استمرارا في تنزيل برنامج الرباط الجامع الذي تنظمه جماعة العدل والإحسان عن بعد، في أيام العشر الأواخر من رمضان (18 رمضان إلى 28 منه 1441ه)، وهو ما فرضته ظروف الحجر الصحي بديلا لتنظيم الاعتكافات في السنوات السابقة. وحرصا على تنوع المواضيع وملامستها لأكبر عدد من طرق سلوك المؤمنين إلى الله تعالى. بثت قناة الشاهد في حصة ظهيرة اليوم، الأربعاء 20 ماي 2020، مداخلة للباحثة في أصول الفقه ومقاصد الشريعة وعضو الهيئة العامة للعمل النسائي الدكتورة وفاء توفيق في موضوع “التكامل الوظيفي بين الزوجين وأثره على الاستقرار الأسري”.

استهلت توفيق كلمتها بتبيان أهمية الأسرة بالنسبة للفرد، معتبرة أنها “نواة كل تجمع بشري، حيث هي مجال التقاء شطري النفس البشرية الواحدة، والمأوى الطبيعي للوجود الإنساني ونموه ومستقره في جميع مراحل حياته، وهي محضن فطرته ومصدر قيمه”.

وهي، بالنظر لأهميتها بالنسبة للمجتمع، “أس كل مجتمع وسنده، أحواله متداخلة بأحوالها، ومنزلة هذا المجتمع علوا ورفعة أو انحدارا وانهيارا رهينة بمدى تماسك هذه الأسرة واستقامة أمورها، وقيامها بأدوارها البنائية الاستخلافية”.

وبسطت توفيق المقصد الأول والأصلي من خلق الناس أزواجا؛ ذكورا وإناثا من نفس بشرية واحدة، استقراء للنصوص القرآنية، وهو “تحقيق السكن والسكون بينهما، إذ بحصول ذلك يتحقق الاستقرار الأسري، فينبري كل من الزوجين للقيام بواجبه الاستخلافي في أمن وسلام وعلى أتم وجه، إذ الاستقرار الأسري أصل الاستخلاف والقيام بتزكية النفس وطلب العدل في الأرض وتطبيقه وامتثال شرع الله تعالى”.

وذكرت المتكلمة بعناية رب العالمين بالأسرة، لما أناط بها من مهام ومسؤوليات، “نظرا لعظم هذه المؤسسة ولعظم أدوارها وخطورة مهامها”، إذ وضع “منظومة متكاملة من التشريعات المنظمة لشؤونها والمبينة لكل ما يتصل بها وبتكوينها واستمرارها، وضبط العلاقات بين أفرادها بشكل عام وبين الزوجين على وجه الخصوص، لتصان من التفكك وتتحقق مقاصد وجودها وتتمكن من أداء وظائفها الرسالية؛ بدءا بإعداد الولد الصالح الباني المعمِّر، ومرورا بالإسهام في بناء المجتمع، ووصولا إلى التمكين للأمة وإسعاد البشرية وتحقيق أمن الإنسان..”.

طالع أيضا  الجلسة الافتتاحية للرباط الجامع لجماعة العدل والإحسان (فيديو)

لكن هذه الأدوار انقلبت إلى استبداد، تقول توفيق، “بسبب الشرخ الذي حصل في تاريخ الأمة بسبب تدهور الحكم عما كان عليه في العهد النبوي والخلافة الراشدة، وما يعنيه ذلك من وجود العدل والشورى والكرامة والحرية، وكل الفضائل والمصالح التي جاء بها شرع الله سبحانه وتعالى.. لينقلب إلى استبداد سياسي وظلم اجتماعي، وما استتبع ذلك من تهميش لدور العلماء والفقهاء، ومن ثم عرف المصطلحان القرآنيان “القوامة” و”الحافظية” تحولا كبيرا وانحرافا بيّنا؛ سواء على مستوى المفهوم والمقتضيات كما على مستوى الممارسة والتطبيق. ومن ثم نجد اختلافا واضحا بين سادتنا العلماء والمفسرين في توضيحهم مفهوم ومتطلبات هذين المصطلحين القرآنيين”.

وأوضحت الباحثة في أصول الفقه ومقاصد الشريعة هذا الانحراف؛ “فبالنسبة للقوامة انحرف مفهومها وتضخم من اعتبارها مسؤولية قيادة حكيمة ورعاية رحيمة، كلف بها الزوج الرجل تثقيلا لميزانه بمثاقيل مسؤولية قيادة سفينة الأسرة بحكمة ودراية ومداراة بالقيام على شؤون أهله ومن يعول وتحقيق مصالحهم، انقلبت كل تلك المعاني والمهام بفعل هذا الاستبداد السياسي إلى عنوان تغلب وتحكم واستبداد”.

نفس الانحراف حصل لمفهوم الحافظية “الذي انكمش وهزل، وتحول معناها من حفظ المرأة لحقوق الله تعالى وامتثالها تكليف الشرع، ولزوم قيامها ومرابطتها على ثغر مهم وخطير هو صناعة أجيال الأمة من جهة، ثم التعاون مع الرجل على إعمار الأرض عدلا وإحسانا وخيرا وصلاحا بما به يتحقق وجود هذا الدين وحفظه.. حيث تقلص مجال انشغال المرأة واهتمامها، وانحصر بين جدران بيت الزوجية، واختزلت مهامها في شغل البيوت وإرضاء الأزواج، حتى أمست بذلك كما مهملا”.

وانبرت عضو الهيئة العامة للعمل النسائي إلى إظهار مدلول وخصائص هذين المفهومين المركزيين في “الفكر المنهاجي المؤسس على الوحي (القرآن والسنة)، المستنير بنور الفهم عنهما”، موضحة أنه “يعتبر هذين التكليفين؛ القوامة والحافظية، وظيفتين ضروريتين بضرورة وجود الزوجين الذكر والأنثى في مؤسسة الزواج، فلابد من وجود الوظيفتين معا فيها”. ويعتبرهما كذلك “وظيفتين متكاملتين؛ حتى يحصل التوازن في حياة الأسرة فتستقيم أحوالها وتأتي أكلها مثمرا سائغا”. كما يعتبرهما “وظيفتين تخصصيتين؛ حتى ينبري كل من الزوجين لأداء ما كلف به وتستوجبه مهمته بقوة وأمانة”. ويعتبرهما أيضا “تشاركيتين؛ لأهمية مشاركة كل شريك صاحبه تهمما وتشاورا وتعاونا ومددا”.

طالع أيضا  الرباط الجامع عن بعد، وسؤال القُرب

وأكدت توفيق أن “لكل وظيفة من الوظيفتين مهام أصلية يختص بها كل جنس من الجنسين عليهما التصدي لها بقوة وأمانة، لكن هذا التخصص لا يعني أن الوظيفتين منقطعتين متباعدتين، مستقلة كل واحدة منهما عن الأخرى، بل بين المهمتين تكامل وتقاطع؛ فللرجل من حافظية المرأة نصيب، فعليه أن يشاركها في مهام جبهتها الأصلية التي هي تربية وتأهيل الإنسان، فيكون لها مددا وعونا حتى يحصل التكامل والتوازن على مستوى هذه الجبهة. كما على المرأة وهي تقوم بوظيفتها.. أن تشارك الرجل في جبهاته الخارجية؛ حضورا وتدافعا ومددا وشورى، لتكون في قلب الأحداث وعلى دراية كاملة بالواقع الذي ينشأ فيه ولدها، فتتقن صنعتها التربوية من جهة، وتسهم من جهة أخرى في بناء الأمة، كما أسهمت في ذلك نساء السلف الصالح من أمهات المؤمنين والصحابيات وصالحات هذه الأمة”.

وأشارت الدكتورة وفاء توفيق في مداخلتها، تأسيسا على ما ورد في الآية 34 من سورة النساء: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ، أن توزيع المهام بين قطبي الأسرة الواحدة الزوج والزوجة وبين الرجل والمرأة بشكل عام، المذكور في الآية، هو تقسيم – بحكمة الله – مناسب لما جبل الله عليه كل من الجنسين، مما يجعل كل واحد منهما مُهيأ للقيام بهذه الأعباء ومُعانا عليها، و”ذلك منتهى العدل الإلهي والرحمة الإلهية”، تقول المتحدثة وتضيف؛ أن هذا التحديد يضمن حصول التكامل الوظيفي بينهما، ويؤمن سفينة الأسرة حتى تسلم من عواصف تداخل المهام والمسؤوليات، وتنجو من اختلاط الحقوق بالواجبات.. فترسو على بر الأمان والاستقرار والسعادة والهناء..

نقطة مهمة أخرى تطرقت إليها توفيق، وهي ضرورة وجود ضمانات وشروط ليستطيع ويتحفز كل زوج على أداء مهمته على أحسن وجه.. “هذه الشروط نجدها مبثوثة في باقي التشريعات الزوجية الأخرى، قرآنا وسنة، وهي منظومة متكاملة يفقد تجزيؤُها كمالَها ووظيفَتها التشريعية التي تعتبر خادمة للمفهومين وحامية لهما”. وذكرت جملة من هذه الضمانات؛ المعاشرة بالمعروف – الرحمة والمودة في التعامل الزوجي – الإشباع العاطفي والتعبير عن المحبة – الاحترام المتبادل – التعاون – التضحية – الشورى وعدم الاستبداد بالرأي – حسن التفقد الصبر – التضحية – التغافل..

طالع أيضا  رباطٌ فـي رباطٍ 

وختمت الدكتورة وفاء توفيق مداخلتها بخلاصة مفادها أنه على قدر قيام كل من الزوجين بمهمته الأصلية وفق مراد الشرع، ثم مشاركته زوجه الآخر جبهته الخاصة تعاونا وتشاورا ومددا، على قدر ما ينعكس ذلك إيجابا على الأسرة؛ إن على مستوى العلاقة الزوجية متانة ومودة ورحمة، أو على مستوى تربية الأطفال استقامة وصلاحا وتوازنا وثقة في النفس وقوة شخصية وحسن اندماج في المجتمع…

اما الابتعاد عن الهدي القرآني بخصوص الوظيفتين أو سوء فهم، معنى وتمثلا، أو سوء استعمال لمقتضياتهما، فيكون له انعكاس خطير على العلاقة الزوجية التي تمسي ضنكا وتعاسة، وعلى تربية الأبناء اضطرابا وضعفا في الشخصية وانحرافا وسلبية وتقاعسا..

فيما يلي المداخلة كاملة: