في كل مرة يُباشر فيها الحديث عن الصحافة والصحفيين تتبادر إلى الذهن جدلية الاستقلالية والتبعية، والتي تضع إحدى السلط المؤثرة في المجتمع في الميزان، بل وتُسائل أيضا شكل النظام القائم ومدى التزامه ببعض  سمات الديمقراطية؛ كحرية التعبير والشفافية، وقبول النقد، والرأي المخالف.

وإذا ما أردنا بادئ ذي بدء، الوقوف على معنى “استقلالية الصحافة” فإننا سنورد قولة لأحد الصحفيين حين سئل عن ذلك، قال إنها “أخذ مسافة من السلطة السياسية وسلطة الشركة، واستحضار سلطة القراء وأخلاقيات المهنة” لكنه استطرد في الآن نفسه بأن هذا فقط “هو التعريف النظري، لكن في الواقع هناك إكراهات كبيرة، وفي المجمل يمكن أن نردد مقولة الشعر التي تقول إن الشاعر ابن بيئته، كذلك الإعلام والصحافة والصحفيون، كلهم أبناء البيئة القانونية والسياسية والاقتصادية التي يعيشون ويشتغلون ويفكرون في ظلها” 1، وهو قول لا يعرفها فقط بل يلخص بالتعريض دون التصريح، الوضع الحقيقي لمهنة الصحافة.  

ثم إنه وكلمحة تاريخية عن الصحافة المغربية، الذي يبتدأ بدخول الطباعة إلى المغرب قبل عهد الحماية، وبعد صدور أولى الجرائد الوطنية خاصة في شمال البلاد سنة (1889)، ستجد أولى الأقلام الصحفية نفسها أمام رقابة السلطات الفرنسية المتحكمة في المعلومات المتداولة، مخافة وصولها للمقاومين أو مساهمتها في صناعة رأي عام وطني يقوم ضد الاستعمار بالفعل بعد القول.

أما بعد “الاستقلال” وحتى تسعينات القرن الماضي، فقد تلبس الحقل الصحفي بثنائية القصر وأحزاب الحركة الوطنية، إذ تحول صحفيو الجرائد والصحف الناطقة باسم أحزاب المعارضة إلى مناضلين حزبيين أكثر منهم مهنيون في حقل الصحافة، وبالمقابل حولت الآلة المخزنية الإعلاميين الرسميين إلى موظفين لدى دار البريهي 2. لا أقل ولا أكثر.

ومع بداية الألفية الثالثة ستطفو على السطح مجموعة من الصحف التي تدعي الاستقلالية بتحللها من أي انتماء حزبي، وكذا أخذها مسافة معتبرة من السلطات الحاكمة، وقد عرفت أكثر ما عرفت بصحافييها ومديريها من مثل الجامعي والعلوي ونيني وغيرهم، بل وبدأ الحديث عن إعادة صياغة قواعد الممارسة الصحفية عبر تشكيل تكتلات مهنية، والمطالبة بضبط العلاقة بينها وبين السلطتين القضائية والتنفيذية.

طالع أيضا  تأسيس هيئة للتضامن مع المهداوي وباقي الصحفيين المتابعين

لكن بالمقابل سيظهر رهان وسلطة جديدة أمام هذه الصحافة وهو سلطان المال، حيث انتقل الصحفيون من وضعية المناضل الحزبي أو الموظف الإعلامي، كما بينا سابقا، إلى أجير لدى مقاولات مملوكة لدى أرباب رؤوس الأموال بعد انفتاح القطاع الصحفي على القطاع الخاص، الذي لا ينضبط لا لأخلاق مهنية أو حتى لقواعد وقيم مجتمعية.

 في الوقت نفسه كان الشغل الشاغل للسلطات الأمنية هو العمل على أن تبقى للدولة الكلمة الفصل في الحقل الإعلامي، من خلال تقريب هذا وإبعاد ذاك، ثم الاحتفاظ بهامش المناورة عبر إقبار أي محاولة لتشكيل سلطة صحافية موازية للسلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، وهذا ما وقفت عليه جل التقارير السنوية للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، حيث ظلت تردد بأن، “ممارسة حرية الصحافة والإعلام، لم تعرف تغييرا جوهريا مقارنة مع السنوات السابقة، حيث ظلت نفس المعطيات القانونية والسياسية تتحكم فيها، كما استمرت نفس المنهجيات العمومية في التعامل مع المشهد الإعلامي” 3.

ليس هذا فحسب، بل باتت المؤسسات الإعلامية وصحافيوها في السنوات الأخيرة، ورغم كل البنود التي جاءت في التقرير السنوي للنهوض بحرية الصحافة لسنة 2014، باتت تتعرض لضغوطات من جهات رسمية قصد التأثير على حريتها في تحديد خطها التحريري، خاصة ذاك الذي يكون معارضا لتوجهات النخبة الحاكمة، بل وتم تدمير العديد من رموز الصحافة لا سيما المكتوبة، نتيجة لتبنيهم خطوطا تحريرية ذات طابع موضوعي -إلى حد ما- ومجابهة/الحديث عن الظلم وانعدام المساواة والفساد وسوء التدبير.

إذ أصبح واضحا أن مجال الحرية الذي يعتبر مربط الفرس في المجال الصحافي، يتم العمل دائما على إبقائه في حدوده الدنيا. الشيء الذي يفسره التركيز على الجانب الأخلاقي بعد فشل المتابعات المسطرية في إسكات الصوت المزعج.

ولعل قضية الصحافيين حميد المهداوي وتوفيق بوعشرين – والقائمة طويلة – وما أثارته من حديث على المستوى الإعلامي والقانوني والحقوقي، لأكبر دليل على كل ذلك.

طالع أيضا  في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. مكتب إعلام العدل والإحسان: لا إرادة سياسية تبدو في الأفق لضمان حرية التعبير

بعد كل ما سبق وإذا انتقلنا إلى التحديات التي باتت تجابه الصحافة كأداة من أدوات بسط الخبر وتعميمه قبل كل شيء، نجد الساحة مليئة وحتى التخمة بموارد الخبر وأشباه الصحفيين، بل وحتى بعض المرتزقة المختبئين خلف الصحف والمجلات الإشهارية، المتناثرة في الشوارع ببخس الأثمان بل بدونه في أحيان كثيرة.

هذا دون الحديث عن آلاف الصحف الإلكترونية والمدونات التي تشتغل من دون قواعد أو أية مهنية. والتي أصبحت بين سلطتين، سلطة رجال الأعمال الذين لا ينضبطون إلا لقواعد السوق من جهة، وسلطة المسؤولين الذين يوجهون أقلامها لسب هذا وتبخيس ذاك، وقلب الحقيقة وتزيين التفاهة، من جهة أخرى.

لكن التحدي الأكبر هو ظاهرة المواقع التواصلية الاجتماعية، التي لم تستطع أخذ المواقع الريادية بين مصادر الخبر فقط بل باتت أهم نقاط صناعة الرأي العام، وتأطير الجماهير وتوجيه بوصلة المجتمع والناس.

فهل من إرادة حقيقية لدى من يملكون القرار، لإعادة الاعتبار لإحدى أهم سمات النظام الديمقراطي أم إن الأزمة أزمة بنيوية، تقف أزمة الصحافة فقط كإحدى تجلياتها ليس إلا.


[1] حوار مع توفيق بوعشرين في 13.2.2018 pjd.ma-.
[2] دار البريهي هو الاسم الذي يطلق على دار الإذاعة والتلفزة المغربية.
[3] أنظر التقارير السنوية 2010،2011،2012،2013.