من عظمة أحداث الإسلام العظام، أن معينها لا ينضب، وعظاتها لا تنتهي، ودروسها لا تبلى، مضت قرون على وقوعها، وسال مداد كثير في محاولة للإحاطة بها، ولا زلت تتعدد زوايا النظر في استنباط معانيها، وربط سياقات كل عصر وأحداثه بتلك السياقات والأحداث، في محاولة لتقفي الأثر، وتقويم المنهج، لأن الرابط لن يندثر، ولن يتوقف ما دام هناك صراع بين الحق وبين الباطل، كانت غزوة بدر الامتحان العملي لاختبار المشروع النبوي في  ميدان المواجهة تربويا وفكريا أولا واقتصاديا وعسكريا ثانيا، مع عدو استئصالي يملك مشروعا شيطانيا تتسيده الجاهلية الشهوانية، والسادية الاستغلالية للعباد والبلاد، هذا الامتحان المفروض على القيادة النبوية ضروري لاستجلاء وضاءة المشروع ونواقصه، لأجل الانتخاب الطبيعي له على أرض الممارسة والمماحكة،

فالمشروع الآفاقي، لا يجب أن تكون فيه، رخاوة لا على مستوى المنهج ولا على مستوى البناء ولا على مستوى المصطلح حتى، لأنه مشروع مؤسس ضارب في زمان المستقبل، فإن سلم من القلع وهو فسيلة، فأكيد أنه سيسلم من عوادي الزمان والمكان وهو شجرة وارفة الظِلال، كثيرة العطاء، باسقة عن مشاريع قزمية، تهوي بعد أول تلة في الافتتان، أو تغير جلدها في ميدان المواجهة داخل زجاجة القصور البشري والدنيوي، أو تعلو أحيانا في ميدان التفاهة والتزيين الشيطاني، والانخداع العلمي والتكنولوجي، لتهوي غير لاوية على شيء، وهي التي طرحت أثناء نموها قلبَها النابضَ: الأخلاقَ والقيمَ، وجانبت الهدف الصواب الذي هو الإنسان ومصيره بعد الوجود.

ومن أبرز ما جلته غزوة بدر في ميدان بناء نظرية التغيير للإنسان والواقع أفرادا و جماعات، تنظيمات و دولا ما يلي:

1-  الفاعل الله

وصل الرسو لَ ﷺ خبرُ مرور  قافلة لقريش من طريق قرب المدينة بقيادة أبي سفيان، وعلى عجل جمع جمعا من الصحابة للخروج من المدينة لاعتراضها، تعويضا على ما ضاع منهم في مكة، حيث هاجر  منها المهاجرون، وقد تركوا بها كل أموالهم، كان سبب خروج النبي ﷺ إذن  اقتصاديا بحثا، لكن عيون أبي سفيان ودهاءه، نجا بالقافلة لمّا نحا بها طريق البحر، وأرسل إلى قريش أن ارجعوا، فقد نجت القافلة، وانتفى السبب، بعد أن كان قد حرضهم للخروج، لكن إرادة الله كانت أعلى من تخطيط النبي ﷺ، ومن تخطيط قريش أيضا، ليقضي أمرا كان مفعولا، وتحكي لنا سورة الأنفال حتمية المواجهة، وعدا من الله لرسوله، بتمكينه من إحدى الطائفتين، قال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ 1، مالت قلوب الصحابة إلى مواجهة قافلة أبي سفيان لسهولة الاستيلاء عليها وقلة منعتها، لكن يأبى الله إلا أن تكون المواجهة مع الجيش النظامي لقريش، الأكثر عددا وعتادا، ليُريَ آياته للنبي ﷺ ولأصحابه، وليُري قريش صدق رسالة النبي ﷺ، يقول ابن كثير  رحمه الله، مفسرا ويريد الله أن يحق الحق بكلماته 2: “أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال، ليظفركم بهم ويظهركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي دبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم 3 والله يعلم وأنتم لا تعلمون) 4، وعلق الزمخشري على قوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ. 5 بقوله: “يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم، والله- عز وجل- يريد معالى الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلو الكلمة والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزكم وأذلهم، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه العير وما فيها” 6.

في ممارسة التصور الرباني على أرض الواقع، لا بد من فهم آليات التنزيل، ولا بد من سنة التدرج، رفقا بحامل المشروع وبمتلقيه على حد سواء، فالله تعالى يعين، ويبشر، ويعطي، على قدر الإخلاص والفهم والعمل، لكنه لا يحابي أحدا في دنيا الأسباب، في عز المواجهة مع كفار قريش في غزوة بدر، أخلص الجمع في الوجهة، واسترخصوا الأنفس، وارتفعوا عن الاعتداد بأنفسهم أو سلاحهم، ورفعوا الأكف تضرعا ونحيبا، فأدهشهم الله تعالى بالعطاء، جيش من الملائكة يقاتل، إلى جانب الجمع ويرونهم يبالون البلاء الحسن..

إن هذه الأقدار والأحداث لم تكن تجري على سبيل المصادفة، بل هي الصناعة الربانية لهذا الجيل الفريد، الذي يحبه الله في عليائه، وتحبه ملائكته، وعباده الصالحون، أعده الله لحمل أمانة المشروع بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

فكيف للمشروع اليوم؟ وزحْفُ الهجوم على الإسلام في ذروته، ليس من أعدائه فقط، بل من المنتسبين إليه، بحسن نية وبغيرها، ومن المتمسحين به، والمتخفين وراء شعاراته، وقلوبهم ملأى بالحقد والكره له، يمحص الله الفكر والمفكر بتلاوين الفتنة وعقبات الطريق، حتى ينضج هذا المشروع من بين فرث الجهل والاستعجال والتشكيك، ومن بين دم العداوة والكره والدسائس والمكائد، كي يُكتب له الانتصار والانتشار والاستمرار.

2-  صناعة الإنسان حامل المشروع

إن أي مدخل لا يبتدئ بالإنسان ولا يمر بالإنسان، ولا ينتهي بالإنسان فمآله إلى بوار، فالله تعالى اصطفى هذا الإنسان وجعله في أحسن تقويم، وسير الكون بما فيه وسخره له، لأجل الغاية الاستخلافية التي وٌكل بها وناءت عن حملها السموات والأرض والجبال، وعبر مراحل التربية والتنشئة، يجب أن يصنع على هدي أخلاقي، وإصلاح نفسي أولا ليكون سيره في الأرض على نحو المعين الذي تَشَرَّبَه، يقول تعالى: واصطنعتك لنفسي 7 ولتصنع على عيني 8، الصناعة اصطفاء رباني، وصقل نفسي أولا، ورعاية تربوية، وتشذيب لغلبة الشهوة ثانيا، وسير بالصبر والمصابرة والاصطبار، في معمعان المواجهة مع مشاريع الخراب الشيطانية المزينة بلمعان الشهوات المغرية، ولذلك فالمشروع الناجع يتطلب الإنسان الوثاب، الذي يعرف ما له وما عليه، الموقف البطولي للصحابة في موقعة بدر، هو نتاج طبيعي للصناعة النبوية التي امتدت إلى بؤرة الحسم في الإنسان، إما نحو السعادة أو نحو الشقاوة، إن كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، نطقا وإيمانا كيمياء سحرية، تزيل سحر زهو العظمة، والقوة والتأليه البشري الضعيف، وترفع عن الإنسان أثقال الاثِّقَال إلى الأرض، وتدفعه نحو علو الهمة وصفو الملائكة، وتتشكل لديه آليات جديدة في النظر والتحليل، وفي الأثر، يستبين بها خيوط الحق المفتولة بحبائل الشيطان وأهله، المتلونة بظلام الواقع الدامس، “والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك” شعار النجابة والفهم على خريجي المدرسة النبوية، سعد بن معاذ رضي الله عنه وهو يجيب المعلم صلى الله عليه وسلم الخاطب: “أشيروا علي أيها الناس”، وهو يقصد الأنصار، لأن الحرب التي ستدور، ستكون رحاها في أرضهم، ووقودها أولادهم وأموالهم.

طالع أيضا  منظومة القيم الإسلامية من خلال غزوة بدر الكبرى

هذه العصابة الصالحة هي التي لها فضل بقاء الإسلام دينا يُعبد إلى يوم القيامة بعد فضل الله عز وجل، لم يلجها التشكيك في المشروع، ولم تثرثر الكلام حول صاحب المشروع، ولم تحكمها في تصورها وتصرفها المصلحية المقيتة، ولا حظوظ النفس الأمارة. بل سارت في طريق المواجهة مسترخصة أعز ما تملك، لتنتصر بالكيف على كم هامل مخروم القاعدة والقاعد.

إن هذا الإنسان الذي خرق طبقات الفضاء اليوم وحلق في الهواء، وغاص في أبحر الماء، لم يستطع السير على الأرض، لأنه عرف الذرة، لكنه لم يعرف نفسه، واكتشف الأسباب لكنه لم يعرف المسبب، وحرر النتائج، لكنه لم يعرف المبدع.

إن سر حياة التنظيم هو أبناؤه المجندون له، يذبون عنه ذباب التشكيك، ووخزات الحساد، وتحامل الحقاد.

روى الإمام البخاري في التاريخ الصغير، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك واللفظ له، عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه:  “تمنوا فقال بعضهم أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر تمنوا فقالوا ما ندري يا أمير المؤمنين فقال عمر:  أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان” 9، إنه فهم آخر لمعنى صناعة الرجولة، من رجل تشرب الصنع وعاشه، ويعلم أن انتصار التنظيمات والدول لا تعوزه الإمكانات المادية والفكرية بقدر ما يحتاج إلى رجال مثل أبي عبيدة بن الجراح وغيره.

3-  الفرقان والتمحيص بداية البناء

قال تعالى: إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير 10. غزوة بدر حدث فاصل بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، حدث فاصل بين الانتماء لمسار التغيير الجذري وبين مقاومة هذا المسار.

إن إرادة القتال والمواجهة مع قوة الشرك تعد تحولًا هامًا في خط سير الدعوة بعد زمان الصبر والاحتمال والطرد والإيذاء، فقد آن الأوان لإظهار قوة الاسلام والأخذ على أيدي الظالمين، حتى تكون للإسلام هيبته، ولدولة الحق مكانتها، وكلمتها في الجزيرة العربية بل في الدنيا كلها، يقول سيد قطب رحمه الله: “لقد أراد الله – وله الفضل والمنه – أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد أن يقطع دابر الكافرين، فيقتل منهم من يقتل، ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم وتكسر شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكن الله للعصبة المسلمة أن تعيش بنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف – تعالى الله عن الجزاف – وبالجهد بالاجتهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال” 11.

فرقان حتى في الصف الداخلي للبناء التنظيمي النبوي، بين التشرب الحقيقي لماهية المشروع، وبين الإيهام بالفهم واليقظة، لكن القتال ومجابهة الطريق لا تحتمل القسمة على اثنين، قال تعالى: ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا 12، ولو أن هذه الآية لا تتحدث عن بدر بل عن أحد، فإن امتحانات الطريق هي التي تبرز المعادن عن التراب، لما يكثر الكم ويقل الكيف، في بدر كانت القاعدة الصلبة للتنظيم قوية بثنائية السابقة والصادقة، وهي التي زحفت بالإسلام نحو النصر المؤزر.

القاعدة التربوية التي أسس عليها النبي ﷺ مشروع بناء الإنسان في المرحلة المكية، وهي قاعدة الانطلاق في كل بناء تنظيمي يتوخى النجاح، أعطت ثمارها، فثلاث عشرة سنة من بناء الفهم، ومحاربة الدوابية في الإنسان، وتزكية الروح، وتغيير القابليات، هي التي حولت الأعراب البدو، وأجلاف الصحراء، وقساة القلوب، ورعاة الإبل إلى سادة الدنيا وقادة الإنسانية، هذا الحسم الفارقي في النقل النوعي من دائرة الإنسان المثقل بروابط القبيلة، الملجم بأَزِمَّة الشهوات الجسدية والنفسية، إلى الإنسان الآفاقي الناظر من أعالي الصناعة الروحية، هو الفاعل الكيميائي في ديمومة فكر التنظيم حتى ولو تعرض للضعف، خلال السيرورة الزمانية نظرا لقلة نوعية هذا الإنسان.

الصناعة الروحية هو الفرقان بين إنسان القيادة وإنسان القلادة، على أرض صلبة تقف الصفوف المتراصة التي ينظمها خيط التربية الإيمانية، لا يؤثر فيها، ولا في أرضيتها ريح الفتنة والتمحيص، بل تزيدها يقينا فيما هي فيه، فتسترخص نفسها ومالها وكل ما تملك في سبيل ما آمنت به ورأت فيه الحق.

غزوة بدر استفتاء رباني لآثار  الصناعة النبوية لإنسان المواجهة الميدانية، تحمس للقاء العدو، وتسام عن مُقعدات الحياة، وبذل بالنفس والنفيس لإنجاح المشروع الجماعي الذي يستهدف جوهر الإنسان، صلاحا وإحياءً واستخلافا، خَرَمَت هذه الصناعةُ قواعدَ  المواجهة، وأنماط المغالبة، ثلاثمائة ونيف فرد ببُلْغَة سيوف، تواجه جيشا يضعفها ثلاث مرات، مزود  بعدة وعتاد ذاك الزمان وتُلحق به الهزيمة.

الجبهة الروحية الموحَدة، التي تملك مشروعا، وتلتف حول يعسوب بصير حليم، تتنفس النصر  في ذاتها وتحسم المعركة في ذواتها، وتستوعب أبناءها المتساقطين لقصر نظر، أو استعجال نصر، أو حماسة ملتهبة وحركية مكلسة، وتؤسس عاملها الذاتي في التغيير، تنهال عليها العطايا من حيث لا تدري، ويسري العامل الجماعي في توازٍ متناغم مع العامل الذاتي، وتكون بذلك هي الأمل المنتظر، وهي المعول عليها في الليالي المدلهمة التي يخيم ظلامها على الأمة الإسلامية اليوم، وهي التي تستجلب النصر  العائم في السماء ليتنزل على مربع التشكل في أرض المواجهة.

4-  الأبعاد الكلية للأمة

إن البناء الذاتي، والصقل الروحي يسبق أي امتداد آخر للتنظيم وللأمة، في عمليات الامتداد الطبيعي، خارج الذات، وتتشكل في نواتها الأبعاد الكلية للنجاح أو الإحياء من جديد، خرج المفردون مع الرسول الكريم ﷺ لاعتراض قافلة لقريش قادمة من الشام إلى مكّة بقيادة أبي سفيان بن حرب، وأخذ مغانمها، التي يوجد فيها جزء من أملاك المهاجرين التي أخذتها قريش ظلماً إبان الهجرة، فالسبب في الحرب اقتصادي محض، وهو بعد مهم من أبعاد صناعة التنظيم، فالمال عصب الدعوة، والاقتصاد حارس أمين للفكر، إن استقام على الطريق، الدول والتنظيمات صفر على الشمال، والدعوة شاحبة، إن جفاها المال، أو إن لم تسع إليه جاهدة، بل قد يرغمها ذلك على الانحناء لمنافسيها، أو التحالف مع أعدائها، مما يفقدها كاريزما القيادة، ووضاءة المنهج وهيبة المشروع. يتربص المناوئون والأعداء بالتنظيمات الفتية، التي لها بُعد نظر فكري ومشروع مجتمعي متكامل، لكنها عالة على غيرها في مال رعايتها، فتتعرض بذلك للمساومة أو تشرخ بالمال لشراء الذمم، وإن استعصى ذلك، فلشراء المشروع وتزويره، وإلا فالخنق، والحرب، والاستئصال، إن استطاعوا لذلك سبيلا، أو ترك ذلك للزمان يعصف بها بالضربة القاضية.

طالع أيضا  في زمن المحنة.. دروس وعبر من غزوة بدر الكبرى

المال بمطلبه الشرعي الخالي من سموم التبعية، ومن ثعبان الحرام، ومن سطوة التركيع للمستضعفين، هو الذي يفرش بعد الصقل الروحي للنفس، سجاد مقاومة المترفين الموبوئين بدين الانقياد للهوى الشيطاني، وللدهرية المقيتة التي تقفل دورة المال في دائرة الدُولة بين المستكبرين يرعى هوس الشهوة، وبطر  الفاحشة، ويرص على هامش الطريق الأعجاز الخاوية للإنسان، تتهارش وميض الفتات من أجل ضرورات الحياة، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: ” لن تكون للكلمات القرآنية، والمفاهيم الإسلامية، والمدلولات التي تشير إليها قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات” 13.

في طريق السلوك، التربية مهما علا سيفها الروحي، تتعرض دائما للوخز من القبضة الطينية للجسد، وأعظم عقبات الروح، حب المال ويحبون المال حبا جما 14، فالله لا يعبد عن جوع أو عطش أو خوف على الذات من الهلاك، إذ لا يتردد في أذن الجائع إلا صوت يبشر بالخبز، “فإنه لا صباح لمن لا أمن له من عذاب الله، ولا صباح لمن سهر خوفا أو جوعا أو مرضا. العدل والرخاء توأما خير كما أن الظلم والخراب عديلا شر” 15.

وحتى العلاقة الربانية الإحسانية بين العبد وربه في الخطاب الرباني له، أَخَّرَها عن العلاقة العدلية بين الإنسان وأخيه الإنسان، (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) 16 لما فيها من ترتيب أولويات في أرض الواقع الذي لا يرتفع، وبناء أرضية صلبة تقوي “الدابةَ الجسد”، لتتحمل بعدها ثقل الروح لتصل الفلاح المرجو لها.

5-  فقه البديل

التطور آلة سننية في ملك الله تعالى، والمشروع دائما يحمل في ذاته ثابتا، يعطيه قوة الارتكاز، ومحور رحى قائما لا يتغير، ومتغيرا ينطلق بعيدا لكنه يدور حول المحور، حتى لا يتعرض لتصلب تنظيمي جامد _ ومعلوم أن في مجال الحركة الجالس لا يسقط، لكنه في نفس الوقت لا يقوم_ ولا يتعرض أيضا لتيه وشرود في فروع التشتت والانتهاء، في غزوة بدر الخروج كان لهدف واحد، فإذا به يتغير الهدف، تَغَيُّر الهدف حتم تغييرا للوسيلة، الذي استجد به البديل، وهذا لا يليق إلا بالتنظيم المرن.

“أو” الاختيارية  في بدائل التنظيم تنم عن نضج فكري، وتمرس حركي، وتستخبر حركتها في الميدان عن الفرصة التاريخية لتقطفها، إذ فقدانها يٌشيخ التنظيمَ الفتي، الذي ينتظر المعجزات كي يطبق فكره المسجون، أو يسارع به أبناؤه بالتشكيك أو بالاستعجال  نحو موته المحقق، إذا  حُقق المناط واستل الهدف، لن تتأثر  الأساليب ولو تعددت، بل قد يضفي عليها التعدد اختلاف تنوع محمود، ولذلك ففكرة المواجهة التي اتخذها النبي ﷺ في مساره ضد قريش، كان هدفها واضحا، إقامة المشروع الحق على أنقاض المشاريع الفاسدة، لكن أساليبها تنوعت وتعددت، صدام عسكري، تحالفات ومعاهدات، اتفاقات ثنائية وأخرى عامة، حروب باردة أحيانا، تفاوض وحصار، تنازل ومناورات، تمحيص ونقد الذات، محاربة الترهل والتغول…

6-  الشورى وبناء المسار

الاستشارة ميزان الاعتدال في السير الجماعي، وتأبيد للمّة الجماعة على المشروع، ومتى افتقدت، صار الأمر الى الاستبداد، وحب النفس واتباع الهوى، خلد الله فرعون والنمرود وأبرهة، والظالمون قبلهم وبعدهم، خلد ذكرهم بأسوء اعتبار سياسي واجتماعي، لأن كفرهم وهلاكهم نتج عن الاستبداد بالرأي وطرح المشورة استعلاء على الصالحين وأصحاب الرأي السديد، وقد خاب بهذا الصنيع كل جبار عنيد.

تصنع المشورة  للمستشير  فردا كان أم تنظيما، حصنا ضد النفوس لصد هجومها الغارق في حب السلطة وحب التسلط، وتنزع عنها عباءة التقديس والفهم الفريد في كل الموضوعات، وتعطي للمستشارين تقديرا وإحساسا بالمسؤولية، وتهمما بها، لأنها محصلة لبناء تشاركي تطوعي يزينه الحب والتفاني.    

فإصابة الحق في الغالب السمة العامة للشورى، فإن الآراء إذا عرضت بحرية تامة وأدلى كلٌّ بحجته، وكانت النية صحيحة والهدف الوصول إلى الحق، والمصلحة العامة هي الأساس، والتجرد عن الأهواء والدوافع السيئة مع التوكل على الله تعالى، فلا شك أن النتائج تكون سليمة والعواقب حميدة والتسديد والتوفيق يتنزل من الله تعالى، هذ مع استحضار أن العمل بالشورى قربة وطاعة لله عز وجل، ففيه اجتماع الرأي في تحصيل الخير، وتهذيب رأي صاحب الأمر مع الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى.

إن في بعض أفراد التنظيم أو الجماعة كثيرا من النباهة، والفطنة والذكاء، يُقبر قدراتهم هاته، التصلب التنظيمي أحيانا، وعشعشة المسؤول في مكانه، وفقدان الوسيلة لسبر الأفهام وإدراك العقول، ولا يتحقق كل هذا إلا بالنسق الدائري للشورى الجماعية، تحصيلا للتكامل بين الإفراد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “الرجال ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء، فالرجل هو المشاور في أموره، ونصف الرجل المشاور في بعض أموره، ولا شيء الذي لا يشاور.” 17.

إن مفعول الشورى السحري يوقي من الاستبداد، ويحصر عيوب التفرد بالقرار، بل يشد وثاق نزعات التطرف والعنف، فالتشدد لا يصدر إلا من أفراد ذوي دوافع ومنازع وعقد تحدوهم وتنزع بهم إلى اتخاذ قرارات متطرفة أو متعسفة، أو مفارقة لخطة الحكمة والحسنى، لكن تبادل الآراء الصادرة من أفراد كثر وأصحاب دوافع متباينة يتجه بالقرار إلى الاعتدال والواقعية، كما يفسح مجالا خصبا لمناقشة آراء أهل التطرف والعنف الذين يتصورون دائماً أن آراءهم هي الحق والنهاية، في أي موضوع كان، فجرهم إلى مجالات الشورى ومشاركة الآخرين، تخرج آراءهم إلى الضوء لدحضها وهزيمتها، حتى لا تقتات عروقها الموهنة من سراديب الظلام والخفية. وتتضح لهم القيمة المرجوحة لأفكارهم التي يقدسونها.

في غزوة بدر، يترصع جوهر الشورى الذي نهجه النبي ﷺ في المسار  كله، قبل المواجهة وأثناءها وبعدها، وهو بذلك يؤسس روح التنظيم الذي بدونه ينهار ولو طالت مقاومتة، يجتمع الأنصار والمهاجرون، ويطلب استشارتهم في  خوض الحرب، فتتراص كلمات المهاجرين مؤيدة، ومُواعِدة الأعداء، وينتظر الجناب الشريف رأي الأنصار خصيصا، لأنهم أكثرية الجيش، ولأن رحى الحرب ستدور على أراضيهم، ونتيجة الهزيمة سيكون وقعها كبير عليهم، فكرر صلى الله عليه وسلم قوله: “أشيروا علي أيها الناس” ففطن إلى ذلك قائد الأنصار، وحامل لوائهم سعد بن معاذ، فقال: “والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل،  قال سعد : فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًّا غدًا إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله” 18، فبدى السرور على وجه الرسول صلى الله عليه ونشطه كلام سعد، لأن في ذلك توطيدا للجبهة الداخلية، وتمتين لروابطها حتى تواجه العدو  بعقيدة واحدة، هذا المبدأ الشوري الذي أسسه صلى الله عليه وسلم،  حرر الطاقات من سيف الحياء والخجل، وأكسب أهل التجارب والمكائد في الحروب، الجرأة على إبداء الرأي وبيان الخطط الناجحة، وهو الذي دفع الحباب بن المنذر بن الجموح  إلى ضرورة تغير مكان نزول المسلمين في واقعة بدر ، وقد نزل القائد صلى الله عليه وسلم على رأيه إذ قال له: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعورّ  ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعوّرت وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية” 19. هذا المبدأ سار  نهجا نبويا في شتى المحطات التي لا يظهر  فيها الوجه القويم للحكم، وفي أسر ى بدر  بادر النبي ﷺ عقد جلسة استشارية في كيفية التعامل معهم، فكان رأي أبي بكر رضي الله عنه أخذ الفدية من الكفّار ليتقوّى المسلمون بها، ولعلّ في ترك قتلهم فرصةً للمراجعة والتفكير بالإسلام، بينما أشار عمر بن الخطّاب وسعد بن معاذ رضي الله عنهما بقتلهم، لأنهم أئمة الكفر، ومجرمو حرب فقد جيشوا وحرضوا لاستئصال الدعوة، وكان في التخلّص منهم ضربةٌ قويّة لأهل مكّة، لكن النبي ﷺ مال إلى رأي أبي بكر رضي الله عنه، فحسم الخلاف واختار الفدية، لكنّ الله عز وجل عاتب نبيّه عتاباً شديداً على هذا الاختيار، وذلك في قوله: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم 20، والعتاب إنما جاء لقبول النبي – صلى الله عليه وسلم – للفداء في وقتٍ لم تكن فيه الغلبة والظهور لأهل الحقّ، مما يكون سبباً في ضعف المسلمين ومعاودة خصومهم للقتال، وهذا لا يصبّ في مصلحة المسلمين. وعلى الرغم من العتاب، فإن مجرى الاختيار والترجيح، انبثق عن شورى، وإبقاء حكم الفدية مدح باطن من الله للفعل الاستشاري.

طالع أيضا  في زمن المحنة.. دروس وعبر من غزوة بدر الكبرى

7-  الأَسْرُ،  والانعتاق: العلم

العلم سلطان النفاذ إلى القلوب وإلى العقول، العلم جواز مرور إلى الناس وتشكيلاتهم الجمعية، إن لم يُبْنَ الإنسان والتنظيمات والدول على العلم؟ فعن أي بناء نتحدث إذن؟ العلم علمان، علم الهدف وعلم الوسيلة، الهدف الله، وعلم الدلالة عليه سبحانه، بثه الله في رسالاته، وهيأ له أنبياءً ورسلا وأولياء، لنشره بين الناس، وعلم الوسيلة، زرعه الله في العقول، لتتلمس به طريق الهدف، لا لتستقل به لنفسها وتجعله هدفا في حد ذاته.

إن تركيز  معنى الله تعالى في النية والقصد، واستشعار  مراقبته في السير والسلوك، هو المحجة البيضاء الموصلة، وهو الذي يَنْظِمُ علوم الوسيلة أَنْهُرًا تسقي قحولة العقل المادي، الذي استقل بذاته عن خيوط وجوده وعن مسار  نهايته، والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، لم يفرط في علم الوسيلة قط بل حث عليه، وجعله طريق من أراد أن يفتدي نفسه من الأسر، فقد كان كثير من أسرى قريش يجيدون الكتابة والقراءة، لوضع  قبيلة  قريش التجارية، فهي تحتاج إلى التدوين والحساب، أما الأنصار فهم يحترفون الزراعة، ولهذا كانت الكتابة نادرةً فيهم، فلمَّا بَقِيَ مِن الأسرى جمعٌ تأخرَ فداؤهم أو لم يفادوا أصلاً، وليس في حَبْسِهِمْ مَصْلحةٌ عَمَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى الاستفادة من مَعَارِفِهم. فكلَّفَ مَن يريدُ منهم إطلاق سراحهِ تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فإذا أتقنوها كان ذلك فداءً لهم. وكان زيدُ بن حَارِثة الأنصاري رضي الله عنه من أبرزِ مَن تعلَّم منهم، فبرزَ وأصبح كاتبَ الوحي، ومِن ثَمَّ أصبح جامع القرآن ومدونه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداءٌ، فجعل رسول الله فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة” 21.

إن الاستفادة من علوم الوسيلة عند الآخرين واجب بما يحفظ خدمة علوم الهدف، حتى لا ينشطر العلم جزرا تتقاذف بعضها بعضا دون أن يوحد ارضتيها علم البدء والمعاد. وحتى لا نبقى على رصيف الحياة لا نملك غير العاطفة الجياشة في التطبيل والاستهلاك.

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ 22 إن المطلب الرباني للمسلمين لإعداد القوة، الإيمانية أولا والفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية تبعا، ثم العسكرية ثانيا، إنما هو فرملة لعلوم الوسيلة التي يتقنها العدو المستكبر، حتى لا يُخفي سرابها المدمع للعيون، علم الهدف وعلم المعنى المغيب الآن، بسبب تخلفنا وانفصالنا وانفصامنا بين نضج الفكرة وعوار الممارسة.

وختاما فإن غزوة بدر، شكلت بدايات المواجهة بين شخصية الأمة الإسلامية، وبين أعدائها، وستبقى هذه المواجهة سارية المفعول إلى اليوم القيامة، نكون أهل بدر في الانتصار، إن عَجَنَّا تنظيماتنا وشخصياتنا بقواعد بدر السالفة الذكر، ونكون أهل أحد في الهزيمة إن أخلفنا شروط المواجهة. 


[1] الأنفال 7.
[2] الأنفال 7.
[3] البقرة 216.
[4] تفسير ابن كثير.
[5] الانفال 7.
[6] تفسير الكشاف للزمخشري 2/ 193.
[7] طه 41.
[8] طه 39.
[9] المستدرك على الصحيحين 3/ 252.
[10] الأنفال 41.
[11] في ظلال القرآن 3/ 1481.
[12] آل عمران 165-166.
[13] في الاقتصاد، عبد السلام ياسين ص 14-15.
[14] سورة الفجر 20.
[15] نفسه ص 201.
[16] سورة النحل 90.
[17] قناطر الخيرات لإسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي 3/ 160 طبعة دار الكتب العلمية.
[18] السيرة النبوية لابن هشام 2/ 458 طبعة دار الحديث القاهرة.
[19] السيرة النبوية لابن هشام 2/ 462
[20] الأنفال 67_ 69.
[21] طبقات ابن سعد 5/ 306.
[22] الأنفال 60.