عن سؤال المقصود بدعاء الرابطة الذي أدرجه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله ضمن مواد يوم المؤمن وليلته وعن ماهيته وكيفيته وفقراته، يجيب الأستاذ عبد الكريم العلمي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان في هذا الشريط الهام.

قال المتحدث، في شريط نشرته قناة بصائر الإلكترونية قبل أيام، بدايةً إنه لا يخفى ما للدعاء من أهمية كبرى ومنزلة عظمى في ديننا، في كتاب الله عز وجل وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين، وقال أيضاً: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، وقال سبحانه أيضاً: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. وكتاب ربنا حافل بأدعية الأنبياء عليهم السلام، والصالحين من الأمم السابقة رضي الله عنهم.

كما أن دواوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حافلة هي الأخرى بالحث والحض على الدعاء، ومليئة بأدعية مباركة للحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. فقد جعله عليه الصلاة والتسليم مخ العبادة، بل قال عليه السلام: “الدُّعاءُ هو العبادةُ”، كما أخرج ذلك أصحاب السنن وصححه الترمذي.

كما وصف رسول الله الدعاء، فيما أخرجه الحاكم وصححه، بأنه “سلاحُ المؤمن وعماد الدّين ونُورُ السماوات والأرض”، ولكونه كذلك قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد”. ووجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب المتحدث بقوله: “من سره أن يستجيبَ اللهُ له عندَ الشَّدائدِ والكُرَبِ، فلْيُكثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ”.

لكل هذا، يقول الأستاذ العلمي، أولى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله أمر الدعاء أهمية قصوى، وجعله من أسس السلوك إلى الله سبحانه، وسبباً عظيماً من أسباب فلاح المؤمن والمؤمنة في الدنيا والآخرة. فقد جعله رحمه الله من البنود والمواد الأساسية في برنامج يوم المؤمن وليلته، الذي على مريد وجه الله السالك إليه، أن يتزود به يومياً حتى يخرج من زمن العادة واللهو إلى زمن العبادة والجهاد.

طالع أيضا  دعوة المؤمن لأخيه المؤمن عن ظهر الغيب

عضو مجلس الإرشاد أكد أن الإمام قد أدرج دعاء الرابطة ضمن شرط التربية الأول الصحبة والجماعة، فجعله في الفقرة الأولى مباشرة بعد حديثه عن الصحبة والمصحوب، ثم عقد الأخوة، فقال مباشرة رحمة الله عليه: “ما سماه الشيخ البنا رحمه الله ورد الرابطة إنما هو تجسيد عملي لعقد الأخوة بين المؤمنين” ثم قال: “ونرى دعاء الرابطة ضرورياً لربط المؤمنين في جماعة، فإذا سرى معنى الربط بتكرار المجالسة وتكرار الوقوف بين يدي الله في الصلاة والعمل المشترك والدعاء الرابط التقت الصحبة بالجماعة، ولم تكن الجماعة شكلاً ولا الصحبة صحبةً انفرادية”.

وعن الوقت الأفضل لهذا الدعاء قال المتحدث إنه هو وقت السّحر، وإن لم يكن، ففي أي وقت يتيسر، سواء أكان ذلك مجتمعاً أم مقسّماً، المهم أن تكون للمؤمن والمؤمنة جلسة يومية لهذا الدعاء المبارك.

ثم قدم تفاصيل دعاء الرابطة، فقال إنه، وكأي دعاء، يفتتح المؤمن دعاء الرابطة بالثناء على الله عز وجل بأعظم ما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة الفاتحة، ثم يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يستغفر لذنبه ويسأل لنفسه ولوالديه ولأهله ولذوي رحمه خير الدنيا والآخرة، بعد ذلك يشرع في الصلاة والسلام على الأرواح الطاهرة، فيصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أنبياء الله ورسله بأسمائهم، ثم على الخلفاء الراشدين والآل والذرية والصحب والأزواج، ويذكر في كل ذلك ما يستحضره من أسمائهم عليهم السلام أجمعين.

ثم على التابعين وصالح الأمة، وأئمتها، وكذلك يذكر ما حضره من أسمائهم، ثم يتلو معمماً الدعاء: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ.

ثم على المؤمنين العاملين للإسلام ونصرة دين الله، ويخصص بالدعاء من يربطه بهم رباط المحبة والجهاد، ويذكر الأسماء، ثم يعمم الدعاء على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسأل الله لها الرحمة والمغفرة وخير الدنيا والآخرة، ويشمل دعاؤه الإنسانية جمعاء، أن يخرجها الله من ظلمات الظلم والضلال، إلى نور الهدى والعدل.

طالع أيضا  الأستاذ أرسلان: الدعاء من مفاتيح إحياء القلوب (فيديو)

بهذا يشعر المؤمن بانتمائه إلى الموكب النوراني كما يقول الإمام المجدد رحمة الله عليه، موكب الإيمان والجهاد، من لدن آدم إلى يوم القيامة. فدعاء الرابطة يربطنا روحيا بالأرواح الطاهرة، ويقرب إلينا معاني الكمال وأنوار أهل الكمال، ويحثنا -وهذا هو المقصود بالذات- على أن نصبح نحن ممن يطلبون وجه الله كما طلبوا، ونبذل الوقت والجهد والنفس والمال كما بذلوا.

وبهذا يخرج بنا دعاء الرابطة، يضيف، من التبرك إلى السلوك، فلا نكتفي باحترامهم والسلام عليهم سلام المتبركين، وهذا في ذاته أمر محمود، بما يحقق لنا من صحبة لهم كلما دعونا، لكن الأهم والأنفع هو أنني أعمل لأكون مثلهم، لأعمل مثلما عملوا. فدعاء الرابطة في فراغ من التشوف إلى حب الله ورسوله، ومن الحب في الله، والخلق الحسن والعمل الصالح، لا معنى له.

ومن تمام دعاء الرابطة أن تعقبه هدية قرآنية لمن دعوت لهم وسلّمت عليهم، وقد كان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يهدي إليهم السور والآيات الفاضلة يومياً، ثم ختمات القرآن الشهرية وغير الشهرية التي يختمها رحمة الله عليه.

وشدد الأستاذ العلمي على أن دعاء الرابطة ينبغي أن يكون دعاءً تنشئه إنشاءً، حتى تكون القلوب ما أمكن حاضرة غير لاهية أو ساهية، فلا معنى لأن نكتب صيغة معينة على الأوراق، فيتلوها الداعي ويتلوا ما فيها من أسماء، فهذا الذي كان يسميه الإمام إخباراً. والدعاء إنشاءٌ ينشأ من القلب، وليس خبراً يقال هكذا.