بقلم: كريمة البعوني

فقه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن الخلل الذي وقع للأمة الإسلامية عبر التاريخ، إنما هو بسبب عدم تنزيلها للمنهاج النبوي على أرض الواقع، وبقاء أحلامها محلقة في الأماني المعسولة. فالناس وإن حفظوا القرآن لا يترجموه إلى أعمال وأخلاق، وإن قرؤوا السنة لا يسلكون كما سلك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام مسلكا قويما يجمع بين الذكر والجهاد والعدل والإحسان والتربية والأخلاق.. مسلكا سما بالصحابة إلى ذرى الإيمان والإحسان، ورفعهم إلى الخلافة في الأرض تنظيما ودولة.

فماهي التربية التي ترتقي بالمؤمن إلى الكمال الخلقي والخلافة في الأرض؟

وما هي معالم الجمع بين التربية والأخلاق في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين؟

وكيف يصدق الكمال الأخلاقي الكمال القلبي والإيماني؟

المحور الأول: التربية الإحسانية ومعالم الجمع بينها وبين الأخلاق في فكر عبد السلام ياسين

من مميزات المنهاج النبوي الذي جاء به الأستاذ عبد السلام ياسين أنه رباني الغاية والوجهة، شامل لكل مناحي الحياة، فهو عقيدة وتربية وأخلاق وسياسة واقتصاد وتنظيم وزحف.. فهو لم يكتف بالتنظير لمسألة التربية الروحية فقط من خلال نظرية المنهاج النبوي، بل وضع مشروعا تربويا متكاملا؛ يدعو المؤمن فيه إلى الإكثار من ذكر الله ومصاحبة الصالحين ومراقبة النفس وتزكيتها على الدوام. لذا نجده يحث في المنهاج النبوي، وغيره من الكتابات، على المواظبة على مجالس التربية والرباطات والاعتكافات والنصيحة والذكر والقرآن، لترقيق القلوب وتربية النفوس على التجرد من الأنانية والغفلة والنفاق والشح، وشحذ الهمم للانخراط في العمل الجماعي والتهمم بأمر الأمة.

تلك هي التربية الكاملة في نظرية المنهاج النبوي، التربية التي تسمو بالنفوس إلى معالي الأمور وترك سفاسفها، وتشحذ هممهم وتحرر إرادتهم ليطلبوا ما عند الله، وتخلصهم من قيود الدنيا وفتنها، وتوجههم إلى الاستعداد للآخرة ونعيمها.

وقد نهج الأستاذ ياسين نهجا حكيما في تنزيل المنهاج النبوي؛ إذ وصل ما انفصل في تاريخ الأمة وفكرها، فكان دائما يربط بين أعمال البر والتربية الإيمانية الكاملة، ويعتبر كمال الأخلاق من كمال الدين ومن تمام الإيمان. وفي هذا السياق يقول: “وامتلاك النفس وحملها على مكاره الشهوة والهوى ومحاب الله ورسوله، رأس الخلق، وكمال الأخلاق من كمال الدين”.

وهذا الفهم التجديدي العميق منطبق مع قصد البيان القرآني الحكيم: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (البقرة، 177).

أورد الأستاذ عبد السلام ياسين هذه الآية في كتاب تنوير المؤمنات في معرض حديثه عن الإحسان إلى الخلق، ليسائل المؤمنة طالبة الكمال ويصحح لها المسار ويرشدها إلى تطبيق هذه الآية وترجمتها إلى سلوك وأعمال وأخلاق، “أرأيت أخت الإيمان كيف ذكرت أعمال البر مباشرة بعد الإيمان القلبي بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين قبل الصلاة الزكاة”.

واعتبر…. تتمة المقال على موقع مومنات نت.