ليس من السهل الحديث، في هذه الأيام في غير موضوع “كوفيد 19″، فكل الأنظار متجهة صوب ما يستجد من أخبار، والكل ينتظر “اللقاح” و”العلاج” الموعودين، فلا تكاد تجد وسيلة من وسائل الإعلام تخلو من الحديث وبإسهاب عن الموضوع، إنه زمن “كورونا المستجد” بامتياز. فرض نفسه فرضا على نمط تفكير الناس، وعلى أسلوب حياتهم، وتعاملهم.

وبعد أن خفت “حدة” الإثارة الإعلامية، أو كادت، وبدأ الملل يدب إلى الناس من هذا الضيف الثقيل، والذي يبدو أنه عازم على المكوث بين ظهرانينا لمدة أطول مما كنا نعتقد، قررت الحديث في موضوعه، “والاستسلام” لإغرائه، وسطوته، كيف لا والبشرية كلها خائفة منه مذعورة متوجسة.

أريد في هذه المحاولة المتواضعة، أن أطرح بعض الآراء التي قد تشكل منطلقا للتأملات، أو دراسات للمتخصصين في المستقبل، على ما قد يكون هناك من اعتراض على بعض الأمور.

لن أتعرض كثيرا للأحداث على المستوى العالمي، والتحديات المطروحة والتي واجهت الدول، والتصريحات المتداولة في هذا الشأن، لم يسلم منها حتى بعض رؤساء الدول، فهذا رئيس فرنسا يعترف ضمنا في أحد خطاباته، ويصرح “أننا ضعفاء”، ورئيس الولايات المتحدة قال إن تأثير “كورونا المستجد أخطر على بلاده من أحداث 11 شتنبر، ومن واقعة بيرل هاربر”، وفي إيطاليا ينتظرون الحل من السماء بعد أن عجزت حلول الأرض، إنها الصدمة الأولى، التي يكون وقعها أكبر وأشد، تجعل الكلمات تخرج دون رقابة أحيانا.

وكأني برئيس أمريكا، المجنون (ومعه كل مجانين العالم) يقف شامخا بعد إيجاد اللقاح أو العلاج، يقف مزهوا شامخا، مصرحاً “استطعنا الانتصار على الفيروس وهزيمته والتغلب عليه” وذلك بأسلوبه وعنجهيته المعهودتين.

نرجع إلى مجتمعنا، حيث صارت الأمور بشكل آخر، خاصة تعامل فئة عريضة من الناس مع ما يقترح من نصائح وتوجيهات، اختلط فيها الحابل بالنابل، وتبارى “المعالجون” (ولا أقول الباحثين المتخصصين في ميدان التغذية..) في اقتراح الوصفات السحرية الفعّالة، التي تقضي على الفيروس في ثلاثة أيام، واستجاب الكثير من الناس لهذه الوصفات، التي وجدها أصحابها حتى قبل أن يعرف المتخصصون في علم الأوبئة طبيعة الفيروس، وحتى قبل أن يفكوا شفرته الجينية، فيكفي أن يغلف المتحدث كلامه بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو آية من كتاب الله عز وجل، للحديث عن “مزية” مادة أو “عشبة” حتى تنفد من السوق، ويزداد ثمنها، مما يقتضي أن ينكب الباحثون في “علم النفس الاجتماعي” psychosociologie ” (على علاته) الذي يدرس “السلوك الاجتماعي للفرد والجماعة كالاستجابة للمؤثرات الاجتماعية…” لينكب على هذه السلوكيات وغيرها التي طبعت وتطبع تصرفات أفراد مجتمعنا.

طالع أيضا  الدكتور متوكل يستشرف ما بعد كورونا: كل تسوية لا تَتَّسع لمصالح كل الأمم لن يكتب لها النجاح

إن المسارعة إلى التصديق بكل كلام، يوظف الأحاديث والآيات (أستثني دائما المتخصصين) بشكل يبعث على الأسى، بل والسخرية في بعض الأحيان، لأمر محزن حقا، وقد سمعت من هذا اللون الشيء الكافي، ما يجعل المرأ يكون فكرة عن ضحالة التفكير وخبث الاستغلال، ويكفي أن أسوق مثالا واحدا لتوضيح ما ذهبت إليه.

“معالج” كان في جلسة “تأطيرية” لمعالجين آخرين، يتحدث لهم عن اكتشاف سر علاج “عرق النسا”، sciatique لأن سيدنا يونس لما التقمه الحوت بقي “مقوس الظهر” في بطنه – حسب زعمه – مما شكل له آلامًا عولجت باليقطين!؟

وقد تحدث أحد “المفكرين” في إحدى مؤلفاته عن استغلال “المخزون النفسي لدى الجماهير” المسلمة، ويقصد بالمخزون النفسي؛ التراث، والتراث عنده يشمل القرآن والسنة كذلك، (ويجعله الأساس النظري لأبنية الواقع). وقال آخر أكثر منه جرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم “الدين الإسلامي هو محرك الجماهير ومخزونها النفسي لذلك يمكن استغلاله لاستعباد الجماهير أو تنويرها” واصفين إياه بـ“الوتر الحساس للجماهير”.

وإن كان ما ذهبنا إليه من استغلال، يستخدمه البسطاء، بشكل تقليدي وساذج، تكون تجلياته أوضح، وأبين، فإن للاعبين الكبار دهاءهم، ومكرهم، في استغلال ذلك لإخضاع الناس وصرفهم عن الحق قد يتجاوز استغلال “المخزون النفسي” إلى التلاعب النفسي manipulation psychologique، الذي هو نوع من التأثير الاجتماعي الذي يهدف إلى تغيير نظرة أو سلوك الآخرين، من خلال تكتيكات مسيئة أو خادعة أو خفية، كما عرفه بعضهم.

أمر آخر أراه كذلك لا يقل في نظري أهمية ويتجلى في “احتفاء” البعض بـ”كوفيد 19″ حيث دبجوا مقالات، وأشعارا تصف ما أحدثه في البشرية، وكذا تغلبه على أعتى القوى “الاستكبارية” الظالمة، وتجد في خطابهم نوعا من “التشفي”، لأن الفيروس انتصر لعجزنا وتفاهتنا و”الحكرة” التي يشعر بها المسلمون بالخصوص في هذا العالم “الظالم”، ويكفي الاطلاع على ما يكتب حتى نعلم بأي “نفسية” يتناول الكثير من الناس هذا الموضوع، فتجد في مطلع بعض الأبيات.

نزلت على الشيوعيين ناراً

 و”بنو صهيون دوخهم صياحي..”

وأين جيوشكم خارت قواها   

وطياراتكم والطائرون.

لقد خلع الناس على “كوفيد 19” جلابيب صلاح الدين، وصوروه بصورة “الفاتح” القاهر، وقلدوه سيفا بتارا، قاطعا، يضرب به شمالا ويمينا، ليحق الحق ويبطل الباطل، وما علينا إلا انتظار الصباح بعد الجائحة، فنجد قوى الظلام اندحرت، وجيوش البغي هزمت، ورجع الناس إلى مولاهم تائبين طائعين، واصطلح الحكام الظلمة مع شعوبهم، وأخذوا العبرة أن الموت أقرب إليهم من حبل الوريد؟… يا لها من أحلام جميلة، حلوة لذيذة.

طالع أيضا  جائحة كورونا والقيم.. مجرد سؤال

إلا أن يشاء الله أمرا فلا راد لأمره، وهو على كل شيء قدير.

إن الاستبداد من شيمه الأثرة، فهو أعمى لا يبصر معاناة المحرومين، وأصم لا يسمع أنين المعذبين، وقاسي القلب لا يرحم صراخ الأطفال، ولا دموع الثكالى والمشردين.

انظروا إلى ما يجري حولنا في ربوع بلداننا، من قتل وتشريد وتعذيب، فاق عددها ضحايا “كورونا” بمئات الآلاف، ولا أمل في الأفق، ولا وازع يردع، ولا خوف من الله يمنع.

إن توالي النكبات والهزائم.. على الشعوب، جعلها تمد يدها للتشبث بما تجد، والغريق “يتعلق بحبال الهواء” كما يقول المثل.

المسألة الأخيرة، تخص طبقة متعلمة “متنورة”، تذهب مذهبا تحليليا، استشرافيا، مفاده أن العالم قبل “كوفيد 19” لن يكون نفسه ما بعد “كوفيد 19″، ويحق لنا أن نتساءل في هذا المجال، إن كان الأمر كما يقال، كيف سيكون العالم؟ وفي أي اتجاه يسير؟ ومن يعيد ترتيب الأوراق؟ وعلى أية مبادئ؟ هناك من المتحمسين من يرون فيما حدث بداية تراجع أو سقوط الحضارة الغربية، وانحسارها، ولكن من يملأ الفراغ الذي ستتركه، أكيد لن تكون أقطارنا المهزومة، المتخلفة الغارقة في الاستبداد.

إن هذه النظرة لا تخلو، في اعتقادي، من تعميم وتسرع، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، في كتاب العدل: “ما الذي يمنعنا معاشر المسلمين من النظر إلى الجاهلية كفاحا، وجها لوجه، ونصارح أنفسنا بما هو واقع؟ الذي يجعلنا نحكم على الجاهلية حكما معمما واحدا، لا تمييز فيه بأنها ظلام في ظلام هو مرارة الهزيمة التاريخية والنقمة المشروعة على ما فعتله ولا تزال الجاهلية الغربية…”، حتى يقول رحمه الله “كان الصحابي عمرو بن العاص لا يَغُصُّ حَلْقهُ مرارةُ الهزيمة لأنه كان منتصراً لا تُحرِّف حُكْمَهُ النقمَة لأنه لم يكن معذّبا في الأرض ولا يشك في الحقائق الواقعية”.

إلى أن يقول، روى الإمام مسلم رحمه الله أن رجلا روى في مجلس عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه قال: “تقوم الساعة والروم أكثر الناس” قال عمرو “لئن قلت ذلك فإن فيهم لخصالا أربعا، إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فترة، وخيرهم لمسكين، ويتيم، وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك”.

“مرارة الهزيمة” تمنع الكثيرين منا على أن يكون لنا رأي موضوعي منصف.

طالع أيضا  تعطيل الجمعة من الكبائر وتأخيرها منذ مارس إلى الآن لا مبرر له ويطرح علامات الاستفهام..

“إنهم أسرع الناس إفاقة” يا قوم. فمتى تستفيق أقطارنا؟

إن التغيير سيقوده اللاعبون الكبار، هم من سيضع القواعد، ومن يحدد الترتيبات، لا مكان للضعفاء، هؤلاء فقط سيؤدون الثمن، بمزيد من الابتزاز والتهديد، لأن مصالح “زعمائنا” ومحط اهتماماتهم، في مجالات أخرى ليس من ضمنها إيجاد موضع قدم بين الأمم، ولا الانفكاك من التبعية والتخلف، على الأقل في الوقت الحالي، والله المستعان.

إن بروز قوى أخرى في الساحة العالمية باقتصادها، وبنيتها وسرعة إنجازها، مثل الصين (الهند …)، نذير شؤم للإنسانية، فعلى الأقل في الثقافة الغربية، يمكن أن تقول للظالم “يا ظالم”. هل نسينا ما تفعله الصين بالمسلمين، بل بالمواطن الصيني عامة، حيث أصبح الفرد في المجتمع شيئا من الأشياء، آلة متحكم فيها بأجهزة إلكترونية متطورة “بما كسبت أيدي الناس” فيكون المستضعفون “كالمستجير من الرمضاء بالنار”.

إن ما بعد الجائحة سيكون وقتا لتضميد الجراح، وما أكثر الجراحات التي ستتركها الجائحة، جراحات اقتصادية بالأساس، ثم اجتماعية ونفسية وغيرها، ألم يقل بعضهم “إننا في حرب”، وللحرب ضحاياها وكلفتها ونتائجها.

وفي الأخير قد يظن البعض أنني أنتصر للحضارة الغربية، وأمجدها، كلا، ليس ذلك ما قصدت.

إن الإنسان في حاجة ماسة، إلى نظام جديد يتسم بالرحمة والعدل، والاطمئنان النفسي والروحي، والمادي.. وغيرها من المبادئ التي تجعل من الإنسان إنسانا غير مستلب.

أليست هذه هي رسالة المسلمين إلى الإنسانية؟ ولكن من يفعل ذلك؟ ومن يعي هذا الأمر؟ ومن يشمر؟ ومن يبادر؟ لإخراج الأمة من كبوتها؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟.. الخ. أسئلة كثيرة متنوعة، تشكل لا محالة منطلقا لمسيرة موفقة، آتية، علاماتها بارزة في الأفق، والله سبحانه قادر على طي المراحل، وتهييء الأسباب، فهو القاهر فوق عباده، وهو مسبب الأسباب، والميسر لكل عسير، بعد استفراغ الجهد، والعمل الجاد، وطرح الأوهام والتوكل عليه سبحانه.

أما “كوفيد 19” فهو خلق من مخلوقات الله تعالى، جاء بمشيئة الله وتسري عليه سنن الله ويؤدي وظيفته ثم يمضي، ولن ينوب عن الفعل البشري العملي إلا بالقدر الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

والمسلم في بيته، تحت الحجر الصحي، يفوض الأمر إلى مولاه، نعم هناك اشتياق للأقارب والأحباب، هناك تغيير في العادات والتقاليد، لكن الوقوف ببابه يعوض كل مفقود ويؤنس كل مشتاق، قال الشاعر :

خلا من زائريه البيتُ قالوا ** فقلت أراه مزدحِمَ الفناءِ

فسيحاً غادَرَتهُ الناسُ كيما ** تطوف به ملائكة السماءِ

والحمد لله رب العالمين.