مواصلة لحلقات الرباط الجامع الذي تنظمه جماعة العدل والإحسان عن بعد، والذي تصادف أنواره بركات ونفحات العشر الأواخر من رمضان المعظم، افتتحت جلسة الليلة السابعة، الثلاثاء 25 رمضان 1441، التي أطرها الأستاذ رشدي بيوبري، الباحث في الفكر الفلسفي وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، بآيات بينات من الذكر الحكيم للقارئ يوسف قاق، وتقديم بين يدي الجلسة للدكتور عمر أمكاسو، مسير الرباط، بيّن فيه أن السلوك إلى الله عز وجل هو سلوك جامع للأخلاق والعلم والإحسان والدعوة إلى الله عز وجل.

انطلق الأستاذ رشدي في مداخلته، التي اختار لها عنوانا: “العلم أخو التربية“، من كون السلوك إلى الله عز وجل هو القضية العظمى في الدين، بل الغاية الأسمى للتدين؛ فالحرص على نيل معرفة الله عز وجل والفوز برضاه هما الغاية التي يستحق أن ينفق عليهما المؤمن والمؤمنة عمرهما، ويبذلا في سبيلهما الغالي والنفيس، لأنهما، حسب المحاضر، أعز ما يطلب.

وعرف السلوك إلى الله باعتباره سيرا حثيثا إلى الله عز وجل، معضدا كلامه بتعريف للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله قال فيه: “السلوك إلى الله تعالى سيرٌ حثيثٌ في سبيلٍ مُوصلٍ إلى معرفته جل جلاله على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ السلوك طريقه العبودية وغايته معرفة الله“. وهذه القضية، حسبه، منصوص عليها في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانت مبدأ راسخا في حياة الصحابة رضوان الله عليهم.

وأوضح بويبري كلامه بكون التقرب إلى الله عز وجل والتزلف إليه بالفرض والنفل، والحرص على نيل الحظوة عنده بصالح الأعمال، عند الجيل القرآني الفريد الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان علما راسخا وعملا ثابتا استغرق حياتهم، وكانوا يفهمون بشكل تلقائي أن غاية المؤمن في الحياة أن يبذل كل شيء في سبيل معرفة الله عز وجل ونيل رضاه، تشربوا هذا الأمر من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام المصحوب الأعظم من قلبه وسلوكه وعمله.

والسلوك إلى الله عز وجل عند هؤلاء الصالحين، حسب الباحث في الفكر الفلسفي، لم يكن نزهة عابرة ودعة وسكونا وكلاما منمقا، بل كان عملا شاقا، وأردف شارحا “السلوك إلى الله قطع للمسافات الطويلة إلى الله سبحانه، اقتحام لعقبة كؤود بل عقبات كأداء، حتى يمن الله عز وجل على المؤمن الصادق في طلب وجهه الكريم بأن يدخله في زمرة المقبولين المرضي عنهم. وهذا ما يقتضي دائما صبرا ومصابرة ومرابطة وإصرارا وحرصا على الثبات في طريق الله وانكسارا بين يدي الله، واستمداد مدده وطرقا لبابه”.

وتقتضي صوابية هذا السلوك إلى الله عز وجل أن يكون فيه، حسب قوله، اتباع كامل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولصحابته الكرام، لأجل ذلك سماه الإمام عبد السلام ياسين: “سلوكا منهاجيا قرآنيا نبويا جهاديا“.

وهنا سينتقل الأستاذ المحاضر بالمرابطين والمرابطات إلى وقفات مع مزالق وحجب وعقبات وعوائق متعددة متلونة تعترض السالك إلى الله عز وجل، واختار أن يقف عند أخطرها وهما عقبتان: الشهوة والشبهة.

طالع أيضا  نبضات قلب معتكف

وقد عرف الشهوة باعتبارها مجموعة من الاندفاعات النفسية التي تتولد عند الإنسان في باطنه، وتدفعه إلى الحرص على كل لذة أو متعة أو ارتياح معين. وهي حسبه أنواع عدة: شهوات حسية (شهوة البطن، الفرج…)، وشهوات معنوية (شهوة التسلط، السيادة، الشهرة…). أما الشبهة فهي، في نظره، اختلاط وغموض وصعوبة تمييز وفرز وتحديد بدقة.

وخطورة الشهوة، يقول، ليست في ذاتها لأن الله عز وجل اعتبرها “زينت للناس“، في قوله تعالى في سورة آل عمران: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ، بل خطورتها عندما يتسلط عليها الهوى ويسيطر عليها، وهذه الحال قد توصل صاحبها إلى أخس دركات الضلال، يقول الله تعالى في سورة الجاثية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُۗ.

ومن أجل ذلك كانت التربية حسب عضو مجلس إرشاد الجماعة، السبيل الوحيد لتقويم النفس البشرية والحد من غلوائها وتسديد شهوتها، حتى يصير الإنسان في الصورة الكاملة التي يريدها منه الله عز وجل، عبدا له حريصا على رضا مولاه، لا إرضاء لذاته ونفسه.

وهنا اقتبس المحاضر كلاما للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ليبرهن على أن التربية التي تستحق نعتها بالإسلامية هي التي تغوص في أعماق النفس البشرية لتبذر في القلب بذرة الإيمان، قال الإمام رحمه الله عن التربية الإسلامية: “لن تكون مستحقة لاسمها إلا إن تناولت الإنسان فأودعت قلبه إيمانا وعقله حكمه وجسمه صلابة“، وأضاف الأستاذ رشدي على كلام الإمام أن الهدف من هذه التربية هو بث الإيمان في قلب المؤمن والسمو به من حضيض إسلام الغفلة إلى مراتب الإحسان ومقامات القرب من الله سبحانه وتعالى. والتربية بهذا المعنى، يوضح، هي التي ستتصدى للشهوة حتى تقومها وتسددها وتجعلها مستقيمة على شرع الله عز وجل.

طالع أيضا  الذكر في الهدي النبوي: مفهومه وخصائصه

 وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للشهوة، فمن يتصدى للشبهة؟ تساءل الأستاذ بيوبري، فأجاب: لا شك أنه العلم؛ فالعلم يحرر العقل من الشبهة وتأثيرها وتضليلها وتحريفها. العلم يجعل المؤمن يسلك إلى الله عز وجل في جو من الصفاء والارتياح. وعضد كلامه بكلام للإمام عبد السلام ياسين حين قال: “ينبغي للتربية الإيمانية الإحسانية أن تربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل“.

وهو ذات المعنى الذي ورد في كتاب الله عز وجل وترسخ في المفهوم الإسلامي للتربية، ويتضح ذلك حسب رشدي، من خلال الوظيفة التي أوكلها الله عز وجل إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين قال في سورة الجمعة هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. فتعليم شرع الله والإحاطة بأوامره ونواهيه، وتعليم الحكمة، في منظور الأستاذ المحاضر، عمليتان متلازمتان لوظيفة تزكية النفوس وتلاوة آيات الله.

ويزيد مبينا أن الله عز وجل جعل العلم من دلائل نبوة الأنبياء ورسالة المرسلين. قال الله عز وجل على لسان سيدنا إبراهيم مخاطبا والده في سورة مريم يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويّا.

وهذا الفهم كان راسخا عند الصحابة رضوان عليهم، حيث كانوا حريصين على مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتراف العلم من معينه ومنبعه الصافي. ويورد أستاذ رشدي كلاما بليغا لأحد فقهاء الصحابة الكبار، سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال: “تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. لأنه معالم الحلال والحرام، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والزين عند الأخلاء، والقرب عند الغرباء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخلق قادة يُقتدى بهم، وأئمة في الْخُلُقِ تُقْتَفَى آثارهم، ويُنْتهَى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في حبهم، بأجنحتها تمسحهم. حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء وَنُجُومُهَا، لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظُّلَمِ، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار، ومجالسة الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والفكر به يُعْدَلُ بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله عز وجل، وبه يُعْبَدُ الله، وبه توصل الأرحام، وبه يُعْرَفُ الحلال من الحرام، إمام العمل والعمل تابعه، يُلْهَمُهُ السعداء ويُحْرَمُهُ الأشقياء”.

وخلص الأستاذ من كلام هذا الرجل الصالح أن العلم غاية تطلب، وهو قرين تزكية النفس وتطهيرها، وقد سار الإمام ياسين رحمه الله على هذا الهدي في حضّه على طلب العلم واكتسابه، حين اعتبر أن كمال المؤمنة، كما المؤمن “أن تنزع عن نفسها رذيلة الجهل، وعطالة الجهل، وأن تتحلى وتتجمل بالمعارف الشريفة“.

وهنا تساءل مجددا الأستاذ رشدي: أي علم هذا الذي حاز كل هذا التشريف؟

طالع أيضا  الأستاذ تيزنت في جلسة الظهيرة: الاعتكاف منطلق مسيرة جديدة

ليجب أن شرف أي علم هو موضوعه، لذلك ميّز الإمام ياسين، بحسبه، بين مستووين من العلم حيث قال: “فالعلم علمان: علم بالله، وبغيب الله، وبرسل الله، وبكتب الله، وملائكة الله، وقدر الله، ومصير الإنسان في الدار الآخرة إلى الله. وعلم آخر عن كون الله، وخلق الله، وما أودعه الله في أرضه وسمائه من أسرار، وما رتب سبحانه من أسباب، وما سخر سبحانه للإنسان تسخيرا طبيعيا، وما جعل لتسخيره أسبابا على الإنسان أن يُرادف التجارب، ويجمع المعارف، ويَخترع المناهج، ويصطنع الآلات لتوفيرها.“

صنف أول إذن هو العلم الحق؛ علم شرع الله عز وجل الذي لا يعبد الله بدون التحقق بدونه وهو الذي نص عليه الحديث النبوي الذي رواه سيدنا أنس بن مالك حيث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ”. وهو العلم النافع، وأعلاه وأسماه معرفة الله عز وجل.

والصنف الثاني، حسب رشدي، هو علم الإحاطة بما خلق الله عز وجل في هذا الكون، وما أودع فيه من نواميس وسنن جارية، والبحث في أسرار المادة التي جعل الله فيها القوة التي أمر الله المسلمين ببنائها وإعدادها، شرطا لبناء الأمة وقومتها ونهضتها.

وختم الأستاذ بيوبري جلسته الماتعة باستخلاص أساسي وهو أن طلب العلم واكتسابه، خاصة العلم الشريف الموصل إلى معرفة الله عز وجل والمؤدي إلى نيل رضاه، قرين بتزكية النفس ومجاهدة الشهوة والهوى، وقرين أيضا لكل الأعمال التعبدية التي يقوم بها العبد تقربا إلى الله عز وجل.

شاهد الشريط