الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه ومن والاه،
أسأل الله عز وجل أن يبارك للجميع هذا الشهر الفضيل، وأن يجمع لنا خيره من كل الأطراف : رحمة ومغفرة وعتقا من النار، وأن يرفع هذا البلاء عنا وعن البشرية جمعاء، آمين. 
إذا كان لنا في قصص الأنبياء عبرة، فإن لنا في سيرة سيد الأولين والآخرين أسوة حسنة علما وعملا وسلوكا، أملا في نيل خلاص فردي يرفعنا لمقامات القرب إذا اقترن بخلاص جماعي يكتب للأمة التمكين والعزة بين العالمين. 
وإن من أعظم المشاهد في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وكل سيرته العطرة مشاهد عظيمة، ما اعتبره القرآن الكريم: يوم فرقان وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يتعلق الأمر بغزوة بدر الكبرى، ذلك الحدث الرباني الذي فرق فيه المولى الكريم بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة التمكين . 
فما هي يا ترى أبرز المكاسب السياسية المباشرة للغزوة ؟ وما هي أهم المقومات الحضارية التي أسس لها هذا النصر الإلهي في هذه الموقعة العظيمة ؟ 
سأكتفي بانتخاب خمس من المكاسب السياسية ومثلها من المقومات الحضارية، وأنا على يقين بأن هذه الملحمة البارزة في سيرة النبي الكريم تتسع لما هو أعظم من ذلك تحليلا واستنباطا وتأسيا واتباعا. 
أولا: المكاسب السياسية
1- انتهاء المعركة بانتصار مشهود للمسلمين وخسارة فادحة للمشركين رغم الفارق في العدة والعدد، حيث كان جيش المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف ممن كتب لهم المشاركة من الصحابة الكرام في هذه الغزوة، استشهد منهم أربعة عشر رجلا في مقابل سبعين قتيلا وسبعين أسيرا من المشركين. 
2- التأسيس لفتح قادم وشوكة قوية حيث أصبحت للدولة الإسلامية الناشئة هيبة ونفوذ يتسع باطراد، بعد أن كان المومنون الأوائل عرضة للاضطهاد والملاحقة، وأموالهم وأعراضهم عرضة للنهب والغصب والانتهاك. 
وهو أمر سيعزز مكانة الإسلام وسيسمح بدخول الناس في دين الله أفواجا وحدانا وزرافات. 
3- إصابة قريش في مقتل باستهداف قوتهم الاقتصادية المتمثلة في التجارة، والتعرض لقوافلهم التي كانت تمر عبر طريق المدينة المنورة في اتجاه الشام، جزاء وفاقا لمصادرتهم أموال المسلمين في مكة وسلبهم كل ما يملكون.
وهو درس وعته قريش ورأت فيه حطا لمكانتها وامتهانا لكرامتها وضربا لعلاقاتها واقتصادها، فأصرت على القتال رغم نجاة القافلة التجارية التي كان يقودها أبو سفيان بن حرب لتؤدب، في زعمها ، المسلمين وتؤمن طريق التجارة، وتعلم كل القبائل بقوتها وهيبتها، كل ذلك وهي لا تعلم بأنها تسير إلى حتفها بظلفها، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. 
4- ترصيد مكتسبات نوعية جديدة: خبرة ميدانية وحربية ستحدان من جراءة المشركين فضلا عن غيرهم، وتأمين مورد جديد للدولة الإسلامية الفتية من الغنائم وفدية الأسرى مع توظيف ذلك فيما فيه خدمة استراتيجية للمسلمين كمطالبة كل أسير لا يمتلك فدية بوجوب تعليم عشرة من أبناء المسلمين ليكون ذلك ثمنا لنيل حريته. 
5- تكريم الشهداء والعناية بأسرهم ماديا، بإعطاء ورثتهم من الغنائم، ومعنويا بجعل أهل بدر مفخرة بين الأنصار والمهاجرين، ويكفيهم تزكية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”.
وهو أمر رفع معنويات الصحابة وجعل إرادتهم متوثبة للجهاد، في مقابل مزيد من الضعف والفرقة والهزيمة النفسية عند المشركين ومن لف لفهم من اليهود والمنافقين والأعراب.

طالع أيضا  مناجاة الرحمان على باب رمضان

ثانيا: المقومات الحضارية 
1- العامل الذاتي في الأمة هو الحاسم لمصيرها المستقبلي: إذ خرج الصحابة لغير قتال بل لاعتراض قافلة تجارية تحمل من بين ما تحمله جزءا من أموالهم وأموال إخوانهم المسلوبة، لكن بمجرد أن بلغهم أن قريشا خرجت لقتالهم إلا وأعطوا برهان الصدق وبرهنوا على تخليص القصد حيث لم يترددوا في الإعلان عن كامل استعدادهم للوقوف في وجه المشركين، رغم علمهم المسبق بالفارق في العدة والعدد، فكان الواحد منهم بألف، وهو ما اعترف به عمير بن وهب عندما أرسله المشركون ليستطلع عدد الصحابة، فقال ناصحا قومه بالرجوع: ”.. .قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع..“ .
2- دور القيادة المحبوبة المطاعة والجند المتأهب الناصح المتفاعل في تحقيق النصر على أعداء الأمة: فرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهو المعصوم، ما أقدم على خطوة إلا بتشاور مع الصحابة الكرام، حيث نجده استشارهم على الأقل في أربعة مواطن (حين الخروج لملاحقة العير/ وعندما علم بخروج قريش للحرب/ وعن أفضل المنازل في بدر/ وفي موضوع الأسرى) ليقرر بذلك للأمة أصلا من أصول الحكم الرشيد. 
وهو أمر أشعر الصحابة بالمسؤولية فلم يتردد أحدهم في تقديم ما يرى فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، فهذا الحباب بن المنذر يسأل رسول الله عليه السلام عن مكان الوقوف ببدر، فيقول: يا رسول الله أمنزل أنزلكه الله، أم هي الرأي والحرب والمكيدة، فأجابه سيدنا رسول الله: بل الرأي والحرب والمكيدة، فقال الصحابي الجليل: ما هذا لك بمنزل يا رسول الله.. وهذا سعد بن معاذ رضي الله عنه يتفاعل مع رسول الله في موضوع الخروج بعد أن قال الحبيب المصطفى لصحابته : “أشيروا علي“، يجيب سيدنا سعد: “فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك”
في مقابل هذه الصورة المشرقة، نجد أبا جهل يفرض رأيه على المشركين بضرورة القتال رغم الاختلاف البين في صفوفهم، بين من قفل راجعا لا شأن له بحرب خصوصا بعد نجاة القافلة، وبين متردد أرعبه ما سمع من عمير بن وهب من أن ”نواضح يثرب تحمل الموت الناقع“، وبين من يسير في ركاب فرعون هذه الأمة الذي قال بلسان حاله لمن معه: ما أريكم إلا ما أرى، وأقسم بلسان مقاله : “لا والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم ثلاثا، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا”.
3- التصديق بوعد الله والثقة الكاملة في نصره وتأييده لا يغني عن بذل الوسع واتحاذ الأسباب: حيث نجد أن الله عز وجل وعد نبيه إحدى الطائفتين، وأخبر صلى الله عليه وسلم الصحابة قبلا بمصارع المشركين حين قال: ”سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم”، كل ما سبق لم يثن نبينا الكريم وصحبه الأخيار عن حسن التخطيط والتنظيم والإبداع في الإعداد للمعركة حيث أرسل عليه السلام العيون لاستطلاع أخبار المشركين والتعرف على أعدادهم، ونظم الصفوف للقتال، وانتخب من يبدأ المبارزة، وصنع له عريش للقيادة..وغير ذلك من الأسباب التي لا تتناقض مع صدق العهد وإنجاز الوعد. 
4- الارتباط الوثيق بين امتلاك الموارد الاقتصادية وبسط السيادة: وهو ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عمل على إضعاف القوة الاقتصادية لقريش باعتراض قافلتهم التجارية المتجهة للشام ، فكان ذلك مقدمة للحد من نفوذهم ومطية لإضعاف تواصلهم.
ولعل ما نلاحظه في عالم اليوم من تسابق محموم على امتلاك ناصية الاقتصاد العالمي، ومحاولة التحكم في ممرات التجارة العالمية، لخير دليل على ضرورة يقظة الأمة لتتمكن من الحفاظ على خيراتها وصون ثرواتها وترشيد مواردها وحفظ سيادتها بما يعود بالنفع على مستقبل أجيالها رغم ما نعلم من إكراهات في مقدمتها:تحالف المستبدين مع السفهاء المبذرين. 
5- الخروج من الغثائية والوهن شرط للتمكين وإمامة الأمة: وهو ما عكسته غزوة بدر الكبرى بجلاء، حيث نجد قلة من الصحابة (حوالي 314 صحابي) مرغوا أنف المشركين (وهم حوالي 1000 مشرك) في تراب الذل والمهانة، والسر في ذلك – بعد توفيق الله عز وجل – أن الصحابة الكرام تعافوا بالتربية النبوية من أشد الأمراض فتكا التي تعرض لتداعي الأمم ، قال عليه الصلاة والسلام موجها ومنبها : ”يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”.
إذا كانت إمامة الأمة وعدا قاطعا، وموعودا صادقا، فإن ذلك القدر يجريه الله عز وجل على أيدي من أوفوا بالشرط إيمانا وعملا صالحا، قال الإمام المجدد رحمة الله عليه: ”سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إن آمنوا وعملوا الصالحات، لا إن أخلوا بالشرط الجهادي حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب في بذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها، وأعد القوة وبذل المال والنفس…“.
حفظنا الله وإياكم من الغثائية والوهن وجعلنا ممن جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح حتى نكون أهلا ليتنزل قدر الله على أيدينا، والحمد لله رب العالمين.

طالع أيضا  كنوز وجواهر في العشر الأواخر