آي الله تعالى مفاتيح لفهم حكمته سبحانه في الخلق، تدعونا للتدبر والتفكر لفهم الرسائل بوسيلة العقل الذي ميز به الله الإنسان وكرمه، ولم يكن هباء أن جعل العقل أول شرط للتكليف، وقد يجور البعض إن ظن أن التفكر والتدبر في كتابي الله المقروء والمنظور وقف على أهل التخصص والعلم، فيمنع بذلك عباد الله من الفهم عن الله، في الوقت الذي جاء فيه الخطاب القرآني صريحا في عموم الدعوة إلى ذاك الفعل المحمود، يقول سبحانه من قائل: ” أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (سورة: محمد، آية: 24)، وقوله: ” كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” (سورة: ص، آية: 29)، فالغاية من إعمال العقل في التدبر هي تتبع الصراط السوي وعدم الحياد عن الرشاد، لذلك كان العقل مناطا للتكاليف الشرعية، فبه يميز بين النجدين.

بعد هذه العطية الربانية لخلقه بالإذن بالإبحار في كتابه الذي لا تنقضي عجائبه، نقف مع آية هي غاية في الروعة والكمال، قوله عز وجل: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (سورة: التحريم، آية: 11)، أراد الله تعالت قدرته، أن يضرب مثلا في الإيمان، فلم يجعل الجنس أصلا في الاختيار أو شرطا له، إنما الأصل الوحيد كان في الانتماء الإنساني والسند الإيماني، في اقتراع عادل كسبت رهانه سيدتان عظيمتان شكلتا نماذج للكمال، إحداهما كانت سيدتنا آسية بنت مزاحم عليها من الله السلام، زوجة فرعون الذي قال فيه القرآن الكريم: ” يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ”، هي سيدة عاشت في كنف عز وسلطان، فلما دخل الإيمان إلى قلبها اختارت الآخرة فصنعت بذلك نموذجاً تشرئب إليه هامات السالكين من أهل الإيمان والإحسان، واعتبرت فرعون وعمله وقومه مما يستوجب الدعاء إلى الله لطلب النجاة.

طالع أيضا  صلاة التراويح زمن وباء فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” (فيديو)

عبر وعظات

لا شك أن الآية تخاطبنا بما زخرت به من عبر وعظات، يتشكل من خلالها الفهم الصحيح للمنطلقات وطبيعة العقبات ثم ماهية المطالب التي تنسج وفقها أسس الإيمان.

1- إن أول عظة نستشفها ذلك الإقرار الرباني بأن الكمال الإنساني يذيب فروقات الجنس ويسمو فوقها، وهذا من عدل الله، وبالتالي فهو يفند ادعاءات النقص الذي يربطها من يتحيزون لفكرة التفوق الذكوري، بالأنوثة بوصفها عائقاً وذات سقف محدود جداً، فكان من تداعيات هذا الفكر في تحجره، أن رسخ إحساس الدونية لدى المرأة توارثته قروناً حتى أقعدها عن نصيبها في الجهاد، فها هي ذي بشرى من الله عز وجل تبشرها بكامل أهليتها لطلب المعالي وعدم الرضى بإيمان القاعدين.

2- ثاني العظات، صورة حية للإيمان، تضربها للعالمين سيدة بقوة إرادتها وصبرها، إيمان يتخطى حدود الدنيا فيتحدى كل ترغيب أو ترهيب، لم يثنها الخوف من فرعون الذي كان مضرب الأمثلة في البطش والجور في كل زمان، ولم تغرها دنياه التي يملك ولا عزه فيها، فمصيرها الفناء في كل الأحوال، فرسمت صورة لليقين في الله تعالى وجميل التوكل عليه.

3- ثالث العبر في همة السلوك إلى الله تعالى والذي يستوجب همة الجهاد، فلم يكن ليضيرها من الله شيء لو أنها اختارت سبيل من يكتم إيمانه، أو أنها جهرت بالكفر مكرهة وقلبها مطمئن بالإيمان، لكنها لو كانت فعلت لما خلدها القرآن الكريم بذكره، إذ أنها باختيارها للجهاد في وجه سلطان جائر يدعي الألوهية، كسرت جبروت فرعون الذي لم يستطع النيل من همتها وعزيمتها، فأظهرت للناس جليا أنه لو كان إلها كما يدعي، لغيّر وجهة إيمانها بقوله كن فيكون، خاصة وأنها كانت زوجته ومن داخل بيته، فكانت دليلا قاطعا على كذب ادعائه.

طالع أيضا  الأسرة ومجالس القرآن في رمضان

4- وأما رابع العظات فتجلت في كونها أعطت درسا في طلب المعالي الذي تهون أمامه العقبات، حتى إذا عرف الفضل هان البذل كما يقال، فلما اشتد التعذيب بالمجاهدة الصابرة، لم تخلد إلى دنيا كانت تملكها، إنما رفعت الرأس إلى السماء مستهينة بالدنيا وما حوت، وأشاحت بوجهها عن قصر فرعون وما طوى، وطلبت بيتا عند الله في الجنة، وقد أدركت أن النجاة الحقيقية ليست من التعذيب، بل من إغراء فرعون وعمله وقومه، فجادت بالمال والنفس.

5- خامس العبر تكمن في إشارة القرآن الكريم إليها بنسبتها إلى فرعون الذي كان يشكل النموذج النقيض، وفي ذلك إشارة إلى استقلال إرادتها، ونسبة صلاحها إليها لا لغيرها، هذا من جهة، ومن جهة ثانية للدلالة على أن الفطر السليمة ينتصر فيها الإيمان فيقطع مع الركون أو الخضوع للظالم.

6- وأما سادس العبر فتفيد أن نفس البيئة لا تؤدي ضرورة إلى نفس المخرجات، فهذان زوجان عاشا في نفس الظروف، فكانت واحدة نموذجا للإيمان، وكان الثاني نموذجا للكفر والعصيان، وهذا تصديق لقوله تعالى في سورة البلد: ” وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ”، فالإنسان في أصل فطرته يميز بين الخيار الصحيح والخيار الفاسد، والحرية مبدئية في قراره، فحق بذلك للمؤمن الجزاء الأوفى وللكافر العقاب.

خلاصات

لا شك في أن في قصة سيدتنا آسية عبراً وعظات، ما استطعت الإحاطة بكلها، لكنها كانت بحق نموذجا إنسانيا خالدا يلخص معنيين عظيمين؛ فأما الأول فهو اقتحام العقبة التي تعترض وتغالب وتخيف، فقد طلبت بيتا في الجنة يضمن لها سعادة أبدية، وما تلك بالطريق السالكة الممهدة، بل دونها عقبات تتطلب قوة إيمان وإرادة اقتحام، فتحدت عقبات النفس والهوى التي تتمسك بالدنيا وزينتها، وعقبات الشيطان الذي سخر بطش فرعون وظلمه، فانتصرت في معركتها في سلوك جمع أصل الإيمان ومطلب الجهاد، ملخصا معاني ودواعي ومطالب العدل والإحسان في بذل للمال والنفس.

طالع أيضا  إن لله لنفحات

وأما المعنى الثاني فهو مطلب الحرية الفطري في الإنسان، فإن عاشت ملكة في قصر فيه من ملذات الدنيا ونعيمها ما يلهث وراءه العبيد الخاضعون، فقد كانت مجبرة على عبادة إنسان يضع نفسه مقام الإله، ويجبر الناس على عبادته، في أبشع صور التحقير للكرامة الإنسانية، فلما بصرت نور الإيمان، وجدت في عبادة الله تحريرا من زوج متأله وملك متعال متجبر، فاختارت الحرية وإن كان الثمن باهظا، وهي بذلك رسمت الطريق أمام كل من ينشد الحرية والكرامة مدركا الثمن الذي تستحقه كل منهما.

سلام من الله على آسية وعلى كل من رسمت ورسم طريقا للكمال.