كل الأمم والتكتلات الاقتصادية والسياسية تسابق الزمن لوضع استراتيجيات تنموية وسياسات عامة لمواجهة أثار جائحة كرونا، هذه الاستراتيجيات والسياسات العامة تعتمد في منطلقاتها على مسلمات مفادها أن عالم ما بعد الجائحة ليس هو نفسه ما قبلها، ولعل ما يؤشر على ذلك، هو الانخفاض غير المسبوق لمؤشرات القيم بالأسواق المالية العالمية، والتدني الخطير في أسعار النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ عشرات السنين، والتوقف عن الإنتاج لكبريات الشركات العالمية مما يتوقع معه فقدان 195 مليون عامل لمراكز شغلهم حسب تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، وارتفاع مهول في نسبة الدين الخارجي للحكومات، الذي من المنتظر أن يصل إلى مستوى قياسي له في مبلغ 53 تريليون دولار بحلول نهاية العام الجاري، حسب تقرير عن وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال، مما يجعل الدين العالمي يتجاوز إلى حدود الآن 255 تريليون دولار تبعا لتقرير رسمي حديث وارد عن معهد التمويل الدولي.
ترى ما هي الملامح الكبرى لعالم ما بعد كرونا في ضوء المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وما هي تداعيات جائحة كرونا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب؟ وأي مشروع تنموي ينشده المغاربة بعد كرونا يقطع مع اقتصاد الريع، ويحقق توزيعا عادلا للثروة، ويقلص من الفوارق الاجتماعية ويحقق إقلاعا اقتصاديا؟

الملامح الكبرى لعالم ما بعد كرونا في ضوء المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

لقد خلف انتشار وباء كورونا حالة واسعة من الرعب والهلع عبر العالم، وعبرت الكثير من الدول التي تعتبر نفسها متقدمة، عن صعوبات جمة تواجهها على مستوى مواكبة تداعيات ومخاطر هذا الانتشار، رغم إمكانياتها الاقتصادية والتقنية الهائلة، مما سيؤثر لا محالة بعد انتهاء هاته الجائحة العالمية في إحداث تغيرات كثيرة في النظام العالمي، وفي ثقافات الأمم وحضاراتها وأولوياتها واصطفافاتها.
وفي هذا الاتجاه يقول جاك أتالي المنظر وعالم الاجتماع الفرنسي: “إنه كلما ضربت جائحة قارة ما، إلا وقامت بإثبات زيف المنظومات القائمة على المعتقدات والسيطرة لفشلها في الحيلولة دون موت أعداد لا تحصى من البشر، ومن ثمة ينتقم الناجون من أسيادهم متسببين في اختلال علاقتهم مع السلطة..»
إن جل الخبراء والمحللين في علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد، يؤكدون من خلال دراساتهم التحليلية وأبحاثهم الميدانية، أن عالم ما بعد كرونا ستحكمه حتما توجهات تفرض على أغلب الحكومات إيلاء الاهتمام لشؤونها الداخلية أكثر من الشؤون الخارجية، بسبب عمق الأزمات التي خلفتها جائحة كرونا على اقتصادياتها، وكذا تأثر الوضع الاجتماعي لشعوبها، الأمر الذي سيدفع هذه الأخيرة إلى ممارسة ضغوط كبرى على السلطات الحاكمة للتركيز على مشاكلها الداخلية، والتراجع عن السياسات الخارجية السابقة، التي كانت تنهجها وتخصص لها إمكانات هائلة من ميزانياتها العامة، فاستنادا إلى تقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” الذي نشر سنة 2018، فقد وصل حجم الإنفاق العسكري العالمي سنة 2017 إلى مبلغ 1.7 تريليون دولار، ناهيك عن باقي أوجه الإنفاق الأخرى المرتبطة بالمساعدات الخارجية، والعمل الإغاتي والخيري وكذا البرامج التنموية.
وحسب تقرير صادر عن مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، الذي تم استخلاصه من قبل دراسات لإثنى عشر خبيرا استراتيجيا في عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد، فإن العالم بعد كرونا سوف يتجه نحو تعدد الأقطاب عوض أحادية القطبية التي كانت تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الصين الشعبية من المرشحين للتقاسم مع غيرها في قيادة العالم، كما سيعرف الاقتصاد العالمي انكماشا كبيرا مما يزيد من عدد الدول الفاشلة، الأمر الذي سيؤدي إلى تزايد في بؤر النزاعات بين الأمم بسبب انخفاض في النمو الاقتصادي وقلة الموارد الضرورية للحياة، والصراع على الزعامات، بموازاة إفلاس النظام الرأسمالي وعجز النظام الديمقراطي والاجتماعي عن التصدي لهاته الأزمة الطارئة.

طالع أيضا  محاولة لفك الشيفرة في كلام السيد رئيس الحكومة

تداعيات المخططات التنموية السابقة وجائحة كرونا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب

عبر المغرب رسميا من خلال خطابات أعلى سلطة بالبلاد منذ سنة 2017، بأن جميع المشاريع التنموية فشلت ولم تحقق ما كان يصبو إليه المغاربة من عيش كريم وقسمة عادلة للثروة وتنمية بشرية واعدة، وهذا ما أكدته جل التقارير الدولية في الموضوع، نذكر من أهمها التقرير السنوي الصادر عن الأمم المتحدة بخصوص التنمية البشرية العالمي لسنة 2019، حيث أشار إلى أن المغرب احتل المرتبة 121 من أصل 189 دولة شملتها الدراسة، وحسب مؤشر الازدهار العالمي لسنة 2019، الذي يصدره معهد ليغاتوم البريطاني، احتل المغرب المرتبة 100 عالميا من أصل 167 دولة شملتها الدراسة،
وغير بعيد عن الخطابات الرسمية التي عبرت عن فشل المخططات التنموية للمغرب، أظهر وباء كرونا بشكل واضح وجلي، ضعف المقومات الاقتصادية وهشاشة الوضع الاجتماعي للمغاربة سواء القطاعات الاجتماعية من قبيل الصحة والتعليم والشغل، أو القطاعات الاقتصادية التي تعيش وضعا هشا للغاية والذي من شأنه أن يؤدي إلى صعوبات في إعادة استئناف أنشطتها ودوران حركة عجلاتها، هذه الصورة القاتمة كشفها التقرير الذي ألقاه وزير المالية محمد بنشعبون بتاريخ 27 أبريل 2020 أمام البرلمان المغربي، حيث خلص تقريره إلى أن وزارته خصصت ملياري درهم للأسر الهشة بالمغرب، وعددها 4 ملايين و300 ألف أسرة منها 2 مليون و300 ألف أسرة تتوفر على بطاقة المساعدة ”راميد“.
وحسب التقرير ذاته، الصادر عن نفس الوزير ذكر بأن حوالي 132 مقاولة من أصل 216 ألف مقاولة توقفت عن العمل، مما أدى إلى توقف حوالي 800 ألف أجير عن الشغل، وأن صندوق الضمان الاجتماعي صرف لهم تعويضات شهرية في مبلغ 2000 درهم لكل واحد منهم، مما يجعلنا أمام خمسة ملايين ومائة ألف أسرة مغربية تنتمي إلى الطبقة الهشة وتعيش على الاقتصاد غير المهيكل.

طالع أيضا  د. إحرشان: المخزن اخترع لغة "الإجماع الوطني" لتزيين صورة الاستبداد

لقد صدم المغاربة قاطبة عندما أعلنت الدولة في أول خروج رسمي لها من قبل رئيس حكومتها بعد اكتشاف فايروس كورنا، بأن المغرب لا يتوفر إلا على 250 سرير للإنعاش رغم حصوله عن الاستقلال لمدة تقارب 70 سنة، نفس الصدمة تعرض لها المغاربة نتيجة الارتباك الملحوظ من قبل وزارة التعليم بخصوص تعاطيها مع التعليم عن بعد، في غياب تام للإمكانات التقنية والبرامج البيداغوجية، ولعل ما يؤكد هاته الصورة المأساوية لقطاع الصحة، التقرير الصادر عن مؤسسة نومبيو الدولية سنة 2019 حول مستوى الرعاية الصحية التي تقدمها الدول لمواطنيها، حيث احتل المغرب المرتبة الأخيرة مغاربيا والمرتبة 89 دوليا بسبب قلة الأطر الطبية والمراكز الصحية، وضعف التجهيزات الضرورية لتقديم الخدمات الصحية وفق المعايير الدولية، وإذا عدنا إلى قطاع التعليم نجد مؤشرا خطيرا نلتقطه من خلال تقرير صادر عن الوزارة الوصية، مفاده أن مجموع التلاميذ الذين غادروا المدرسة بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي خلال موسم 2017/2018 وصل إلى 221958 تلميذ وتلميذة، مما يجعل نسبة الهذر المدرسي في ارتفاع مطرد بسبب فشل منظومة التعليم وعدم نجاعتها.

المشروع التنموي الذي ينشده المغاربة بعد مرحلة كرونا

بناء على ما تم بسطه من إكراهات وطنية ودولية، وبناء على الرصد الذي أظهر لنا مكامن الخلل الذي يعيق نجاح المخططات التنموي للبلد، وانطلاقا مما سبق الوصول إليه من خلاصات ومخرجات، فإن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية لما بعد كرونا، ينبغي أن تركز على تقوية الاقتصاد الوطني لتجعله قادرا على مواجهة التقلبات والأزمات الدولية، ووضع حد لظاهرة القطاع غير المنظم لما له من أثار سلبية على هيكلة الاقتصاد المهيكل، مع تحسين مناخ الاستثمار والأعمال عبر تشجيع الثقافة التنافسية التي تقطع مع الاحتكار والامتيازات والريع، ومنح الأولوية للقطاع الفلاحي وللصناعات الغذائية والطبية، والحرص على بناء منظومة معرفية ترتكز على بنيات تكنولوجية ورقمية، تستجيب للمعايير الدولية لمواكبة التقدم الرقمي في المجال الإداري والاقتصادي.

طالع أيضا  علماء الشريعة تبع لخبراء الصحة زمن الأوبئة

ولإعادة الاعتبار للقطاعات الاجتماعية التي برز عورها خلال أزمة كرونا، والتي تشكل رافعة لنجاح المشروع التنموي للبلد، ينبغي إعداد إستراتيجية اجتماعية تنهض بقطاعات الصحة والتعليم والشغل وتبني برنامجا جديا لمحاربة الأمية، وتوفير الأجواء المحفزة للبحث العلمي التي تشجع الأطر والطاقات الشابة على الإبداع والاختراع، والعمل على احتضانها وفتح الأفاق أمامها حتى لا تهاجر هذه الأدمغة إلى الخارج، والكف عن تبذير الأموال العمومية في المهرجانات التافهة والإنفاق العبثي والمبالغ فيه على المصالح الحكومية ورؤسائها.

إن إنجاح المشروع التنموي الذي ينشده المغاربة، لن يتحقق ما لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية تقطع مع النزعة الفردانية وسياسات الماضي الفاشلة، وتفتح الباب لجميع طاقات الوطن للمساهمة في هذا الإقلاع التنموي بكل روح وطنية، تعتمد على توزيع عادل للثروة وتقلل من هامش الطبقية بين أبناء المجتمع، وتحفظ كرامتهم وأدميتهم وتفسح المجال للحقوق والحريات، لأنه لا نتصور تنمية بشرية لمجتمع في ظل قيود تكبل إرادته وتعيق حركته، وهذا ما يجعلنا نطرح علامة استفهام عن صدقية إرادة الدولة في نشدان مشروع تنموي واعد، أمام محاولاتها المتكررة لتمرير العديد من مشاريع قوانين تحد من حرية الرأي والتعبير، على الرغم من مناقضتها للشرعية الدولية ومخالفتها للمشروعية الدستورية، والاستمرار في مسلسل الاعتقالات للصحفيين والمدونين ونشطاء الحراك الاجتماعي، وكذلك حملة المتابعات التي طالت عموم المواطنين على خلفية قانون الطوارئ، الذي وصل عددهم حسب بلاغ لرئاسة النيابة العامة إلى 65 ألف و352 شخصا من بينهم 3016 شخصا أحيلوا على المحاكم في حالة اعتقال.