ضمن فعاليات الرباط الجامع الذي تنظمه جماعة العدل والإحسان عن بعد، تستمر الجلسات الإيمانية الليلية في العشر الأواخر من رمضان، التي تبثها الصفحة الرسمية لجماعة العدل والإحسان وقناة الشاهد الإلكترونية، وقد كان موعد هذه الليلة، الأحد 23 رمضان 1441، مع الأستاذ محمد بارشي عضو مجلس الإرشاد.

فبعد تلاوة القارئ منير عبد السلام لآيات بينات في افتتاح الجلسة، قدّم الدكتور عمر أمكاسو للضيف والموضوع الذي سيطرحه وهو: “أسرة الدنيا والآخرة“، موضحاً أن القصد من برمجة هذا الموضوع ضمن برنامج الرباط هو كي يعلم الجميع أن الأسرة بكل معانيها هي جزء لا يتجزأ من سلوكنا إلى الله عز وجل، وبقدر إحساننا لأسرنا واجتهادنا في تربية أبنائنا والبر بالوالدين، على قدر ذلك نكون أكثر قرباً من الله عز وجل.

الأستاذ بارشي افتتح كلامه بالحديث عن أن الله أخرج من ضلع أبينا آدم أمنا حواء، ومنهما تأسست الأسرة الأولى التي أخرج الله منها الذكور والإناث، وكتب لهما التزاوج فيما بينهما ليحفظ النسل عن طريق التكاثر، ومن ثم عمارة الأرض.

لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه العمارة لعبادته، حيث بيّن سبحانه وتعالى للإنسان طريق الخير وطريق الشر، وهديناه النجدين كما قال عز وجل.

فالزوجان، كما يضيف المتحدث، باعتبارهما عبد لله وأمة لله، فهما معنيان بما جاء من خطاب الله وتوجيهه وتحذيره من عدو الله. حذرت من ذلك السنة كما حذر القرآن. ولم يأل جهداً عليه الصلاة والسلام أن يسير بالمؤمنين ليكونوا كالجسد الواحد.

ويؤكد عضو مجلس الإرشاد أنه إذا جمع الله سبحانه وتعالى الرجل والمرأة في بيت واحد، تحت سقف واحد بميثاق غليظ، تكون أمامهما ثلاثة مسارات أو خيارات:

المسار الأول أن يكون الجمع تزاوج رُوحَين، تريدان الدار الآخرة، وتريدان ما هو أعظم في الدار الآخرة وجه الله عز وجل.

والمسار الثاني أن يكون هذا التزاوج تزاوج جسدين، لا خبر عندهم بالآخرة، يطلبان الدنيا ويعيشان لها، وبئس المسار.

وقد خير القرآن أمهات المؤمنين، وهو بالمناسبة تخيير لنا جميعاً، لكل مؤمنة ومؤمن، قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ  تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ  أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ  تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا، وقد اختارت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن الله ورسوله. وتساءل المتحدث قائلاً: “وماذا تختارين أختي؟ ماذا تختار أخي؟ ماذا أختار أنا وزوجي؟ ماذا نختار؟.. كل منا يسأل نفسه ويجيب نفسه“.

أما المسار الثالث وهو الغالب، فهما زوجان تجاذبهما الإرادتان، إرادة السمو والعروج، وإرادة الانبطاح والارتباط بالأرض، إرادة الدنيا وإرادة الآخرة، وفوقهما إرادة الله عز وجل. كالسفينة التي تلاطمها الأمواج، لمن تكون الغلبة؟ أ للسعادة في الدارين أم للشقاء فيهما؟ يتساءل الداعية الرباني.

ويضيف بقوله: لننظر أيها الكرام إلى المآلين، مآل الصنف الأول ومآل الصنف الثاني، إلى أين يصل بكل منهما التجاذب، ففي سورة الزخرف يقول الله عز وجل: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ، حَبَرَ بما رأى يعني سرّه ذلك.

ما أعظم أن تكون العلاقة بين الزوجين خلّة في الله، وأنعم بها من علاقة، يكتب الله لها الاستمرار في الدار الآخرة، ادخلوا أنتم وأزواجكم تحبرون، وكذلك في سورة يس حين يقول سبحانه: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ.

واسترسل موضحا: قبل دخولهما الجنة يستظلان بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، أليس هذا جزاء المتحابين في الله، المجتمعين في الله والمفترقين عليه، الرجل والمرأة إذا جمعتهما محبة الله عز وجل، يكون اجتماعهما على الله وافتراقهما عليه، يكونان من السبعة الذين يظلهم الله بظله.

أما الصنف الثاني، فقد بينت آيات القرآن الكريم فرار بعضهم من بعض، يقول الله عز وجل في سورة عبس: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لا قرابة ولا صلة، إنما هو تنكر، عداوة تصل ببعضهم إلى الافتداء بالآخر من عذاب جهنم، وهذا نجده أيضاً في سورة المعارج: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَىٰ.

علينا أن نقارن بين هذا الصنف وذاك، بين: “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ“، واستظلال بظل الله، ورضى الله فوق كل ذلك، وبين صنف ثان بينهما التنافر والتنكر والعداوة، نسأل الله تعالى الحفظ، يقول الأستاذ بارشي.

ويضيف: إنه لا شك أن كل زوجين يريدان السعادة، ولكن السعادة مجرد شعور، ولا تعني الجوارح في شيء، وإذا كانت السعادة كذلك فمعطيها هو الله سبحانه، فلنطرق بابه ليمُنَّ علينا بذلك.

وقد ختم حديثه بتوجيهات خص بها الزوجين، فالبداية تكون توبة إلى الله عز وجل، وهي مما أمر الله به عباده الصالحين، لكن هذه التوبة ليست مرة واحدة في العمر، بل هي عمل مستمر؛ ففي صحيح ابن حبان “عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا ذَرِبَ اللِّسَانِ عَلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ يُدْخِلَنِي لِسَانِيَ النَّارَ؟ قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ؟ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ”.

ثم تجديد النية ليكون العمل هجرة إلى الله ورسوله، والزواج عمل أيضاً، فمحمود أن يتذاكر الزوجان عن نعيم الآخرة وبهجتها والاستعداد لذلك وتمنيه.

أما النقطة الثالثة فهي الدعاء؛ فالألفة بين القلوب بيد الله، هو يؤلف ويجمع ويربط ويحبب، الدعاء الدائم مع الافتقار، ليجعل الله مكانةً ومقاماً لكل زوج في قلب الآخر، ويُقر عين كل زوج بالشق الآخر، وبالذرية معاً، والله قد ذكر دعاء الصالحين بقوله وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

النقطة الرابعة هي التعاون على طاعة الله عز وجل، فالله أمر بالتعاون على البر والتقوى، لقوله صلى الله عليه وسلم “إِذَا أَيقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّيا أَوْ صَلَّى ركْعَتَينِ جَمِيعًا، كُتِبَا في الذَّاكرِينَ وَالذَّكِراتِ”. فطريق الخير محفوفة بمكاره النفس، لا بد من التعاون والتناصح التوكل على الله، بل والمسارعة إلى رضوان الله.

النقطة الخامسة صفاء القلب وسلامة الصدر، وذكر عن السلف الصالح أنهم كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً وذلك لسلامة صدورهم. أما السادسة فلا لتجريد الزوج من بشريته، فالخطأ دوماً وارد، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. و”غارت أمكم” قالها صلى الله عليه وسلم حين رمت السيدة عائشة الإناء بما فيه من طعام، فذاك طبع بشري، لم ينقص من كونها رضي الله عنها صديقية وبنت صديق. فما جمّل الله في الزوجين من أخلاق فيشكران الله عليه، وما نقص بسبب أعطاب النفس يتعاونان عليه، ليتكاملا فيكملا بإذن الله.

وأنهى الأستاذ بارشي حديثه بما سماها ركائز في علاقة الزوجين؛ منها خلق الاعتذار، والعفو والتغافل، كما أكد على الاحترام المتبادل الواجب بينهما، ليرقى فيصبح تعظيماً لكل منهما إلى الآخر، وكذلك النهي عن السخرية وسوء الظن والتنابز بالألقاب.   

شاهد الشريط