألف من الملائكة. لكن هذه المرة ليس من أجل الاحتفاء بتنزّل كلام الله، ولكن من أجل المشاركة الفعلية في إعلاء كلمة الله وتنفيذ أمر الله فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ 1.

لا يمكن فصل الصيام والقيام والذكر والتلاوة ومواساة الفقراء والمساكين، عن الجهاد والوقوف في وجه الظالمين… إنّه الدين الذي جاء به خاتم المرسلين.

في غزوة بدر كان الفوز والنصر، وكان عطاء الله بلا حصر، قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “.. لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم” 2. إنها تشبه إلى حدٍّ بعيد قوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” 3 أو لعلها أعظم.

طالع أيضا  الأستاذ عسلي يقف مع صفتي "الحياء والكرم" في جلسة ظهيرة الثلاثاء

إن الوقوف في وجه الظالمين، ومراغمتهم، والأخذ على أيديهم -إنْ صاحب ذلك إخلاصٌ وصدق وذكر- لمن أعظم القربات إلى الله. وإنها لسُنّة يجب إحياِؤها والتذكير بها.

بعد ست سنوات من غزوة بدر، يأتي فتح مكة. وليس صدفة أن يقع هذا الحدث العظيم في رمضان. ففتح مكة ليس كما يتصوره البعض، انتقاما نفسيا لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، من الذين ظلموهم وأخرجوهم وسلبوهم ديارهم وأموالهم.

 حاشا لله… لو كان الأمر كذلك لأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن معه -وكانوا عشرة آلاف- باستباحة مكة. ولأمر بقتل مجرميها، وسلب أموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، والاستيلاء على ديارهم.                               لو كانت هذه رغبته صلى الله عليه وسلم، لكان سحقهم يوم أتاه الملك في أشدّ يوم عليه -حينما ذهب إلى الطائف فأغروا به صبيانهم وسفهاءهم وطاردوه هو وحبّه زيد بن حارثة ورشقوهم بالحجارة- فقال له: “إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين” 4، فأجابه برحمته المعهودة ووجهه يقطر دما: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا” 5.

وحتى لو فعل ذلك صلى الله عليه وسلم وانتقم هو وأصحابه ممن ظلموهم فذاك حقهم، لكن المسألة أعظم من ذلك… المسألة مسألة أخذ على يد الظالم لئلا يستمر في ظلمه، وإيقافُه عند حدّه، ودعوتُه ليتوب إلى ربّه.

يا سعد من أراد بالناس ما أراد بهم ربّ الناس…

يا سعد من كان همّه كهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إبعاد الناس عن النار، لا إقحامهم فيها.

نعم يجب أن نأخذ على يد الظالم حتى لا يعمّنا الله بعذابه، ولكن بحكمةِ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ 6 ورحمةِ: “ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: (قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين) اذهبوا فأنتم الطلقاء” 7.

إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة خمسة عشر يوما بعد فتحها، قضاها في خيمة بنيت له في الحجون على مقربة من قبر أمنا خديجة رضي الله عنها، ولو كان غرضه من فتح مكة استعادة ما سلب منهم لاستعاد بيته من ابن عمّه عقيل بن أبي طالب…

طالع أيضا  الرباط الجامع ينتصف.. وهذا برنامج يومه الخامس لتَغْرف المزيد

كان غرض النبي صلى الله عليه وسلم من فتح مكة إيقاف الظالمين، واستعادة حق المسلمين… الكعبة والمناطق المقدسة كلها.

القرشيون كانوا يظنون بأنهم أصحاب البيت، وبالتالي يملكون حق السماح وعدم السماح بزيارة الكعبة وأداء المناسك، ولذلك ردوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاء معتمرا في العام السادس من الهجرة، فجاء فتح مكة ليقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الملأ بأن الأرض المقدسة من حقّ المسلمين وليست من حقّ الساكنين.

لأهلها حق السدانة والسقاية والرفادة والعمارة… أما البيت والمناطق المقدسة كلها فهي حقّ المسلمين في كل مكان وزمان إلى يوم الدين.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثا عن فتح مكة: “هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا” 8..

وإنها لثلاثة أحداث عظيمة وقعت في شهر عظيم:

§         ليلة القدر حينما نزل الوحي وبدأت قصة الاسلام.

§         وغزوة بدر حينما تأسست دولة الاسلام.

§         وفتح مكة حينما تقوّت دولة الاسلام.


[1] سورة الأنفال الآية 12.
[2] البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
[3] البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.
[5] متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.
[6] سورة طه الآية 44.
[7] رواه البيهقي عن أبي هريرة في السنن الكبرى : كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وَالْحَدُّ فِيهَا، بَابُ جَوَازِ انْفِرَادِ الرَّجُلِ وَالرِّجَالِ بِالْغَزْوِ.
[8] زاد المعاد ج2 ص 160.