تحدث الدكتور محمد الزاوي الباحث في الفكر الإسلامي، وعضو الهيئة العامة للتربية والدعوة لجماعة العدل والإحسان، عن السبيل إلى ثبات الأعمال الصالحة عقب انتهاء المناسبات الكبرى في رمضان وخارج رمضان وفي الرباطات وبعدها، في جلسة اتخذ لها موضوع: “الثبات على الأعمال الصالحة علامة القبول”.

وأوضح الزاوي في جلسة الظهيرة اليوم ضمن فقرات الرباط الجامع أن سؤال الحفاظ على الأعمال الصالحة، سؤال يطرح دائما وهو سؤال في غاية الأهمية، وينبئ عن ميلاد روحي وقلبي في عالم الأرواح والذكر والبعد عن الغفلة عن الله عز وجل، وينسجم كمال الانسجام مع شرع الله عز وجل بل مع العقل والمنطق، كما يقال ليس الشأن أن تتوب ولكن الشأن أن تدوم على توبتك.

 

وعرف الثبات في اللغة بأنه “من قول يثبت الشيء ثبوتا وثباتا أي دام واستقر، والثبات هو ضد الزوال”، موردا قول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا. إذ الثبات هنا بمعنى الاستقرار، أي الدوام واللزوم، وكذلك يفيد معنى التقوية، كما قال الله تعالى ولولا أن ثبتناك وقوله سبحانه عز وجل: فثبتوا الذين آمنوا، وغيرها من الآيات التي جاءت في هذا السياق.

ولفت الزاوي إلى أن حقيقة الثبات والتثبيت هي الاستقرار واللزوم والدوام على الأعمال لا مطلقُ فعل الأعمال، وهو مستعار للبقاء والدوام على الأعمال، بحيث ينفي عن الأعمال الاضطراب والنكوص عنها.

وتابع موضحا: “الثبات على الدين وعدم الزيغ، قضية عظمى يجب أن يستحضرها المؤمن والمؤمنة في كل وقت وحين، بل لا ينبغي أن يفتر لسان المؤمن عن اللهج بها، كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الدعاء بالثبات في صلواته ودبرها وفي كل وأوقاته”.

وأورد حديث شداد ابن أوس الذي كان في سفر فنزل منزلا، وقال لغلامه آتنا بالشطرة أعبث بها، يقول غلامه فأنكرت عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا مني ما أقول لكم، سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب”.

وأوضح الزاوي أن الثبات في الأمر هو الدوام على الدين ولزوم الاستقامة عليه، والعزيمة على الرشد، والقصد منها استجماع قوى الإرادة على الفعل، وهو عقد القلب على الفعل، لأن المؤمن قد يعرف الرشد ولا عزم له عليه، ولذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.

طالع أيضا  ذ. عبادي: نحرص على طهارة العقل والقلب والبدن فنتنور بنور الله

ووقف على كلمة لابن القيم الجوزي رحمه الله التي علق من خلالها هذا الحديث السالف: “كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص، فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال كامل”.

وشدد الزاوي على أن الدين كله مداره على أمرين؛ العزم والثبات، فمن أيده الله تعالى بالعزم والثبات فقد أيده بالمعونة والتوفيق. مضيفا أن الثبات صفة المؤمنين وهو أعز ما يطلب وأسمى ما يجب أن يتهمم به المؤمن والمؤمنة، بخلاف المنافقين والكفار المتصفين بكثرة التقلب وعدم الثبات على حال واحدة. مصداقا لقوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يومنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون.

وأضاف أن الثبات سبيل الفلاح وعنوان قبول الأعمال، مصداقا لقوله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلى مثلها وهم لا يظلمون. وذهب الزاوي إلى أن اختيار فعل “جاء” في الموضعين معا؛ إشارة إلى أن العبرة في خاتمة الأمر والثبات على العمل حتى يجيء به المؤمن والمؤمنة إلى الحساب وهو مثبت في صحائف أعمالهم من غير مَنٍّ ولا رياء ولا أذى لخلق الله ومن غير نكوص. موضحا في الآن نفسه أن “من جاء بالحسنة”، ليست “من عمل الحسنة”، وإنما جاء بها أي حرص عليها وحافظ عليها.