ما زالت أنوار الاعتكاف الرمضاني تعمنا ونحن على مشارف ختامه، إذ كان المعتكفون على موعد مع الجلسة الليلية التاسعة، وهي آخر جلسة ليلية من الرباط الجامع، اختير لها موضوع يتناول السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، ويظهر تقابل الإرادة الإلهية التي تسمو بالإنسان إلى المعالي مع إرادة الإنسان ضيقة الأفق المتعلقة بالطين حتى وإن ظن أصحابها أنهم يحسنون صنعا.

افتتحت الجلسة بأنفاس عطرة للقارئ أحمد مسرار الذي تلا آيات مباركة من أواخر سورة الجاثية. بعد ذلك أشرف الدكتور عمر أمكاسو عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان والباحث في التاريخ الإسلامي على تسيير الجلسة، موطئا للموضوع ومعرفا بالدكتور عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وعضو مجلس إرشادها والباحث في العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، الذي حلّق بالمتتبعين في معاني إحسانية رفيعة بمحاولته الإجابة عن سؤالين مفتاحيين في السلوك إلى الله؛ ماذا يريد بنا الله؟ وماذا نريد لأنفسنا؟ بأسلوب شيق جذاب.

السؤال الأول: ماذا يريد الله عز وجل بالناس؟

“لا يريد للعباد إلا الرحمة والمغفرة والثواب والحياة الطيبة وعزة الدنيا والآخرة وجنات عرضها السماوات والأرض والنظر إلى الله عز وجل” هكذا أجاب الدكتور متوكل، واعتبر أن هذه الإجابة واضحة ولا تحتاج لوقت طويل لاستخلاصها، خصوصا أن المعني بهذا الخطاب مسلمون يجدون هذه المعاني في كتاب ربهم الكريم وفي سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام.

لكن القصد، يوضّح، هو “أن نتوقف قليلا لنتأمل سعة رحمة الله عز وجل لعباده وشفقته بهم ومحبته للعباد”. مستدلا بالآية من سورة النساء: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم. وهذه الآية من الآيات التي قال فيها عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنها “هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت”.

ثم يعلق الدكتور متوكل على ذلك “التوبة التي تدعو إليها هذه الآية وتدعو إليها هي المفتاح وهي كما يقول العلماء العارفون بداية العبد ونهايته وهي أول منازل العبودية وأوسطها وآخرها”.  مستدعيا الحديث الذي رواه الإمام مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول “أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله مئة مرة”. ولذلك قال بعض العلماء أن “التوبة وظيفة العمر”.

وذكّر هنا بالتعريف الشهير الذي يقدم به الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله جماعة العدل والإحسان “جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة”، وذلك لتبيان عظم هذه المهمة وعظم هذا المقصد.

طالع أيضا  زكاة الفطر طُـهرة للصائم... وطُـعمة للمسكين

كما لم يفت رئيس الدائرة السياسية التنبيه إلى معنى آخر من معاني التوبة؛ هو فرح الله سبحانه وتعالى العظيم بتوبة عباده، فقد أورد الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث رواه مسلم تشبيها يقرب به هذا المعنى للناس: “لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح”.

وقد اغتنم الفرصة للدعوة إلى تجديد التوبة لله عز وجل في هذه الأيام المباركة من هذا الشهر المبارك.

السؤال الثاني: ماذا يريد الناس لأنفسهم؟

الجواب التلقائي الذي قد يستحضره البعض، حسب متوكل، أن الناس يريدون الخير لأنفسهم لكن الأمر في الحقيقة ليس كذلك.

هنا يصنف عضو مجلس الإرشاد الناس إلى صنفين.

الصنف الأول هم أهل الضلالة والشرك والموبقات؛ يعلمون ما هم عليه من دون ويعلمون خيرية أهل الصلاح عليهم الذين يريدون جرهم لمستنقعهم، بل إنهم لا يرضون بغير حرفهم إلى أقصى درجات الضلالة وإلى الهلاك والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما سورة النساء الآية 27.

الصنف الثاني يريدون الخير لأنفسهم وللناس مع إيمانهم وحسن طويتهم، لكن سقفهم قد يكون متدنيا جدا بسبب سوء فهم أو سوء تقدير أو ما يعتري النفس البشرية من ضعف أمام اقتحام العقبات والصعاب من أجل أعمال جليلة قد تكون أبلغ أثرا وأثقل عند الله في الميزان.

وهنا يقدم الدكتور عبد الواحد متوكل مثالين لهذا الصنف.

– حديث الإمام أحمد في المسند “عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله عز وجل في سرية من سراياه، فمر رجل بغار فيه شيء من الماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته على ما كان به من ماء وما يصيب ما حوله من البقل وأن يتخلى عن الدنيا، ثم يقول فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء ومن البقل فحدثتني نفسي أن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحاء، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة”.

يعلق متوكل على الحديث بألا وجه للمقارنة بين ما فيه ذلك الصحابي مما أراده الله له وبين ما يريده لنفسه، رغم أن ظنه يصور له أنه قمة في الصدق وأنه يريد الخير عبر ابتغاء مرضاة ربه.

طالع أيضا  جلسة خاصة بمناسبة ليلة 27 رمضان (فيديو)

– المثال الثاني هو ما حدث في غزوة بدر حين قال الله تعالى عن فئة من الصحابة وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. إنهم الذين خرجوا من أجل الغنيمة ولم يكونوا مستعدين للقتال، لكن إرادة الله الماضية أظهرت قصور ومحدودية ما أراده المسلمون لأنفسهم فقد أراد لهم سبحانه وتعالى أن يكونوا شهودا على حدث عظيم سيكون له أبلغ الأثر في تاريخ المسلمين، فبدر كانت ستكون قصة بسيطة لا يعرفها إلا المتخصصون، لكن شاء الله أن يحولها إلى حدث فريد اجتمع فيه الغيب بالشهادة والملائكة بالبشر لصناعة نصر فريد.

وفي الختام أكد الدكتور متوكل على أن الخير كل الخير فيما يريده الله عز وجل للعباد فهو العليم وهو الخبير بعواقب الأمور، فالناس بنقائصهم لا تتضح لهم صورة مصالحهم، وهو ما يستلزم حسن الظن بالله والثقة به، فالعاقبة للمتقين رغم ما نرى من أذى ومن ألم يطال المسلمين.

شاهد الشريط الهام على قناة الشاهد