يجد المرء صعوبة بالغة حقيقة في الإجابة عن هذا السؤال، حتى وإن بدا للوهلة الأولى بديهيا، ذلك لأنه قد يقول قائل إن هذا الإصرار ناتج، وبكل بساطة، عن الرغبة في عدم تحمل تبعات الإقرار بالفشل أو الفضيحة الكبرى “بالعامية”.

لكن يبدو كل ذلك منطقيا إذا حصرنا الأمر في مشاريع أو إجراءات، أو حتى تدابير يومية أظهرت بالملموس سوء تدبير هذا المسؤول أو ذاك لدى مناولتها، ففضل عدم الإقرار بذلك مخافة المحاسبة (إن كانت هناك محاسبة).

 لكن ماذا عندما يتعلق الأمر بأحداث ووقائع تكون نسبة نجاحها رديئة جدا، وحتمية فشلها بادية للعيان، ثم وهذا أكثر غرابة عندما يتعلق الأمر بأزمات طارئة، لا يتحمل أحد أية مسؤولية فيها.

وللتوضيح أكثر، أجر المثال الصادح أمامنا جميعا: ففي هذه الأيام والخطب وباء قاتل ألزم الكل البيت والحجر ومعاناة كل العالم فيه بارزة، يصر مسؤولونا على التصريح بأن الوضع مستقر، وأن الاقتصاد بخير، بل وحتى تعليمنا الذي كنا نتصدر فيه المراتب الأولى أسفل الترتيب -ولسنوات عديدة- والمدارس مفتوحة فإننا بخير فيه، بل نتفوق على جيراننا وأساتذتنا.

وإذا ما حاولنا بحث الأسباب الكامنة وراء هذا الإصرار، نجدها تتوزع بين: عدم الثقة ومحاولة الإبقاء على الصوت الواحد، والرغبة الدائمة في الهروب إلى الأمام، وتهييء الأجواء لقرارات انفرادية جديدة أسوأ وأمر، ثم وبشكل كبير: هوان المخاطب الذي لا يعدو أن يكون قطيعا من القطعان.

 ونستطيع إجمالها كلها -حسب رأينا- في أمرين يعتبر كل منهما امتدادا للآخر: غياب الثقة، ثم الكيفية التي ينظر بها المسؤولون إلى “العقد” الذي يربطهم بالشعب/الرعية، أي هل هناك إحساس بحضور ثنائية الحق والواجب أم لا.

وغياب الثقة هنا لا يرتبط بالمسؤول فقط، بل بالمسؤول والمؤسسات والدولة والنظام ككل، كما هو مرتبط أيضا بالفرد والمجتمع والناس.

طالع أيضا  أرض فلسطين بين جائحتين

فانعدام الثقة وبما هو توجس متبادل، ناتج عن تصور قاصر لعلاقات النظام بالمجتمع من جهة، وللمجتمع بالنظام من جهة أخرى، أي أنها عملية متبادلة تجعل المجتمع المغربي وحتى هذه اللحظة، يعتبر النظام والدولة وكل مؤسساتها كيانات مزايلة له، يتوجس منها وينصب لها العداء بطريقة أو بأخرى، بالمقابل استمرار عقلية الوصاية على المجتمع “القاصر” وغير “الراشد” عبر التحكم فيه، وامتلاك ناصيته، ومراقبة تحركاته: كيفما كانت وأينما وجهت.

وهو ما يعني في هذه الحالة مثلا: اعتبار النظام والمسؤولين، الشعبَ قاصرا عن فهم وتصور مسألة الاعتراف بالفشل، لا كضرورة من ضرورات تصحيح المسار، ووقفة مع العمل تقييما وتقويما، ولا حتى سجية من السجايا والأخلاق الحميدة.

بعبارة أخرى: إذا كان النظام يعتبر نفسه صانعا للإرادة العامة ومجسدا لها ماديا ومعنويا، وليس لأحد الحق في مشاركته إياها بأي شكل من الأشكال، أو حتى محاولة التعرف على الوجهة التي تتخذها هذه الإرادة بنية المساعدة في تصحيح مسارها. فإن المجتمع وإن كان لا يستطيع التصريح برفضه لهذا الوضع صراحة، فإنه يلجأ إلى الطرق الملتوية التي منها الرفض الضمني واللامبالاة، ثم النكتة.

قد يطول بنا المقام لتلمس الأسباب القريبة والبعيدة لهذا الوضع المَرضي، لكن يمكن القول إنه نتاج لذلك التطور الفصامي القائم على أن متطلبات الدولة والنظام عموما متناقضة مع طموحات الشعب، وأن تطلعات هذا الأخير لا تنسجم ومشاريع النهوض التي سنها الأول، وبالتالي هو إعلان صريح عن أزمة “ثقـــــة”.

ثم إنه وإذا كانت أزمة الثقة هذه ناتجة، بالنسبة للمجتمع، عن: عدم تمكن مشاريع الدولة وعبر كل المراحل والخيارات، والإصلاحات… من تحقيق التقدم المأمول؛ والمجد الموعود. وتراوحت نتائجها بين الفشل المتكرر والتعثر والتراجع الدائمين، واللذين قضيا على كل خيط أمل. فإن الأمر بالنسبة للطرف الآخر، هو أزمة عقد “لم يكن بالمرة شريعة للمتعاقدين”، حيث بقيت مقولة “ربط المسؤولية بالمحاسبة” رهينة الصالونات السياسية والتصريحات الرنانة، والإعلام، أو حتى رهينة منصب دون آخر.

طالع أيضا  الأستاذ حمداوي يجدد إدانة تدبير الدولة لملف المغاربة العالقين.. ويطالب بتحرك مجتمعي من أجلهم

فالمسؤول الذي لم ترتبط عملية اختياره وتعيينه في هذا المنصب أو ذاك -مهما علا أو صغر- بالكفاءة والمنافسة الشريفة والاختيار الحر، الذي تتوالى عملية ترقيته بغض النظر عن نجاحه في مهمته من عدمه، ثم فوق كل هذا وذاك لم ترتبط مهمته بالمساءلة والتقييم، حتما لن يجد غضاضة في تلمس الأعذار لأخطائه، بل وحتى شتم كل من سولت له نفسه مطالبته بتفسير أو حتى بسط لفشله الذي يتجدد بتجدد المشاريع وتوالى الأزمات.