واصلت جماعة العدل والإحسان عرض مواد الرباط الجامع الذي تنظمه عن بعد، حيث كان موعد المتابعين مع تذكرة المرابط، التي ألقاها الأستاذ أحمد أيت الخو في موضوع: “تجديد التوبة” وذلك يوم الأربعاء 18 رمضان بعد صلاة العصر.

وقد تحدث أيت الخو عن أن الله خلقنا على الفطرة السوية المجبولة على طاعة الله، المحبة للخيرات، النافرة من الشرور والمنكرات، فجاءت الشياطين فاجتالت الناس وزينت لهم الرذائل، ونفرتهم من الفضائل، قال الله عز وجل في الحديث القدسي الجليل: “خلقت عبادي كلهم حنفاء، فأتتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُمْ عن دينهم”. فالتوّاب إلى الرحمن إنسان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، قسّم الله عز وجل العباد إلى تائب وظالم، فما هي التوبة؟ وما شروطها وكيف نحققها؟

وأضاف الأستاذ أحمد أيت الخو، الحافظ والمحفظ لكتاب الله، أن التوبة هي الرجوع إلى الله، وهي ندمٌ بالجنان، وإقلاعٌ بالأبدان، وعزمٌ على ترك العصيان، مع الاستغفار باللسان، وهجر سيء الخلاّن. التوبة واجبة في الإسلام من كل الذنوب والآثام، على كل الأنام، قال الله عز وجلّ: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31]”، هذه الآية في سورة النور، وهي سورة مدنية، أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين المجاهدين المرابطين بتجديد التوبة، وعلّق الفلاح والفوز بالتوبة. فالتوبة كما يتابع أيت الخو صفة للمؤمنين، ورأس مال الفائزين، التوبة أول الطريق وأوسطه وآخره، ولها شروط ثلاثة، وهي الندم والإقلاع والعزم على ترك العود، يقول ابن عاشر رحمه الله تعالى:

وتوبةٌ من كل ذنب يُجتَرَمْ — تَجِبُ فوراً مطلقاً هي الندم

بشرط الإقلاع ونفي الإصرار — وليتلافى ممكناً ذا استغفار

أما إن تعلقت بحق آدميّ فوجب التحلل منها، يستدرك الأستاذ أحمد أيت الخو.

طالع أيضا  الأستاذ عسلي يقف مع صفتي "الحياء والكرم" في جلسة ظهيرة الثلاثاء

وللتوبة أيضاً فضائل كثيرةٌ، عظيمة، شاملة لخير الدنيا والآخرة، يذكرها صاحب الدرس منها محبة الرحمن: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، ومنها تجديد الإيمان وتصفية الجنان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب ونزع صُقِلَ قلبه”، أي طُهّر ونقّي قلبه، ومنها الانتصار على الشيطان، الذي أقسم أمام الرحمن، فقال: “وعزتك وجلالك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم”، فقال له الله عز وجلَّ: “وعزتي وجلالي لأغفرّن لهم ما استغفروني”. ومنها دعاء الملائكة حملة العرش “الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ“.

ومتسائلاً عن الخطوات العملية التطبيقية للتوبة، أورد الأستاذ أيت الخو مقولةً للإمام الغزالي رحمه الله قال فيها: “التوبة علمٌ وحالٌ وعملٌ”:

أولاً علمٌ بقبح الذنب وغضب الرب، قال سبحانه: وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، ظنوا أي علموا.

ثانياً حالٌ بأن تندم على المعصية، وأن يضيق صدرك بها، وأن تستشعر خطورتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل، يوشك أن يقع عليه”.

ثالثاً الفرار إلى الرفقة الصالحة والصحبة الحسنة، فهي الدرع الواقية من الردّة إلى المعصية، قال العالم الرباني للرجل الذي قتل مئة نفس لا ترجع إلى أرضك، فإنها أرضُ سوء، واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً صالحين، فاعبد الله تعالى معهم، فانطلق فأتاه الموت في منتصف الطريق. فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت ملائكة الرحمة: “جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله عز وجل”، وقالت ملائكة العذاب: “إنه لم يعمل خيراً قط”. فأتاهم ملاك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم حكماً، فقال قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة.

طالع أيضا  الأستاذ عبادي: اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم  يورث محبته ويُقويّها ويُنمّيها