في الليلة الثانية من اعتكاف رمضان التي تنظمه جماعة العدل والإحسان لأول مرةً عن بعد، ألقى الكلمة التوجيهية الليلية عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان الأستاذ منير ركراكي، ليحدث مستمعيه عن الصدق.

وبعد قراءة خاشعة لآي الذكر الحكيم تلاقها القارئ كريم فارس، وتقديم مسير الرباط الدكتور عمر أمكاسو، قال الشاعر الأديب أن الصدق لغة هو نقيض الكذب، واصطلاحا كما يقول الراغب الأصفهاني هو مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، فإن انتفى شرط من هذه الشروط لم يكن الصدق تاماً، ومن هنا جاء قول العرب صدق الرمح أي لم ينكسر ونفذ إلى غرضه، والصدق في الرمح أن يكون مستوياً، فإن كان معوجاً لم ينفذ إلى غرضه، وأن تكون طريقه مستقيماً، كما المؤمن سوي على صراط مستقيم، فإن كانت طريقه ملتويةً، لم يصل مرماه. وأن تكون رميته قويةً، حتى يكون هادفاً قاصداً نافذاً، بالغاً غايته ومنتهاه، وإلا سقط دون أن يُحَقّ الرامي، ما قصده وتمناه.

الأستاذ ركراكي أوضح أن الصدق في القرآن ذكر في آيات كثيرة، إما بلفظ الصدق أو معناه، الصدق الدين وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ الذي جاء بالصدق هو الصادق الأمين، وهو الدين، والذي صدّق به هو أبو بكر، الذي بلغ من الصدق أعلى مقام، درجة الصدّيقية وهي تالية على درجة النبوة، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا، يقول الإمام حسن أولئك رفيقا، في الدنيا جهاداً وفي الآخرة درجةً ومعاداً.

وأضاف أن الصدق الجهاد، لقوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. فكما هو نقيض الكذب، هو نقيض الإلحاد والجحود، الشك والريب والبخل والجبن، يقول الإمام المجدد في المنهاج النبوي: “لا تصلح العناصر الشاكة والمتشككة، ولا البخيل بأمواله ونفسه عن الله للبناء”.

وأضاف المتحدث أن الصدق الصحبة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، الله لا يريدنا أن نكون مع الصادقين فقط بل يريدنا أن نكون منهم، ولكن لا سبيل لأن تكون من إلا إذا كنت مع، على أن تكون هذه المعية صادقة مع الصادقين، وإلا فهناك معية مثلومة، مخرومة، خداجٌ، يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ.

وأكدّ أنه إذا أردت أن تعلم مكانك من الله فانظر إلى صدقك مع الله، لأن الله مع الصادقين، كن معه يكن معك، وأين معيّتُهُ لك من معيّتِك له، أين الذي منك من الذي منه سبحانه وتعالى.

طالع أيضا  الدكتور الرضى: هذا شكل صلاة العيد في ظل الحجر الصحي

والصدق الثبات على رشد الرجولة في الذكور والإناث، مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.

أما في الأحاديث النبوية فالصدق ذكر في كثير، من ذلك الحديث الذي رواه الحسن السبط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بعدُ صغيراً وعلى حداثةٍ من سن، حفظ هذا الحديث العظيم وعن رسول الله رواه، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، واعلم أن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة رواه الترمذي.

وأيضا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا الحديث متفق عليه.

وفي شأن المتبايعين قال عليه الصلاة والسلام فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا، فالصدق بركة، والكذب يمحق هذه البركة، ومما عرّف به ابن قيم الجوزية رحمه الله، وهو الصادق المصدّق، الصدق هو سيف الله في أرضه، ما وضع على شيء إلا قطعه، وما واجه به أحد الباطل إلا أرداه وصرعه، وهو روح الأعمال ومحك الأحوال، وهو الحامل على اقتحام الأهوال.

ومن أقوال الصادقين: لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق، والصدق مُغْنٍ عن الأحوال كلها، لأن الصدق معامل لا مجرد عامل، وما يميز المعامل عن العامل هو ما يميز الرياضيات عن الرياضة، في بعض الشعب، وفي كل خير. المُعامل يرفع من منسوب العمل والعامل، ورصيده في بنك المعاملة والقيمة، وهو جوهر كل شكل من أشكال الأعمال، وهو مصدر كل خير فيما يُطلب ويُنال، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا ألقى إليه كعب حقيقة ما منعه أن يخرج مع رسول الله أمّا هذا فقد صدق، فعلم كعب رضي الله عنه أن الصدق منجاةٌ، ولم يتركه أبد الدهر حتى لقي الله.

والإمام المجدد رحمه الله يعتبر الصدق جامعاً لخصال الخير، وأحد الخصال الأمهات الثلاث التي هنّ شروط التربية، لا صحة للتربية إلا بها، الصحبة والجماعة؛ الصحبة مفتاحٌ ومصباحٌ ودليلٌ ومَعينٌ، والجماعة قوةٌ وحضنٌ دافئ، وحصنٌ حصينٌ، ومُعينٌ. مُربٍّ ومحضنٌ. والخصلة الثانية الذكر؛ والذكر اتباعٌ، وصقال للقلوب، وتزكيةٌ للنفس، تربية، تقويم وتنمية، وهو أفضل الأعمال، ومُطيُّك للحاق بالرجال أهل الكمال، وأيضاً هو منشور الولاية.

ثم إن الصدق هو ثالث هذه الخصال، إن كانت الخصلة الأولى في المُربِّي وبيئة التربية، فإن الثانية في مادة التربية، فإن الثالثة في المربَّى. والصدق كما قال الإمام في المنهاج النبوي نقيض النفاق بشعبه، “إذا حدث كذب وإذا” وللإمام في إذا وعد أخلف لطيفة، قال: من النفاق الخفي أن تعد نفسك بخير ثم لا تفِ.

ثم إنه، يضيف عضو مجلس الإرشاد، نقيض للإسلام الموروث وللعادات والذهنيات والأنانيات الموروثة، ونقيض للأوهام والخرافات المتفشية في الشعب المسكين والمحروم والمجهّل، وهو أيضاً نقيض الرضى بأنصاف الحلول في الأهداف ومؤهلات جند الله، وأيضاً نقيض التجميع التكاثري، دون اختيار العناصر واختبارها، ثم هو نقيض الغموض في كفاءات الأفراد وفي مشاركتهم للجماعة في تصورها للعمل ورضاهم بأسلوبها وبنظامها وبإمارتها وبخطها السياسي، بل إن دولة الإسلام إذا نصرتها في غفلة عن الله دنيا في حقك، نصرت المسلمين ولم تنصر الله، فاتك تصحيح الطلب وصواب التوجه للمولى.

طالع أيضا  زمن "كورونا".. رمضان بروح مسجدية

وذكر هنا الأستاذ ركراكي برسالة نفيسة أرسلها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى الأمين العام محمد عبادي حفظه الله، المؤسِّسَة والمؤطرة لمجلس النصيحة قائلا: “اختاروا لمجالسكم من أعطى للصدق برهاناً، وللصادقين عنواناً”، ثم يقول: “لا يستطيع عبد أن يعالج مرضك وخللك من جانب الصدق. لا يقترب من ذلك إلا تصفحك لنفسك صباح مساء، ومقارنة تخاذلك باجتهاد غيرك أحياء وأمواتا، وبكاؤك على ربك الكريم أن يمسح غبار الغفلة وعفن الاستغناء بمكاسبك من الطاعات مهما كانت، واستعانتك بإخوتك في مجالس النصيحة، تسمع وتشارك، وتحضر وتواسي بنية المحتاج لا بالتصدر للرئاسة. إنه لا يرقد في قبرك غيرك، ولا يتبوأ مقعد الصدق عند الله تعالى من يتسلق على أعين الناس وقلبه هواء خواء من صدق الطلب، وصدق الهجرة، وصدق النصرة، وصدق الحاجة إلى المولى“.

إذاً، يسترسل موضحا، أركان الصدق هي هذه الأربعة، صدق الطلب؛ طلب وجه الله تعالى، صدق الهجرة؛ الهجرة ممّا حرم الله تعالى إلى ما أحل الله تعالى سبحانه، صدق النصرة؛ نصرة الله والمستضعفين، صدق الحاجة إلى المولى؛ فهذه أغلى وأحلى وأعلى، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. يسأل الإمام رحمه الله بحرارة ومرارة: “فمن يريد وجه الله تعالى“.

وهنا بين ركراكي أن الصدق مستويات “مستوى الصدق، ومستوى تحري الصدق، ومستوى الصديقية، الصدق هو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا صليت وزكيت فأنت صادق، ليسأل الصادقين عن صدقهم، فستسأل عن هذا الصدق، أي عن تحرّيه، وتحريه بالإخلاص فيه والمداومة عليه، والإتقان فيه. وأيضا الصديقية هي مقام الصدق الأعلى”.

جعلنا الله وإياكم من الصادقين في صدقتهم، وفي صداقتهم، يدعو الأديب المغربي، “فما لهم من شافعين ولا صديق حميم” فالصديق الحميم شفيع من الشافعين ومع الشافعين، وفي تصديقهم وتطبيقهم وتحقيقهم لهذا الصدق، خاصة في الصحبة والمعية لمن كان لنا الدليل على أقوم سبيل، ولمن يسعده أن نتخرج على يديه من المحسنين الصادقين الصديقين، عسى ألا نكون غصّة في حلقه، وعسى أن نسعده ونفرحه كما أسعدنا الله به وأفرحنا به.

طالع أيضا  في جلسة ليلية ثالثة.. الأستاذ الشيباني يرسم صُوًى منيرة لتدبير الوقت تربية وتنظيما وتطبيقا

وفاءً لهذه الصحبة ولهذا الدليل الذي يقول لنا من هنا الطريق من هنا البداية، قالها اللاعبون “هذي البداية ما زال ما زال“، فكيف لا يقولها الطالبون الراغبون المحبون المتحابون المحبوبون الصادقون الذين ينشدون بتحري الصدق الصديقية.