أتت الفرصة، التي لا تتكرر في السنة إلا مرةً، وفي ظروف يبدو أنها لن تتكرر في العمر كله إلا مرةً، خلوة تامة مع الله سبحانه عز وجل في العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم، وفي ظروف حجر عازلة عن هوس العالم وصخبه.

فرصةٌ ومناسبةٌ هي كما يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لكي “نتعمق في أنفسنا، لكي ننظر في قلوبنا أي شيء فيها، فقلما تتاح للناس فرص، سيما في هذا الزمان الشاغل المشغول، لكي يجلسوا إلى أنفسهم فيفتشوا باطنها وداخلها ويسائلوها: إلى أين أنت ذاهبة ومن أين جئت؟”.

في المرابطة، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، تأتي أوقات لكي يقوم الإنسان بلمّ شتات نفسه، بعد أن تعتدل صلاته وعبادته ورضى والديه وصلة الرحم، تأتي الفرصة لكي يتحزّم، ويقوم بوثبة وخطوة كبيرة للأمام، يترك الدنيا خلفه والشهوات، ويجلس ليذكر الله تعالى، ليصلي الصلوات في وقتها، ويداوم على قراءة القرآن، ويصوم، ويكثر من قول لا إله إلا الله فهي التي تصفي القلب، وكذلك الصلاة على النبي التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ودعاء الرابطة.. ودعاء الرابطة.. هكذا كان يكرّر الإمام ويلح ويؤكد.

الاعتكاف، إذاً، فرصةٌ نغتنمها ونستغلها لكي نبدأ مسيرةً جديدةً في حياتنا، يقول الإمام. ذلك أن يكون بحثنا في أنفسنا، وتربيتنا لأنفسنا، ومحاسبتنا لنفسنا، وتدبرنا في كتاب الله عز وجل، حين نقرأه، نصرف ذلك إلى أنفسنا، لكي نرى هل نطمئن إلى القرآن الكريم، هل نحاسب أنفسنا على آثامها ونغضب عليها، فنكون من الذين يبنون ويربّون، ومن الذين يهيئون الجهاد، جهاد بناء الأمة، فالكل مجتمع ومرتبط لا ينفصل، التربية والجهاد.

نقرأ القرآن ونسمع كلام الله: “أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ“، ونقرأ: “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا“، من هو هذا السميع البصير؟ يتساءل.

طالع أيضا  أخي المسلم، اختبر نفسك في رمضان

الغافلون يقولون: الإنسان شيء متصوّر، الإنسان مجرد في عالم التجريد. ونحن حينما نقرأ القرآن لابد أن نرجع ونوجه الخطاب القرآني إلى أنفسنا، في ذكر منن الله عز وجلّ على الإنسان، رزقه الله وخلقه وصوّره فأحسن تصويره، وأرجع إلى نفسي، ماذا يقتضي مني هذا؟ الشكر، فكيف يكون الشكر؟

وعندما تأتي آية الوعيد “إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا” و”إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا” أتهم نفسي، هذا هو تدبر القرآن، أقول: “يا نفس هل أنت منافقة أم كافرة؟ كيف إيمانك؟ … هذه النفس هل هي مطمئنة؟ هل تطمئن إلى الخير أو لاتزال؟ عليّ أن أحكها، إذا كانت هناك أمور أقوم بها وتحيك في نفسي، عادةً سيئة أقوم بها، إذاً عليّ أن أزيلها… القرآن أتكاسل فيه، المجالس لا آتي إليها، أغتاب الناس، وهذه أقرب للناس من حبل الوريد، إلا من رحم ربّك… أربي نفسي، هذا هو معنى التربية” يضيف رحمه الله.

ويورد الإمام أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: “أتينا بهذه الأحاديث كي نتأملها، ونعتبر بها ونطبقها في حياتنا، لكي يكون اعتكافنا هذا له ما بعده، لكي يكون خطوة نحو الاكتمال الأخلاقي والاكتمال النفسي، والروحي، والاكتمال الإحساني، درجة بعد درجة، ليكون مطلوبنا الله عز وجل“.

فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “البر حُسن الخُلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس” رواه مسلم. وعن وابصة بن معبدٍ رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “جئتَ تسأل عن البر؟” قلت: نعم، فقال: “استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتَوْك“. حديثٌ حسنٌ، رواه الإمام أحمد في مسنده بإسنادٍ حسنٍ.

طالع أيضا  الرباط الجامع لجماعة العدل والإحسان.. دلالات وإشارات

ويوضح الإمام في معنى استفت قلبك بقوله: “انظر ما فيها، اسألها، هل أعجبك هذا الكلام أم لا؟ إن أعجبك هل تطبقينه؟ هل تطبقين ما يعجبك من كلام الله عز وجل وسنة رسوله أم لا؟” متابعاً بقوله: “وهكذا يجمع الإنسان شيئا فشيئاً من خصال البر والخير ما به يصبح رجلاً، ما به يصبح مومنا فمحسناً، يبني نفسه، يبني ذاته، يبني إيمانه، يلُمُّ شعثها، ويتضرع إلى الله عز وجل أن يجمع له ما تفرق في شخصيته، وما ضاع وتناثر من أخلاقه“.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم “البر ما اطمأنت إليه النفس“، يقول الإمام: “ومعنا ميزان الحق، كتاب الله عز وجل نفياً وإثباتاً”، قال الله تعالى: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ“.

ها هو فلان يصلي، ولكن أخلاقه كيف هي؟ مع الزوجة، ومع الأقرباء، ومع الخاص والعام؟ الإيمان بالله والاستعداد لليوم الآخر كيف هو؟ الملائكة والنبيين يؤمن بهم أم لا؟ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين، هل يؤتي المال أم هو شحيح؟

والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس“، فالإنسان يكره أن يطلع الناس على عيوبه الظاهرة، والشكلية، لكن المومن أي عيوب يكره أن يطلع عليها الناس؟ الشيء الذي يحب أن يطلع عليه الناس هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أوصى رحمه الله وبقي يوصي كتابةً وقولاً وموقفاً حتى وافته المنية، وكانت أمنتيه وسعادته أن يتخرج على يديه المحسنون الصادقون، وأن يبارك الله في كلماته ودعوته فيفوز بالوعد النبوي «لأن يهديَ الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النّعَمِ» فجزاه الله عنا خير الجزاء.

طالع أيضا  رقيقة في دقيقة: رمضان انتهى.. روحه باقية