في جميع بلدان العالم تقتضي الضرورة، خاصة في مراحل الأزمات تقاسم المعلومة مع المواطن، لأن الجهل أكبر عدو للإنسان، ولأن التعتيم على الحقائق أخطر بكثير من كل سوء تحمله هذه الحقائق بين طياتها، لذلك كانت الشفافية من أهم قواعد الديمقراطية، ومن تدابير تسهيل ولوج المواطن إلى المعلومة أن يخرج المسؤولون للعلن لاستقبال أسئلة الصحافة باختلاف تلاوينها وتوجهاتها، في ندوات أو لقاءات أو حوارات، حتى أنه وفي ظل أزمة كورونا، هناك من رؤساء الدول والحكومات من يخرج بشكل متكرر مستجيبا للسلطة الرابعة للإدلاء بالمستجدات والتدابير التي تتخذها حكوماتهم والمؤسسات التابعة لها لمواجهة الجائحة، احتراما لسيادة الديمقراطية وسمو حق المواطن.

وقد يكون اللقاء الصحفي الذي أجرته القناة الأولى بتاريخ أمس السابع من ماي مع السيد رئيس الحكومة ضمن هذا الإطار العام، فهل أدى فعلا الدور المرجو منه؟ وهل اطمأن المغاربة وأمنوا على المستقبل بعد هذا الحوار؟ هذا ما نترك جوابه للمواطن الذي سيتفاعل أكيد مع ما جاء من تصريحات للسيد رئيس الحكومة. وفي قراءة عاجلة للقاء يمكن الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات إن كان من حيث الشكل، أو من حيث المضمون.

أولا: من حيث الشكل؛ يمكن ملاحظة عدم الانفتاح على مختلف الأطياف الإعلامية، رغم ما تستدعيه المرحلة من أهمية توسيع التواصل لزرع الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، ومن إشراك لمختلف النخب، في إصرار على إسماع الصوت الوحيد من خلال الإعلام الرسمي في حوار بارد ظهر وكأن خارطة طريقه محددة ومتفق عليها، فغابت روح العمل الصحفي كسلطة ناطقة باسم الشعب ومترافعة عنه، مما يدفع إلى السؤال عن جدوى لقاء في مثل هذه الظروف يظهر وكأنه تصريح حكومي يمكن للناطق الرسمي باسم الحكومة أن يدلي بفحواه، وهذا من ضمن مهامه، ولم يكن هناك ضرورة لإهدار وقت السيد رئيس الحكومة الثمين، الذي كان من الأجدى أن يستقبل فيه، من خلال إعلام مستقل، الأسئلة الحارقة التي تقض مضجع المغاربة، من قبيل كيفية إدارة وتدبير ميزانية صندوق كورونا فيما يتعلق بالفقراء غير المسجلين لا في الضمان الاجتماعي ولا يمتلكون بطاقة راميد، مع أنهم أكثر استحقاقا لها من عدد كبير ممن يمتلكونها، وهذا باعتراف السيد وزير الداخلية. وكيف يتم إحصاء عدد الفقراء في غياب لقنوات الشفافية وترك الأمر لأعوان السلطة دون إشراك لهيئات المجتمع المدني وهم أقرب للميدان. ومن قبيل مستقبل التعليم الذي يعاني أصلا من الاهتراء قبل كورونا، وانضافت سنة ناقصة قد تعيد فئة كبيرة جدا من التلاميذ، خاصة في الوسط القروي، سنوات دراسية إلى الخلف بسبب غياب منظومة المتابعة في التعليم عن بعد الذي زعم الوزير أنه غطى نسبة عالية جدا. ومن قبيل هموم المغاربة المتعلقة بمشروع قانون تكميم الأفواه وقمع الحريات الذي ارتأت الحكومة ملحاحية نقاشه والمصادقة عليه في ظرف الجائحة..

طالع أيضا  لجنة وطنية تكشف سياسات الدولة بعد الوباء للإجهاز على ما تبقى من فضاءات للتعبير

كلها أسئلة، وغيرها، كان على السيد رئيس الحكومة أن يتجاوب معها لإخراج النقاش الدائر في مواقع التواصل الاجتماعي إلى حيز الشفافية المطلوبة، عبر تواصله مع إعلام مستقل في إطار احترام قواعد الديمقراطية.

الأمر الثاني دائما من حيث الشكل؛ يتعلق بأسئلة المذيعة التي تبدو كالأسئلة الاستنكارية التي يكون الجواب عنها ببلى، وكأنها تعطي للسيد رئيس الحكومة فرصة للدفاع عن نفسه وعن حكومته من تهمة دعم المدارس الخاصة من صندوق كورونا، الذي راج مؤخرا، وكأن الهدف من اللقاء التلميع وليس تنوير المواطن حول مراحل الأزمة، خاصة وأن الكثيرين يحملون هم لقمة العيش ما بعد كورونا، وبالتالي كانت الأسئلة والأجوبة تبادل للغة الخشب التي لا تتحدث عن حقيقة المعاناة التي تعيشها فئات مجتمعية عريضة من المغاربة، وهذا من شأنه الزيادة في توسيع هوة عدم الثقة بين المواطن والحكومة، والمسؤولين عموما.

أما من حيث المضمون؛ فقد تحدث الدكتور العثماني عن التطور الإيجابي للحالة الوبائية، وهذا لا نملك إلا أن نثمنه، لكنه في المقابل لم يتحدث عن عدد التحليلات التي تجرى للكشف عن العدد الحقيقي للمصابين، مما يطرح عدة أسئلة عن مستقبل تفشي الوباء أو انحساره. كما تحدث عن أهمية الإجراءات الاحترازية وضرورة الالتزام بها، وهذا أمر بات يعيه الجميع باستثناء بعض الحالات الشاذة التي وصفتها المذيعة بالسلوكات غير المسؤولة. وفي خضم إجابته عن سؤال كيفية تدبير صندوق كورونا والقطاعات التي تحظى بالأولوية والذي طرحته المذيعة بعد أن كادت تقول شعرا في التدابير المتخذة، والتي جعلت في صلب الاهتمام، بحسب قولها، الاهتمام بصحة المواطن وسلامته رغم كلفتها، وكأن صحة المواطن منة من الحكومة وليس من صلب عملها، أجاب السيد رئيس الحكومة بأن مرسوم القانون يشير إلى مصرفين للصندوق هما دعم القطاع الصحي، ودعم المقاولات في مواجهة تداعيات كورونا، نافيا أن تكون قد استفادت مؤسسات التعليم الخصوصي من الدعم، دون نفي إمكانية الاستفادة إن استوفت – حسب قوله – الشروط بوصفها تخضع لقانون المقاولة، في قرار ينبثق عن لجنة اليقظة الاقتصادية التي تدرس استيفاء الشروط وبنود الاستفادة. ثم أردف يحدد الفئات المستهدفة بالدعم، من مأجورين توقفوا عن العمل بسبب كورونا ومسجلين بصندوق الضمان الاجتماعي، ومهنيين فقدوا مهنهم بسبب الوباء ويستفيدون من بطاقة راميد، أو المهن الحرة ولا يملكون بطاقة راميد، دون الحديث عن آليات لإحصائهم دون الاعتماد على الآليات القديمة التي أظهرت اختلالات عديدة، أكبرها أن عددا كبيرا من المستحقين لا يصلهم شيئا، وتعقب المذيعة على السيد رئيس الحكومة بتثمينها للإجراءات التي وصفتها بغير المسبوقة وهذا خروج عن الحياد الصحفي، وفي نفس النسق تشيد بالقدرة الكبيرة للجنة اليقظة الاقتصادية في إدارة الملف، والسرعة الكبيرة في حصر عدد المستفيدين وتمكينهم من التعويضات المخصصة لهم، قبل أن تسأل عن مصير السجل الاجتماعي الذي تأخر ليجيب بكلمة في القريب!!! ثم تصل إلى ملف حارق آخر وهو ملف التعليم؛ فتسأل إن كانت السنة ستكون بيضاء، فبشرها بأنها لن تكون كذلك (الله يحفظ). وفي جوابه عن حجم التكلفة الاقتصادية للجائحة، أكد أن ليس هناك تصور، مع تأكيده على أن 64٪ من المقاولات توقفت عن العمل إما بشكل جزئي أو بشكل كامل، وهو ما يؤثر ضرورة على المقاولات لكن بشكل أقوى على العاملين فيها والأسر التي يعيلونها. أما الحديث عن القطاع الفلاحي الذي أشاد به وبما وفر للمغاربة من اكتفاء غذائي، فقد نسي السيد الوزير معاناة شغيلة القطاع ممن عملوا في ظروف الوباء وكانوا حقا في الصف الأمامي للمواجهة دون حماية ودون أدنى شروط السلامة. أما المغاربة العالقون بسبب توقف الرحلات؛ فقد كذّب كل شهاداتهم التي يؤكدون من خلالها عدم اكتراث سفاراتهم بهم، وهذا ما يضع المشاهد في حيرة بين تصديق كلامه أو كلام المعنيين بالأمر، ليضيف أمرا في منتهى الغرابة عندما قال أن “العودة آتية لا ريب فيها”، بعد فتح الحدود، في حين أن دور الدولة الآني هو البحث عن سبل إدخالهم لموطنهم في هذه الظروف الصعبة كما تفعل بقية الدول.

طالع أيضا  من الفردانية أو الأنانية إلى الفكر الجماعي أو التضحية

وخلاصة القول فإن السيد رئيس الحكومة بتكراره لمجموعة من اللازمات خلال اللقاء من قبيل؛ “كورونا العالم كله حار فيه”، “وباء ما عارفين عليه والو”، “ليس هناك أحد في العالم يقدر يعطي أرقام عن التكلفة الاقتصادية”، “ما كاينش تصور عن الإقلاع الاقتصادي بل هناك سيناريوهات، ستكون صعوبات اقتصادية كبيرة”، يبشر المغاربة بأن الآتي… عبارات توحي بالشفافية، لكنه أغفل أن المغاربة كانوا ينتظرون الاطلاع على الحلول التي تعمل عليها الحكومة وطرح بعض الاستراتيجيات التطمينية لمحاربة تجليات الجائحة.

وفي إطار التبشير تحدث رئيس الحكومة بلغة الخشب الذي لا يمتلك السياسيون في بلدنا غيرها؛ وعدنا بأن هناك فرقا تشتغل للتفكير في الحلول والسيناريوهات التي تتبدل وتتكيف حسب ما تقتضيه الظروف، وأن هناك دراسات تواكبها الحكومة لجمع التصورات حول كيفية الانطلاقة ما بعد كورونا، في خطاب يشبه الوعود التي تبشر بها الحملات الانتخابية.

ليختم بمغازلة الشعب المغربي الذي وصفه بالعظيم، وأشاد بإنجازاته، وهي كلمة حق، وبشكر المغاربة على إبداعاتهم، كما أوصاهم بالصبر، وحذر من أن الخروج من الحجر الصحي أصعب من الدخول فيه، وهذه جملة حقيقة لم أستطع بفهمي المتواضع جدا أن أفهمها، ويسأل الدعاء.

حدثنا السيد رئيس حكومتنا بصفته طبيبا نصحنا بضرورة الالتزام بقواعد الحجر الصحي وإجراءاته، أو كأمين عام لحزب معين يضع نصب عينيه الرهانات الانتخابية القادمة فوزع وعودا هنا وهناك، وغازلنا بلغة لا طعم فيها. وكنا نأمل أن يحدثنا كمسؤول عن مستقبل المغاربة وعن تصورات حكومته لكيفية الخروج من الأزمة، حيث أكد أنه أو حكومته لا يملكون هذا التصور، يشتغلون وحسب، على ماذا يشتغلون؟ وكيف؟ هذا ما لا نملك جوابه في إطار الولوج إلى المعلومة، ولم نستطع أن نفك شيفرة مضمونه السياسي من خلال خطاب السيد رئيس الحكومة.

طالع أيضا  خيار شمشون.. فلسفة صراع بين نظام سيف وآل قلم