بقلم: حسناء ادويشي

خرج المعزون وانفض الجمع وبقيت زهرة لوحدها مع ابنتيها، رجاء التي لا يتجاوز عمرها ست سنوات وسلمى سنتان ونصف، مات إدريس بعدما فتك به المرض الخبيث، ولم يمهله، بل عجّل به إلى دار البقاء، لتبقى الزوجة القادمة من أعالي الجبال والتي استقرت في المدينة مع زوجها وابن عمها إدريس، لم تكن زهرة تخرج من بيتها إلا برفقته، لم تَخْبَرِ الناس ولا أنواعهم، فمازالت فطرتها لم تلوثها ملوثات المدينة. لم تمر فترة الحداد بسهولة، كانت أول مواجهة لها مع الإدارة، وإعداد الوثائق الخاصة بمعاش الزوج الذي خلص مخاضه بالاستقرار على قيمة ثمانمائة درهم للشهر بما فيها التعويض عن البنتين، وورقة تأمين من المرض لها ولابنتيها، وواجب عزاء بسيط جدا، فالمرحوم لم يتجاوز عشر سنوات في عمله بـ “منشرية الخشب”. كانت أول صدمة بعد وفاة زوجها هي هذا المعاش الزهيد أمام مصاريف لن يغطيها، فالكراء وحده يأخذ القسط الوافر من المعاش إضافة إلى فاتورتي الماء والكهرباء.

حضنت زهرة طفلتيها، وأطلقت العنان لدموعها التي تعكس المرارة والحسرة وقلة ذات اليد، لكنها لم تستسلم للأحاسيس طويلا، وبدأت تفكر في عمل يعفها وتكمل به ما ينقصها من مصاريف، فكرت طويلا وهي بنت البادية لا تتقن مهن بنات المدينة ولا تتقن التواصل الفصيح بلسانهن، فلم تجد إلا اللجوء إلى العمل في الضيعات الفلاحية، فهو الأقرب إلى علمها وإتقانها. مرت أشهر الحداد رتيبة عصيبة، فشمرت بعدها على ساعد الجد وخرجت إلى الموقف تنتظر من يقلها على متن عربته مع الأخريات للعمل في الحقول المجاورة. ومن حسن حظها أن أختها الكبرى شامة جاءت لتستقر معها بعدما طلقت من زوجها بسبب عدم الإنجاب، فكانت تتكلف هي بالبيت وبرعاية البنات وتتوجه زهرة كل يوم في غبش الفجر، تنتظر رزق اليوم، رغم قساوة المناخ وشدة البرد؛ كانت لا تعجز بل تبذل كل جهدها للعمل من أجل كسب لقمة عيش حلال. غايتها أن تنفذ وصية المرحوم بأن ترعى البنتين وتحفظه في نفسها وبيته.

مرت الأيام والشهور رتيبة قاسية، وبعدما دخلت سلمى هي الأخرى إلى المدرسة بدأت شامة تشتغل مساعدة في أحد البيوت بشكل غير يومي، المهم هو أن تعاون زهرة وشامة على المصاريف جعلهما يعيشان في ستر.

 لم يكن لزهرة أحلام كبيرة، ولا أفق فضفاض محلق، بل كان همها وشغلها أن توفر ما به تعيش وتربي بنتيها، كان البيت الذي يضمها مع أسرتها الصغيرة على ضيقه وبساطته، مصدر أمنها وراحتها، وقمة سعادتها أن ترى البسمة تعلو وجهي رجاء وسلمى، كل يوم قبل أن تخرج للعمل؛ تصلي فريضتها وتتوجه بالدعاء للمولى أن يعينها، كانت علاقتها بخالقها قوية، فلا تفرط في صلاتها حتى في حقل العمل، كثيرا ما كانت تخرج في الشتاء قبل آذان الفجر، فلا ترتاح نفسها ولا يسعفها جسمها للعمل إلا بعد أن تناجي ربها في صلاتها، فهي تتذكر في كثير من الأحيان اللحظات التي كانت تقف وراء زوجها، تصلي ليلا وهو يرتل بصوته الملائكي، وتتذكر محاولاته العديدة لتعليمها القراءة وحفظ القرآن، فلا زال في صدرها ما شاء الله من سور وآي كتابه، ومعها ارتباط قوي بالقرآن وبكل ما يقرب من حب الرحمن، وفي كل هذا وفاء لذكرى زوجها الذي ارتبطت صورته بتلاوة القرآن، فأخذت على نفسها أن تواظب على حلقات حفظ القرآن في مسجد حيها، فيوم الخميس عصرا أصبح وقتا مقدسا. هذه السعادة التي تغمر قلب هذه المرأة السليمة فطرتها، لم يكدرها سوى إعلان حالة الطوارئ وفرض الحجر الصحي بعد انتشار وباء كورونا.

 أسئلة عديدة تتبادر إلى ذهن زهرة؛ فقد منع الجميع من الخروج؛ ولا بد من تسلم ورقة إدارية للسماح بمغادرة البيت، لا عمل ولا خروج ولا دراسة ولا معيل… ما العمل؟ لله الأمر من قبل ومن بعد.

مرت العشرون يوما الأولى من الحجر بمشقة، وتدبرت الأمر بما كانت توفره من مصروف، لكن بدأ الأمر يشتد والجوع تتراءى على الأعتاب ملامحه، وهي التي لا حق لها في منحة الأرامل ولا في منحة الدراسة لابنتيها ولا حق لها في بطاقة “رميد”، وسومة الكراء لا تبقي لها ما يغطي مصاريف يوم واحد، أفكار وهواجس لا تفارقها، وأختها شامة أيضا توقفت عن العمل. قطع حبل تفكيرها طرق على الباب، كم كانت فرحتها كبيرة حينما عرفت أنه عون السلطة جاء ليخبرها بحقها في وصل قدره خمسمائة درهم تأخذه عبارة عن مواد غذائية من بقال الحي.

حمدا لله، رمضان جاء بفضله وكرمه لن نجوع؟! حاولت أن تستجمع شجاعتها وتسأل عون السلطة: سيدي ألا يحق لي أن أستفيد من المساعدة المادية الخاصة بتدبير جائحة كوفيد 19؟ كان جوابه سريعا وهو العارف بحيثيات سكان الحي: لا أظن سيدتي أنك ستستفيدين فعندك معاش زوجك المرحوم، ولكن مع ذلك ممكن أن ننظر في الأمر، احملي معك نسخة من بطاقة تعريفك الوطنية غدا وضعي طلبك في المقاطعة.

–       شكرا سيدي.

لم تستسلم وتوجهت في الصباح الباكر إلى الملحقة الإدارية تحمل إذنها بالخروج وتضع الكمامة، وتحمل نسخة بطاقة التعريف الوطنية، فوضعت طلبها وشرحت حالها. وكيف أن معاش زوجها الزهيد يجعلها لا تستفيد من أي تغطية. ولكن مع ذلك هي تحمد الله، وتشكره على نعمة الستر والعافية.

 توالت الأيام، وامتد الحجر وجدد التمديد، ولم تحظ زهرة بأي دعم جديد، فقررت العودة إلى الموقف، بعدما أخبرتها جارتها أن العمل في الموقف عاد.

 كان اليوم حارا نسبيا، بعد تناول وجبة السحور وأداء الصلاة، خرجت زهرة قبل أن يتنفس الصبح، ووقفت في المكان المعهود، تنتظر رزقا يسوقه الوهاب، بعدما يئست من تفضل الإنسان. وقفت مع صاحباتها في الموقف تتبادلان أطراف الحديث، كان الذي يحز في نفسها أنها لا تملك هاتفا، ولا ثمن التعبئة لتتمكن ابنتها رجاء من متابعة الدراسة عن بعد، فقد أثر أن ابنتها المجدة ومن الأوائل ليس بإمكانها متابعة الدراسة مثل صديقاتها. لعل هذا الأمر من بين أهم الأسباب التي تؤرق بالها الآن، لم تنتظر زهرة طويلا هي ومجموعة النساء الأخريات، حتى جاءت عربة نقل حملتهن جميعا إلى ضيعة فلاحية لجني البازلاء.

– يا الله، كم أحس بالضيق وأنا أرتدي الكمامة! وزاد هذا الاكتظاظ من خنق أنفاسي، أشعر أنني لست إنسانة، العمل وطلب الرزق يجعلني وصويحباتي عرضة للوباء. لا أظن أن رب العمل، يفكر ولو لحظة أننا في خطر وأنه هو أيضا معرض للخطر؟ المهم الله حافظنا، الموت والحياة بيد الله، نسأله تعالى أن يرزقنا السلامة والعافية!

توجهت النساء إلى العمل مباشرة تحت أشعة الشمس، التي بدت وكأنها تختبر بحرارتها صبرهن على الصوم والعمل في أول يوم لخروجهن.

 كان العمل متعبا، والحرارة جفت معها حناجرهن، والتهبت بشرتهن، لكن الله عونهن وهو لن يضيعهن. استمر العمل من الخامسة صباحا حتى الثالثة والنصف، كانت الأمور عادية؛ لولا أن زهرة التوت رجلها وهي تحاول حمل كيس البازلاء إلى عربة الشحن، كان الألم شديدا، ربطت رجلها بقماط كانت تحتفظ به، وتابعت العمل، لتعود إلى البيت كما عادت في نفس العربة وبنفس الاكتظاظ. يا سبحان الله! يا ترى لماذا لا تراقب هذه العربات ولا يفرض على ملاك الضيعات توفير وسائل الحماية من الفيروس للعاملين والعاملات!؟

 وصلت زهرة إلى الحي تجر رجلها، وكم كانت صدمتها كبيرة حينما رأت سيارة الإسعاف أمام بيتها، تناست إصابتها وبدأت تركض نحو البيت تستطلع الأمر هي وصاحبتها. قبل أن تصدر أي تعبير بادرتها أختها شامة: رجاء لم يهدأ عنها الألم في بطنها وقد غابت عن الوعي، فاضطررت لاستدعاء سيارة الإسعاف لتحملها إلى المستشفى.

 ودون أن تشعر قفزت زهرة إلى السيارة تتحسس وجه ابنتها والدموع تنساب من عينيها بدون انقطاع. أرادت شامة أن تركب هي الأخرى سيارة الإسعاف، لكن السائق اعترض: لا يسمح إلا بمرافق واحد للمريض؛ وأم الطفلة أولى.

عادت شامة إلى البيت وحضنت سلمى، ومشاعر الحزن في قلبها تختلط بشاعر الخوف والقلق على رجاء.

– اللهم اشفها شفاء لا يغادر سقما!

تحركت سيارة الإسعاف وهي تحمل رجاء وكأنها شبه ميتة، وزهرة تتمزق من الألم على فلذة كبدها، تتحسس وجهها الشاحب مرة، وتمرر يدها على شعرها الأشقر الناعم مرة، وألف خاطرة وفكرة تعبر في ذهنها، لقد نسيت ألم رجلها وتعب يومها وجفاف ريقها، كل تلك الأحاسيس الخاصة رحلت، أو تأجلت بعدما ولد ألم جديد لم يكن في الحسبان.

– يا إلهي رجاء ستضيع مني!

وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى وبكل سرعة تم إدخال الطفلة إلى قسم المستعجلات، وللأسف لم يسمح لأمها بمرافقتها، بل أجبرت على البقاء في بهو الانتظار، فإجراءات الوقاية من الوباء ضيقت واسعا.

مر الوقت على قصره كأعوام طوال، ها هي الممرضة تسرع نحو زهرة التي ظهرت على وجهها ألوان الطيف، وتسمرت في مكانها وفقدت القدرة على الكلام، لتبادرها الممرضة قائلة: – سيدتي، ابنتك تعاني من الزائدة الدودية، وهي في مرحلة حرجة، وسيتم إنزالها إلى جناح العمليات الجراحية، حاولي أنت الآن أن تقومي بالإجراءات الإدارية الضرورية، فالطفلة ستبقى معنا.

نزلت كلمات الممرضة على مسامع زهرة كالزلزال المدوي، وأحست وكأن رجليها لم تعد تقوى على حملها، فهوت على الأرض تفترشها غير مبالية، وبدأت تنبع من وجهها قطرات عرق، أحست بعدها بقشعريرة تسري في كل مفاصل جسمها. تنبه ممرض الاستقبال لحالها، فقام مسرعا نحوها محاولا مساعدتها.

– سيدتي: عليك أن تعبئي أوراق الإجراءات الخاصة بعملية ابنتك رجاء، هل عندك ورقة التغطية الصحية، أو التأمين؟

– ردت زهرة وهي بعدُ لم تستوعب ما يجري: لم أحضر معي أوراق التأمين، لم أكن أعلم بما وقع لابنتي، أنا في حيرة ودهشة.

جلست زهرة هنيهة فوق الكرسي، وهي تتطلع بعينيها في الجهة التي خرجت منها الممرضة، فلعله جناح العمليات الجراحية، رفعت أكف الضراعة للمنان الحنان واستسلمت لموجة هستيرية من البكاء. ثم خرجت مسرعة، إلى باب المستشفى. كانت تريد أن تستقل سيارة أجرة لترجع إلى البيت لتأخذ الأوراق والنقود إن وجدت من الجيران من يسعفها بسُلفة، لكن سرعان ما رن هاتفها، إنها شامة أختها تسأل عن حال رجاء، ما كان من زهرة إلا أن أخبرت أختها بخضوع رجاء لعملية جراحية من أجل استئصال الزائدة الدودية، وأنها الآن بحاجة إلى الوثائق الخاصة بالتأمين.

حاولت شامة أن تهدئ من روع أختها: ستمر الأمور بخير إن شاء الله، وسأحاول أن آتي عندك ومعي الأوراق.

– ولكنك لا تملكين ورقة الإذن بالخروج!

– سأتدبر الأمر.

لم يمر سوى وقت قصير، وإذا بشامة تصل إلى باب المستشفى ترافقها السيدة مشغلتها.

– نرجو السلامة لرجاء، إن شاء الله تكون بخير (هكذا حاولت السيدة المشغلة وشامة التخفيف عن زهرة).

سلمت زهرة الأوراق لأختها، ومعها مبلغ لا بأس به: هذه هي الأوراق وهذه النقود ستحتاجينها لشراء الدواء، وأنا سأضطر للعود فوقت السماح بالتجول لم يبق عليه إلا بضع دقائق.

ودعت شامة أختها بعدما همست لها بأن مشغلتها هي من أعطتها النقود، فقد قررت أن تؤدي لها واجب العمل حتى وإن لم تعمل، فالتضامن في نظرها واجب في فترة الحجر الصحي، وصحبتها بسيارتها إلى المستشفى لما علمت بحالة رجاء.

عادت زهرة مسرعة إلى حيث يجب أن تتابع إجراءات عملية ابنتها وما يحتاجه هذا الأمر، وهل سيسمح لها الطبيب بالمبيت مع ابنتها أم لا؟

مرت الأمور بسلام وكان الموظف المكلف بهذه الإجراءات في غاية اللطف، فاطمأن قلبها، وأعادت وجهتها إلى الممر المؤدي إلى جناح العمليات، وعادت مرة أخرى تفكر في حياتها ومصير ابنتها، ومصاريف علاجها وهل ستنجح عمليتها؟ فكرها يجول يمينا وشمالا، لم تهدأ حتى رمقت من بعيد الممرضة وهي تدفع سرير رجاء. فهرولت مسرعة نحوها.

تلقفتها الممرضة فهي تفهم قصدها وحرقتها: الحمد لله على سلامتها لقد أنقدها الله من موت محقق، هي الآن بحالة جيدة لقد ارتاحت من الألم واستطاع الطبيب استئصال الزائدة التي كانت على وشك الانفجار.

لم يهنأ لزهرة البال حتى اقتحمت الغرفة التي وضعت فيها ابنتها واطمأنت بنفسها لما رأتها، رغم أنها ما تزال تحت تأثير المخدر فهي تهذي.

كانت زهرة تطمع في المبيت مع ابنتها، لكن الطبيب رفض قائلا: سيدتي اليوم سنتكلف بالرعاية اللازمة لابنتنا رجاء وهي تحت مسؤوليتنا، ولن تحتاجك الليلة، ممكن أن تعودي الآن إلى بيتك وفي الصباح سنسمح لك بالمكوث معها، ففي هذا مصلحتها خاصة مع ظرف الوباء.

خرجت زهرة من المستشفى وقلبها يكاد ينفطر، هل يعقل أن تترك ابنتها تبيت وحيدة بعيدة عن حضنها وهي المريضة التي تحتاج إلى العناية؟ تلفتت زهرة إلى الشارع، لا توجد أي سيارة أجرة لقد أوشكت المغرب على الآذان، كيف لها المسكينة أن تصل إلى بيتها سيرا على القدمين، ورجلها قد انتفخت ولم تعد تستطيع مقاومة ألم السير بها!؟

وصلت زهرة مع آذان المغرب، ورغم أن الوباء فرض الحجر والمكث في البيت، غير أنه بمجرد إقبالها على الزقاق الذي تقطن في منتهاه، بدأت تسمع أصوات جاراتها من النوافذ يسألن عن حالة ابنتها، ويلقين بتعابير التضامن والتعاطف والمواساة، دخلت زهرة إلى البيت واحتضنت ابنتها سلمى، وتفاجأت بهذا العدد الكبير من الأطباق والمأكولات والمواد الغذائية التي لم تجد شامة مكانا لها، بدا الاستغراب على وجه زهرة، فبادرت أختها بالإجابة التي بددت حيرتها وأنهت تعجبها:

– منذ عدت من المستشفى والجيران كل واحد يدخل في يده طبقا، أو كيس دقيق أو سكرا أو زيتا، بل أخجلوني بهذا الظرف الذي جمعوا فيه هذا المبلغ بغرض مساعدتك في محنتك.

جلست زهرة على جانب السرير وقد اطمأنت نفسها وغلبتها دموعها وهي تتساءل: لم أكن أتصور أن الجيران في ظل هذه الظروف التي قست بشكل أو بآخر على أغلبهم كما قست علي، أن يؤثروني على أنفسهم وأولادهم؟ أي رحمة قذفت في قلوب عبادك يا رب! حمدا لله، الذي عوضني في هذا الظرف العصيب بمواساة جيران هم مثال الخير والفضل والجود!