بقلم: خاليد ديدي

أعلنت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بتاريخ 8 ماي 2020 عن إلغاء مباريات ولوج معاهد المدارس الوطنية للتجارة والتسيير، والمدارس الوطنية للعلوم التطبيقية، والمدرستين الوطنيتين للمهن والفنون، والمدرسة الوطنية العليا للفن والتصميم، وذلك انطلاقا من الدخول الجامعي لسنة 2020-2021. هذه المباريات تخص الولوج للسنة الأولى لهذه المدارس والتي اعتاد التلاميذ الحاصلون على شهادة البكالوريا اجتيازها كل سنة خلال فصل الصيف.  

في هذا المقال سنناقش هذا القرار من جوانب مختلفة وسنحاول إبراز بعض الإجراءات التي يجب أن تواكبه في أفق وضع آليات شفافة وواضحة لولوج المعاهد العليا، بما يضمن مبادئ النزاهة وتكافؤ الفرص أمام كافة المترشحين.

اتخذ هذا القرار في خضم ظرفية كورونا وما أملته من إجراءات العزل الصحي وتعليق الدراسة وتوقيف عدد من الأنشطة الاقتصادية. فإن كانت هذه الظرفية قد ساهمت في التعجيل بتنزيل هذا القرار، فإن الفكرة كانت قيد الدرس في دوائر القرار بعدما باءت محاولات سابقة لتنزيله بالفشل كما حدث في سنة 2015.  

لا شك أن لهذا القرار عدة جوانب إيجابية يمكن إجمالها، إضافة إلى إكراهات الحجر الصحي الذي يفرض مقاربات جديدة، في النقط التالية:

– القطع مع ظواهر الاتجار والمضاربة التي أصبح يعرفها الإعداد لهذه المباريات، خاصة في السنوات الأخيرة، من طرف عدد من المدارس والمراكز الخاصة التي تفرض مبالغ خيالية نظير المشاركة في برنامج التحضير وهو ما لا تستطيع الأغلبية الساحقة من الناس تحمله.

– تخفيف العبء على عدد مهم من العائلات وخاصة الموجودة بالمناطق البعيدة عن مركز الرباط – الدار البيضاء التي يضطر أبناؤها وبناتها للسفر وقطع مسافات طويلة لاجتياز هذه الامتحانات، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمجموعة من المباريات المبرمجة على فترات مختلفة. هذا العبء الذي شكل لسنوات عديدة ثقلا ماديا بما يشمل من مصاريف السفر والسكن والأكل، فضلا عن ضرورة اصطحاب الآباء لبناتهم.

طالع أيضا  ذ. الجوري يشيد بالمبادرات الشخصية لرجال التعليم إنقاذا للدخول المدرسي

– ترشيد نفقات وجهود المؤسسات التي تعد لهذه المباريات والتي قام عدد منها بفرض رسوم على الراغبين لاجتياز هذه الامتحانات لتغطية المصاريف الخاصة بهذه الامتحانات.

إن هذا القرار يطرح أسئلة حقيقية حول جدوى هذه المباريات التي تبرمج غالبا حوالي شهر بعد البكالوريا. من هذه الأسئلة جدوى الامتحان الوطني للبكالوريا الذي يتوج سنوات عديدة من التحضير والاجتهاد من طرف التلاميذ ويتم تسخير إمكانيات بشرية ولوجيستيكية ومادية ضخمة لتنظيمه.

ألا تشكك هذه المباريات في مصداقية البكالوريا؟ أليست هذه المباريات طريقة للحفاظ على مكانة هذه المعاهد وحفظها من الخلل الحاصل في البكالوريا؟ بل أليس من الظلم في حق التلاميذ أن يتم تكوينهم لمدة اثنا عشر سنة بمعايير معينة لاجتياز امتحان البكالوريا ثم نقول لهم مباشرة بعد النجاح في البكالوريا أن تكوينهم ليس كاف لولوج المعاهد العليا وأنه يجب عليهم الإعداد بشكل آخر تماما لولوجها؟

ثم أليس من الحيف أن نبرر الإبقاء على هذه المباريات باختبار قدرة التلاميذ ومؤهلاتهم لمتابعة الدراسة بهذه المؤسسات باعتماد اختبارات شفوية في بعض الأحيان، غالبا ما تختبر شخصية التلاميذ ومعارفهم وثقافتهم العامة، الشيء الذي لا يتم التركيز عليه في التكوين ما قبل امتحان البكالوريا.

إن إلغاء هذه المباريات إجمالا خطوة إيجابية لرد الاعتبار للامتحان الوطني للبكالوريا، والذي يبذل التلاميذ جهداً مضنيا للاستعداد له، ناهيك عن التضحيات الجمة التي تبذلها عائلاتهم قصد تهييئ وتأهيل أبنائهم وبناتهم لاجتياز هذه المحطة بنجاح. لكن يجب مواكبة هذا القرار بمجموعة من الإجراءات قصد ترسيخ مبدأ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص أمام الجميع. فالاقتصار على معدلات البكالوريا لولوج هذه المعاهد العليا يجب ألا يفرز مظاهر أخرى من الظلم والطبقية بإدراج نقط المراقبة المستمرة التي تعرف تبايناً واضحاً، خاصة بين الثانويات العمومية والخصوصية. وبناءً على ذلك فإدراج نقط المراقبة المستمرة في معايير الانتقاء من شأنه أن يحكم بإقصاء عدد من الطلبة لا لشيء إلا لظروفهم الاجتماعية أو لاختيارهم التعليم العمومي. من هذا المنظور، فإن الأسلم سيكون هو الاقتصار على نقط الامتحان الوطني بمعامل مهم ونقط الامتحان الجهوي بمعامل أقل.

طالع أيضا  قضايا وإشكالات التأطير القانوني لمنظومة التربية والتكوين - هواجس التقنين الملزم وإرادة التحكم الضبطي (2)

إن طرح موضوع ولوج المعاهد العليا ومعايير انتقاء المترشحين لها مناسبة للتأكيد على ضرورة القيام بمراجعة شاملة لهذه المؤسسات، من حيث برامج التكوين وطرق التدريس والمؤهلات التي يجب أن يتوفر عليها خريجوها، حتى تكون لهم إضافة نوعية في سوق الشغل وحتى يساهموا في تطوير الاقتصاد الوطني بفعالية. فكم سمعنا من طالب لم يجتز مباريات ولوج هذه المعاهد وقبلته معاهد أجنبية، فإذا به يصبح بعد سنوات من كبار الأطر هناك بل منهم من تتهافت عليه الشركات الأجنبية. وكم من طالب ولج هذه المعاهد الوطنية فقط قصد الانتقال إلى المعاهد الأجنبية التي ترتبط بشراكات معها.

إن تزايد وتيرة هجرة بعض فئات الأطر المكونة في هذه المعاهد وانتشار البطالة في صفوف فئات أخرى، يؤكد على ضرورة القيام بإصلاح شامل لمنظومة التكوين بهذه المعاهد. فالقرار المتخذ ليس كفيلاً وحده بإصلاح هذه المنظومة وإنما يجب إتباعه بإجراءات أخرى من قبيل:

– التركيز على جودة التكوين بدل الاقتصار على المقاربة الكمية، خاصة في المدارس الوطنية للعلوم التطبيقية التي تأسست في إطار قرار 10 آلاف مهندس سنويا، والتي يعاني خريجوها من تأخر في إيجاد أول فرصة شغل بعد التخرج.

– الانخراط الفاعل والاستباقي في عالم متحول تطغى عليه الرقمية، قصد توفير برامج وتكوين وإعداد كفاءات قادرة على رفع التحولات التي تفرضها التحولات الآنية والمستقبلية.

–  الاهتمام بتطوير قدرات الإبداع والاختراع والابتكار لدى الطلبة عوض التلقين الكمي والحفظ النمطي.

– مراجعة جدوى الأقسام التحضيرية الاقتصادية التي ليس للمتخرجين منها إلا خياران داخل المغرب؛ وهما المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، والمدارس الوطنية للتجارة والتسيير.

هدفنا من هذا المقال، في السياق الذي تعرفه بلادنا في إطار التصدي لوباء كورونا المستجد، أن يكون هذا القرار نقطة انطلاق لدراسة عميقة للمنظومة التأهيلية بالمعاهد العليا، فلا يكفي تثبيت أو إلغاء إجراء معين في إصلاح يفرضه تطور سوق الشغل، بل وتحتاجه بلادنا في أقرب وقت ممكن، لتطوير الكفاءات وتشجيع الطاقات التي يزخر بها شبابنا.

طالع أيضا  التعليم بين "الوقفة البيداغوجية" و"الصرامة الأمنية"

لا بد لهذا النقاش أن يؤسس لعلاقة جديدة بين القطاعات المعنية، فلا يمكن الحديث عن النهوض بالتعليم في المعاهد العليا للمهندسين والأطر، في معزل عن الأمن، والنقل، والسكن، والقدرة الشرائية للعائلات المغربية. كما يستدعي هذا النقاش عقد مصالحة حقيقية بين التعليم والتعليم العالي من جهة، وبين المقاولات والإدارات من جهة أخرى.