1

لم تتخيل أبدا أن يخلد القرآن حكايتها في العالمين. ولم تتصور أن تكون سببا في تسمية سورة تتلى إلى يوم القيامة. تعلمت القراءة والكتابة صغيرة، الشيء الذي لم يكن متاحا لمثيلاتها من بنات مكة. سمعت عن هذا الرجل الذي يدعو لعبادة إله واحد بدل الأصنام المتعددة التي يصنعها الناس من العجوة حتى إذا جاعوا أكلوها.

ارتدت ثياب خادمتها، وتلثمت، وخرجت من الدار قاصدة بيت الأرقم بن الأرقم. دخلت خلسة وعرفت بنفسها ومن تكون.

ابتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لجرأتها ولصغر سنها. كان يعرفها لأنها جارته الصغيرة، فبيت أبيها قريباً من بيته. تلا عليها بعضا من آي القرآن الكريم، ثم دعاها إلى الإسلام. امتلأ قلبها الغض بنور الهداية. ومع كل يوم يمرُّ، كان قلبها يزداد امتلاء واتساعا، فأسلمت سرًّا.

2

بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا حتى سقط على ركبتيه الكريمتين. بعدها بأيام وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، إذ جاء مرة أخرى، عقبة بن أبي معيط بأمعاء شاة مذبوحة، فقذفها على ظهره صلى الله عليه وسلم، فتعالت الضحكات ولم يرفع النبي رأسه. جاءت ابنته فاطمة فالتقطت أمعاء الشاة وألقتها في وجوههم وهي تبكي.

كان عقبة بن أبي معيط من أشد الناس كرها وعداء للإسلام وللنبي. ومثلما يخرج الله الحي من الميت فقد أخرجها من صلب هذا الرجل.

كان اسمها أم كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط

3

كتمت أم كلثوم إسلامها وأخفته. كانت تسمع صرخات المسلمين تعذبهم قريش فيكبر حزنها لكنها تزداد تمسكا بما يضمه قلبها من الحق.

ازداد عدد المسلمين. وأحست قريش بالخوف. فتفنن المشركون في إيذاء المسلمين. كانت مواصلة الحياة في بيتها والحفاظ على إسلامها تزداد صعوبة. ثم جاء الإذن بالهجرة.

كانت ترى الصحابة رضوان الله عليهم يخرجون إلى يثرب ويُخفون ذلك. حتى أخوها لأمها عثمان بن عفان، هاجر وزوجه رقية بنت النبي ولم يبق بمكة إلا النبي عليه السلام وأبو بكر وعلى بن أبى طالب، وكل محبوس من المؤمنين، أو ضعيف عن الخروج.

هي كانت ضعيفة وصغيرة، وتعيش وسط أشد البيوت عداوة لرسول الله. ولما هاجر النبي وصحبه، أظلمت مكة من حولها. بقيت وحيدة تمني النفس بالهجرة لكنها لا تستطيع إلى ذلك سبيلا.

طالع أيضا  صدقتِ اللهَ فصدَقها (1)

4

مضت دعوة النبي في المدينة وانغرست في الأرض أشواك المشركين. شاهدت أم كلثوم قريشا تُعد جيشا مخيفا. أدركت أن حربا ستنشب بين المسلمين المستقرين بالمدينة، وبين قريش. حاولت أن تكلم أباها لعل ثغرة صغيرة ينفد منها النور إلى قلبه.

كاد قلبه يلين لما تذكر وعيد النبي صلى الله عليه وسلم له بالقتل، فتملكه الخوف وامتنع عن الخروج. لكن أصحابه من المشركين ضغطوا عليه، وأقنعوه بالهرب على جمل أحمر يمنحونه له، سريع لا يلحق.
جاءتها الأخبار بانتصار المسلمين في عزوة بدر. فرحت بشدة، لكنها فجعت بوفاة والدها وبموته على الشرك. ازداد حقد أخويها الوليد وعمار على المسلمين، وازداد معه إيذاؤهما لها بسبب شكهما في إسلامها. اقتنعت أم كلثوم أنها لو أعلنت إسلامها سيقتلها إخوتُها أو يعذبوها.

لما وصلت سن الزواج، بدأ الخُطاب يتقدمون لخطبتها. كانت صاحبة عقل وأدب وجمال، وفي السادسة عشرة من عمرها. تقدم لخطبتها أشراف شبان مكة وأغناهم، وكانت ترفض بحجة حزنها على أبيها لكنها في قرارة نفسها كانت تكتم إيمانها وتنتظر الفرج من عند الله… كانت تحمل في قلبها أملا كبيرا بأن الله عز وجل سيعينها على الفرار بدينها من شرك كفار قريش وأذاهم إلى مدينة النور.

5

“هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ـ نقول صلى الله عليه وسلم ـ وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يرده عليه…”.

كانت شروط معاهدة صلح الحديبية قاسية على المسلمين… ظل المسلمون واجمون من فرط الهم والذهول، حتى أن عمر بن الخطاب سأل “على ما نعطي الدنية في ديننا؟”.

كان رد النبي غريبا على آذان القوم، قال: “أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني”.

ووقع أثناء المعاهدة حادث زاد من ألم المسلمين ودهشتهم، لجأ إلى المسلمين ابن ممثل قريش في توقيع المعاهدة، أسلم وجاء لاجئا إلى المسلمين، ونهض إليه أبوه سهيل يضربه ويرده إلى قومه، استغاث بالمسلمين فحدثه رسول الله أن يصبر وأن يحتسب فإن الله جاعل له ولمن معه فرجا ومخرجا.

طالع أيضا  فرشاشي: سيرة الصحابية أم ورقة بنت نوفل نموذج لمكانة المرأة في صدر الإسلام

وأُعيد الابن المسلم إلى مكة مخذولا…

6

نزل الخبر قاسيا على أم كلثوم…

سبع سنوات وهي تترقب فرصة للهجرة ويأتي صلح الحديبية بهذا الشرط المجحف في حقها، لم تكن تعلم أن هذا الأمر يمضي بإلهام من الله.

اشتد الخناق عليها لكنها قررت أن تهاجر حتى لو أرجعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكه. كانت المدينة تبعد بحوالي الخمسمائة كيلومتر. وكان الليل والبيداء ووعورة الطريق، عقبات تحتاج لاقتحام…

تروي قصتها قائلة: “كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي، فأقيم فيها الثلاث والأربع ثم أرجع إليهم فلا يُنكرون ذهابي هناك حتى أجمعت المسير، فخرجت يومًا من مكة كأني أريد البادية، فلما رجع من تبعني، صادفت فى الطريق قافلة تخص رجلاً من قبيلة خزاعة فقال لي: أين تريدين؟ قلت: ما مسألتك؟ ومن أنت؟ قال: رجل من خزاعة. فلما ذكر خزاعة اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده. فقلت: إني امرأة من قريش، وإني أريد اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا علم لي بالطريق، قال: أنا صاحبك حتى أوردك المدينة. ثم جاءني ببعير فركبته حتى قدمنا المدينة، وكان خير صاحب، فجزاه الله خيرًا”.

فارقت العذراء خدرها ومستقر أمنها تحت جنح الليل، فريدة شريدة، بين ثنايا الجبال وأغوار التهائم، تريد أن تصل إلى مدينة النور حيث رسول الله.

7

خرج أهلها يبحثون عنها، فلما علموا أنها هاجرت إلى يثرب، رحل أخواها عمارة والوليد في طلبها. دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا:

“يا محمد أعد لنا أختنا أم كلثوم، ردها إلينا، هناك شروط متفق عليها بيننا وبينكم، وأنت من نعلم لا تنقض عهدًا ولا تخلف وعدًا”. علمت الفتاة أن رسول اللَّه سيفي لهما بما وعد، فأقبلت نحوه وقالت:

“يا رسول اللَّه أنا امرأة، وحَالُ النساء إلى ما قد علمت من الضعف، فأخشى إن رددتني إليهم أن يفتنوني في ديني ولا صبر لي.”

نظر إليها النبي عليه السلام والصحابة يتهامسون: كيف نرجعها إلى مكة يا رسول الله، والمصطفى صامت ينتظر الوحي. كان الموقف عصيبا. فجأة ينزل الفرج من السماء.

 أنزل الله تعالى قرآنًا يُتْلَى إلى يوم القيامة: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ألله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار [الممتحنة: 10].

طالع أيضا  أم أبيها

فقالت: «باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبا للَّه ورسوله».

 فرد الرسول أخويها ولم يسلمها لهما. فرح المسلمون بها فرحا شديدا وفرحت هي برسول الله.

8

أعجب بشجاعتها كثير من الصحابة، فتقدم لخطبتها الزبير بن العوام، وزيد بن حارثة، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، فاستشارت أخاها عثمان بن عفان، فأشار عليها أن تأتي النبي صلى الله عليه وسلم فتستشيره، فأتته، فأشار عليها بزيد بن حارثة.

لنسمع لها تحكي وهي تقول: “ثم أنكحني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة، وكان أول من نكحني فقلت: يا رسول الله، زوجت بنت عمك مولاك؟ فأنزل الله: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. قالت: فسلمت لقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قتل عني فأرسل إليّ الزبير بن العوام أبي بن خالد فاحبسني على نفسه. فقلت نعم، فأنزل الله: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: ثم حللت فتزوجت الزبير، فوقع بيني وبينه بعض ما يقع بين المرء وزوجه، ففارقني فضربني المخاض فولدت زينب بنت الزبير، فرجع وقد حللت فتزوجت عبد الرحمن بن عوف، فولدت عنده إبراهيم ومحمداً وحميداً بني عبد الرحمن بن عوف”.

 ثم مات عنها سيدنا عبد الرحمن بن عوف، فتزوجها عمرو بن العاص، لكنها لم تلبث أن ماتت بعد زواجها منه بشهر. كان أولاد أم كلثوم رضي الله عنها من نجباء العلماء الذين تركوا آثارًا كريمة في دنيا العلم والعلماء في تاريخ الإسلام.

9

حفظت لنا أم كلثوم عشر أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا جاء في الصحيحين، أخبرت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ  النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًاّ”.

فرضي الله عن أم كلثوم وأرضاه ونفعنا بحبها.