سياق “الإسلام أو الطوفان”
نجا الملك من محاولتين انقلابيتين دبرهما له أصدقاؤه ومقربوه، وكادتا أن تعصفا بعرشه وتفرقا جمعه، إحداهما في 10 يوليوز من سنة 1971م، والثانية في 16 غشت من سنة 1972م. غير أن الأستاذ ياسين كان لا يريد بالملك شرا وإنما دعاه ليقوم بواجبه، ولم يكن يؤمن بالمذهبية الانقلابية أبدا من بداية دعوته إلى خاتمة وصيته، وإن هاله ما يعيشه المغاربة من أوضاع مزرية مقابل ترف النخبة الحاكمة وولائها للخارج، فقد كتب نصيحته إلى رأس الدولة ينبهه إلى كوارث ما صنعت سياسته من تفقير وتجويع وتجهيل، ويدعوه بلطف وغيرة إلى تدارك الأمر قبل تفاقمه. إذ كان الوضع الاجتماعي في المغرب بائسا وبائسا جدا، وكان سؤال الشباب: كيف نتخلص من هذا البؤس الاجتماعي المتفاقم؟ هل بالسكوت والتصفيق لسياسة موغلة في التخلف والتبعية؟ أو بالثورة على الوضع الذي صنع الفجوة العميقة بين طغمة تسرق الثروة وتستبد بالسلطة وبين شعب مُفقر ومهمش؟ 

ونظرا لأهمية السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في فهم الظواهر والأحداث التاريخية وتحليل معطياتها، وتقويم المواقف المرتبطة بها، لا بد أن نُذكر بهذه الأحداث التي جرت في السنوات التي كُتبت فيها الرسالة والتي سماها المؤرخون والأدباء بــ”سنوات الجمر والرصاص”، أي السنوات التي زُجَّ فيها بخيرة شباب الوطن في السجون المغربية الرهيبة، من قبيل سجن تازمامارت، وسجن قلعة مكونة، ومعتقل “دار المقري”، و”دار بريشة”، وغيرها من السجون والمعتقلات السرية التي أحصت منها هيئة الإنصاف والمصالحة نحو ثلاثين معتقلا سريا في عهد الحسن الثاني.

أصيب الملك آنذاك بهلع كبير جراء انقلاب وزرائه وضباط الجيش عليه، واعتراض بعض مناضلي اليسار على سياسته، فاستشاط به الغضب وأمر بالتقتيل والترهيب، وعمَّ الهلع والخوف في كل مكان، فمئات من المتهمين تم إعدامهم، وكبارهم أُعدموا صبيحة عيد الفطر عام 1973م، بالإضافة إلى إعدامات أحداث مولاي بوعزة، وإعدامات شاطئ الشليحات وغيرها، كل ذلك لعله يعيد ترميم البيت الداخلي ويتخلص من كل مَن شك في قرابته أو ولائه للمنقلِبين. فعل ذلك بالقانون وخارج القانون، بلا حسيب ولا رقيب. وتلك سُنة سياسية في الأنظمة المطلقة من قديم الزمان، والمرجع كتاب “الأمير” لماكيافلي الذي يبيح للحاكم المطلق تجاوز القانون واستعمال العنف الأعمى من أجل “ضمان السيطرة ” بتعبير الروائي البريطاني جورج أورويل. وما قُتل سقراط الحكيم إلا لمعارضته المزعجة لحكام أثينا ونخبتها الفاسدة التي لقبته بــ”ذبابة الخيل”…وحيثما وُجد سلطان مطلق في التاريخ إلا وتجد يديه ملطختين بدماء المستضعفين من شعبه.

طالع أيضا  الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله والاجتهاد

ولك أن تتصور بعض ما وقع في تلك المرحلة 6من خلال اطلاعك على مذكرات من نجوا من القتل السريع والبطيء، أمثال الضابط الأديب أحمد المرزوقي في كتابه “تزممارت الزنزانة رقم 10″، ومحمد الرايس في كتابه “من الصخيرات إلى تازمامارت: تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم”، والمناضل عزيز بنبين في كتابه “تازماموت”، والطيار العسكري صلاح حشاد في مذكراته (Les Emmurés de Tazmamart)، 10 بالإضافة إلى مئات المقالات التحليلية والروايات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية عن الموضوع. 

في هذه الظروف العصيبة التي مر منها المغرب تصل إلى الملك الراحل رسالة رجلٍ عاش بعيدا عن السياسة ودسائسها، تربى تربية قرآنية محافظة على يد علماء مراكش، ثم تعلم ثقافة عصره بعصامية، فارتقى في عالم التربية والتعليم والإدارة، إلى أن وقع له من اليقظة القلبية ما حمله على البحث عن حقيقة وجوده وحقيقة معرفته لربه، فقيَّض الله له رجلا من صوفية المغرب الكبار، وهو الشيخ العباس بن المختار القادري رحمه الله، فصحبه صحبة تلمذة وملازمة ستة أعوام إلى أن توفاه الله إليه يوم 2 فبراير 1972م، وبعدها غادر الإمام الزاوية ليفتح تجربته على واجهة الشأن العام. وفي ذلك كان ما كان. غير أن الإمام ظل يفخر بتلك الصحبة في حياته كلها ويرد إليها سبب ما حباه الله من خير، وقد دوَّن ذلك الفضل في بعض كتبه نثرا وشعرا، وهو يقول بهذا الصدد: …….

تتمة المقال على موقع ياسين نت.