بقلم مصطفى العلام

الدعوة إلى الله عز وجل من أعظم القربات وأجل الطاعات، وهي مهمة الأنبياء والمرسلين، وهي في جوهرها دلالة على الخير والهدى، وهذا ما أشار إليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بالقول: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» 1. وقد بذل الدعاة قديما وحديثا جهودا جبارة للدلالة على الخير، وإرشاد الناس إلى المعروف ونهيهم عن المنكر.

لكن وفي المقابل كانت دعوات أخرى مضادة تدعو الناس إلى الشر والضلال، وتستعمل كل الوسائل لصد الناس عن دعوات الخير وأبواب الفلاح، يقول الحق سبحانه وتعالى يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ 2. لذلك كان من الواجب على الدعاة معرفة أساليب الدعوة المضادة للتصدي لها، ولتوجيه الناس وتنبيهم لعدم الوقوع في شرها.

دعاة على أبواب جهنم

ورد في الحديث الشريف الذي رواه سيدنا حذيفة بن اليمان «كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقُلتُ: هلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلتُ: وَما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بغيرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلتُ: هلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ علَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قالَ: نَعَمْ، قَوْمٌ مِن جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فَما تَرَى إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ، فَقُلتُ: فإنْ لَمْ تَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إمَامٌ؟ قالَ: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، ولو أَنْ تَعَضَّ علَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ علَى ذلكَ.» 3ويستفاد من هذا الحديث أمور كثيرة، نتوقف على بعضها الذي له ارتباط بموضوعنا:

1ـ السؤال عن الشر مخافة الوقوع فيه: ففي هذا الحديثِ يُخبر سيدنا حذيفة رضي اللهُ عنه أنه كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر وكان الناس يسألونه عن الخير، مخافة أن يدركه ذلك الشر. ولذلك فإن الدعاة الذين يدلون الناس على الخير، وجب عليهم كذلك تنبيه الناس إلى الشر مخافة الوقوع فيه.

2ـ دعاة على أبواب جهنم: ففي هذا الحديث كذلك إشارة نبوية إلى دعاة على أبواب جهنم، حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصافهم: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويدعون إلى غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم. والدعاة على أبواب جهنم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم تنوعت أساليبهم واختلفت أشكالهم وألوانهم، يجتهدون في الدعوة المضادة لصد الناس عن طريق الخير والفلاح. فينبغي لدعاة الخير التصدي لهم وكشف أساليبهم وخططهم، وإنقاذ الناس من شرورهم.

طالع أيضا  الدعوة دعاء

3ـ لزوم جماعة المسلمين وإمامهم: في هذا الحديث الشريف، يسأل سيدنا حذيفة بن اليمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبيل الذي ينجيه من الشر ومن فتنة دعاة جهنم، فيشير صلى الله عليه وسلم إلى أمر في غاية الأهمية وهو: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم.

لكن مفهوم جماعة المسلمين يعرف بعض الغموض بين شباب الدعوة، بزعم كل تنظيم أنه دون غيره هو ‘جماعة المسلمين’ المقصودة في الحديث النبوي السالف الذكر، حتى أصبح التعدد في التنظيمات والجماعات يزيد من صعوبة جمع شتات الأمة، والنجاة من شرور الدعاة على أبواب جهنم. ولذلك فإن هذا الواقع المجزأ والمشتت، الذي يؤلم حقا كل مسلم ومؤمن غيور على دينه، لا يمكن أن يُتَّخذ ذريعة للقعود، بل يجب العمل لتحقيق جماعة المسلمين، يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله: “بل لا بد من العمل على جمع الأمة من التفرق الغثائيِّ الخموليِّ، ومن اختلاف المذاهب، ومن تعدد المناهج والحركات، ومن قطرية الدويلات القومية، لمهمة ما سبق في الإسلام أن تصدى لمثلها جيل، ولا قاربها في سمو المطمح وخطورة التحدي ووُعورة الطريق سابقة” 4

ماهية الدعوة المضادة أو التربية المضادة

لمعرفة ماهية الدعوة المضادة وأساليبها ومجالات عملها ومستهدفيها، نرجع في ذلك إلى كلام الإمام رحمه الله، فهو يعتبرها تربية مضادة، فيقول: “صنف من الناس مسخت التربية المضادة شخصيّتَهم مسْخاً، وطمستْ من عقولهم معاقِد التوحيد، وكَشَطتْ من نفوسِهم خامَة الفطرةِ، وأهالَتْ رُكام الثقافةِ المضادة للدين على خلاءٍ” 5. يعتبر الإمام المرشد أن التربية المضادة استهدفت صنفا من الناس في فطرتهم فحولتها، وفي شخصيتهم فمسختها، وفي معاقد التوحيد في عقولهم فطمستها.

ويقول رحمه الله في موضع آخر “لأن التربية الهادفة إلى ترسيخ قدم الفطرة في النفوس ستصطدم إلى حين بتربية مضادة غايتها تشويه هذه الفطرة. إلى حين!

لكن التربية المضادة المشوهة، لن تكون الخطر الوحيد الذي يهدد عملية إعادة أسلمة الطفولة ما دام البؤس الاقتصادي والاجتماعي يولد الانحطاط الخلقي والضلال الروحي. لن تجدي إذن محاولة إحلال سلطان الفطرة مجددا وتربية الناس على الاستقامة الروحية والخلقية ما لم تجتث الجذور المادية للداء.” 6

يشير رحمه الله إلى اصطدام حاصل بين التربية الهادفة إلى ترسيخ فطرة الله التي فطر الناس عليها، وبين تربية مضادة تحاول جاهدة تشويه هذه الفطرة الإلهية، لكن هذا الاصطدام سيكون إلى حين. كما يؤكد رحمه الله على أن التربية المضادة ليست الخطر الوحيد الذي يهدد إعادة ترسيخ الفطرة وأسلمة الطفولة، وإنما كذلك البؤس الاقتصادي والاجتماعي الذي يولد الانحطاط الخلقي والضلال الروحي. فلا بد إذن من اجتثاث الجذور المادية للداء.

وحول معرفة أصل هذه التربية المضادة يقول الإمام المجدد رحمه الله “فمَهما قصَّرْنَا في التنقيب عن أصل التربية المضادة التي صنعتْ من أبنائنا وبناتنا ما صَنَعَتْ، وعن مَسَاربِ العَدوَى النفسية التي جدَعت الفطرة، وعن المذهبية العقلانية التي أثَّرَت وأقْنَعتْ، وعن الإيديولوجية المعادية للدين التي جندتْ وسَلَّحَتْ، فإنما نُعمِّي على أنفُسنا سُبُلَ التغيير. وكُل علاجٍ يقترحُه المتطَبِّبُ دون معرفة الداء وأصله، والدواء وخصائصه ومقاديره وأوقاته، فإنما يكون آفةً على آفةٍ.” 7. فمهما حاولنا البحث عن أصل التربية المضادة والإيديولوجية المعادية التي غيرت فطرة أبنائنا وبناتنا، والوصول إلى علاج كل ذلك، فلا بد في هذا العلاج من معرفة الداء وأصله والدواء وخصائصه ومقاديره وأوقاته، وإلا فإنما نعمي على أنفسنا سبل التغيير.

طالع أيضا  قواعد قرآنية في الدعوة إلى الله تعالى (1)

يقول الإمام المرشد رحمه الله كذلك: “إلا أن حديثنا عن الله عز وجل، وعن حق الإنسان في معرفة خالقه واكتشاف السبيل الموصل إلى السعادة الأبدية بعد الموت، يُلزمنا استطلاع المسار التاريخي للاستراتيجية المضادة الجاهدة لوضع العراقيل: للتعمية على الناس حتى لا يبصروا، والضرب على آذانهم حتى لا يسمعوا. إنها مهمة تنفذها بفعالية وأساليب «متحضرة» الحملة الصليبية الإعلامية الوقائية والهجمة القمعية على كل من لا يوالي الغرب أي الحداثة. إنه مكر خفي ونفاق صلف!” 8. يتحدث الإمام المرشد رحمه الله عن أن حديث دعوتنا عن حق الإنسان في معرفة خالقه، واكتشاف مصيره بعد الموت تعترضه استراتيجية مضادة تضع العراقيل للتعمية على الناس بأساليب تنفذها الحملة الصليبية الإعلامية.

وتحت عنوان: روّاد التربية المضادة، يقول الإمام المجدد رحمه الله: «عندما احتل المستعمرون الهولنديون والإسبان والفرنسيون والإنجليز بلاد المسلمين، كان التخطيطُ لتوطيد حضورهم واستمرار وجودهم، يعتمد فَصْمَ الشخصية المسلمة عن روابطها. وكان غزوُ العقول و«تمدينُها» لا يتخلّفُ عن الغزو العسكري إلا ريثما تُقْمَع إرادةُ المقاومة وانتفاضاتُ المقاومة بقوىً غيرِ مكافِئةٍ لقُوى الاستعمار.” 9 وهنا يشير رحمه الله إلى أن رواد التربية المضادة (الاستعمار الهولندي والإسباني والفرنسي والإنجليزي) يخططون دائما لفصم الشخصية المسلمة عن روابطها، عن طريق غزو العقول و«تمدينِها». فإذا كان الاستعمار قد رحل عن ديار المسلمين، لكنه ترك وكلاء له يسيرون على نهجه ويعتمدون تربية مضادة تهدف إلى غزو العقول عامة وعقول الشباب على وجه الخصوص.

يقول الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان في كلمة توجيهية في ختام الرباط التربوي الجامع بتاريخ 3 غشت 2018 “… لأننا سنخرج ونواجه الدعوة المضادة فإما أن تستقبل الدعوة المضادة وإما أن تواجهها بدعوة نورانية تغزو القلوب وتأسر القلوب فتطرد الدعوة المضادة…” إذن نورانية القلوب المرابطة في ذكر الله هي التي تأسر قلوب الناس وتطرد الدعوة المضادة.

ـ الدعوة المضادة الموجهة للشباب

يقول المرشد رحمه الله: «ما هذه الوجوه من الشباب الذين فَرْنجوهم وأرجعوهم إلى الديار لينشروا في الناس دعوة الانقياد للغرب إلا ضحايا لخُطة محبوكة. وما دائرتهم الصماء إلا مبنىً أساسيٌّ من مباني التبعية التي لا تكتفي بنهْبٍ مؤقت، بل تزرع في الأرض المغزوة وُكلاءَ دائمين مستديمين متوالدين على الأجيـال، يزول الاحتلال العسكري ويبقى الوُكلاءُ أوْفياء مخلصين.” 10.

وفي موضع آخر يقول الإمام المرشد رحمه الله: “نستمع لأحد روّاد الحركة الإسلامية المعاصرة، السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي، يصف لنا كيف يرجع الشباب المبعوث للاستقاء من النبع. قال السيد: «ويرجع أكثر هؤلاء الشباب المسلمين طليعةَ الفكر الغربيِّ، ودُعاة متحمّسين إلى تقليد الحضارة الغربية وقِيَمها ومفاهيمها وتصوراتها».

طالع أيضا  نظرات في الخطاب الدعوي

أين صُنِعَ هذا التحوُّلُ الاندماجِيُّ في شخصية المستعمر؟ وكيف رُبِّيَتْ الطلائع المتحمسة المقَلِّدَةُ الهائمةُ إعجابا بقيم الحضارة الغربية؟” 11

هذا الانقياد للغرب قد يدفع بعض الشباب المسلم لترك دينه والكفر بعقيدته، فيسقط في مهاوي الإلحاد، وهي دعوة خبيثة تحاول أن تنبث في ديار المسلمين، يقول الإمام المجدد رحمه الله “معرفتنا نحن أن من أبناء الأمةِ وبناتِها مُلْحدين لا يستفزنا لما نعلَم أنّ كلّ دعوةٍ غيرِ دعوة لا إله إلا الله محمد رسول الله شجرةٌ خبيثة لا تَنبُت في ديار المسلمين. لا تنبتُ إنْ قامت الأمة من أعماقِ كيانها وتعبأت وتحصَّنَتْ.” 12

يقول رحمه الله في موضع آخر ويؤكد على أن الشباب هم ضحايا في مدارس التجهيل وشوارع الفتنة، وللقنبلة الإعلامية، والإغراء الانحلالي “مسؤوليتنا أن ندخل روحا جديدة في هذه الأجيال التي تكون تحت الفساد الجبري عبئا لا يطاق، لأنها تمثل في نفسيتها، وذهنيتها، وموقفها أمام الحياة، الفشل والانهزام ومسخ الشخصية. ما أصاب النفسية الإنسانية من خراب معنوي شامل بتخريب الجاهلية يتجسد في أجيالنا الضحية. أجيال تولد كالأرانب في حظائر البؤس الاجتماعي، وتعطاها أسماء وأرقام في مدارس التجهيل وشوارع الفتنة، وتعرض للقنبلة الإعلامية، والإغراء الانحلالي، ثم تدفع إلى الشارع. لا تخطيط يهيئ الإنسان لمهمات الخبرة، ولا تربية تنشئه على معاني الإيمان، ولا تنظيما اقتصاديا يضعه على عتبة المسؤولية الإنتاجية والكرامة الاجتماعية”. 13

فالدعوة المضادة تركز على الشباب عن طريق نشر دعوة الانقياد للغرب، ليرجعوا إلى ديار المسلمين وكلاء دائمين، وأوفياء مخلصين، ودعاة تابعين ومتحمسين، وبعضهم ملحدين. لذلك فعلى الدعاة إلى الخير ألا يستفزهم ذلك، بل يستحضروا أن هؤلاء الشباب هم ضحايا لخطة محبوكة تستهدفهم.

مسك الختام

لابد من التأكيد أن دعوتنا هي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه.

أما قضية شبابنا في مواجهة الدعوة المضادة “قضية زماننا وما بعده هي ترشيد هؤلاء الشباب. ترشيدُهم آكدُ القضايا وإن هم استباحوا لأنفسهم تصرفات طائشةً” 14.


[1] رواه مسلم.
[2] سورة الصف، الآية 8.
[3] صحيح البخاري3606، صحيح مسلم 1847 وورد في روايات أخرى بزيادات في متنه.
[4] عبد السلام ياسين، جماعة المسلمين ورابطتها، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2011، ص: 67-68.
[5] حوار الماضي والمستقبل ص:  104 .
[6] الإسلام والحداثة، ص: 205.
[7] حوار الماضي والمستقبل، ص: 142.
[8] الإسلام والحداثة، ص: 84.
[9] حوار الماضي والمستقبل، ص: 115.
[10] العدل، الإسلاميون والحكم، ص:402
[11] حوار الماضي والمستقبل ص: 115.
[12] الشورى والديمقراطية ص: 268.
[13] مجلة الجماعة العدد العاشر ص: 90ـ 91
[14] الإحسان1 ص:309.