موقع الثورة البيولوجية من الثورة العلمية المعاصرة

سنة 1859؛ تاريخ صدور كتاب “أصل الأنواع” لشارلز داروين، حيث قدم فيه نظرية التطور والارتقاء، التي أعطت أول مبدأ موحد لفهم الحياة. أشار داروين في نظريته – التي اكتسحت الأرض وشغلت العباد وجعلها بعضهم إيديولوجية لمناهضة الدين…- إلى تسلسل جميع الكائنات الحية الحالية، من كائنات منقرضة تختلف عنها، وعزا هذه الاختلافات إلى تراكم تغييرات بسيطة حدثت ببطء. واعتبر أن الاتجاه الذي سارت فيه هذه التغيرات، كان يحكمها مبدأ الانتخاب أو “الاصطفاء الطبيعي الذي يعتمد على اللياقة، ويعتبر أن الكائن كلما كان أكثر لياقة وقدرة على التكيف مع شروط بيئته كلما زاد النسل الذي ينجبه”.

لكن داروين فشل في إيضاح كيفية عملية الاصطفاء الطبيعي، باعتبار أن سنة 1859 تميزت أيضا بظهور علم الوراثة الذي أوضح أن كل كائن ينجب شبيها له بالضبط، مما اضطر معه داروين إلى التراجع عن “أن التطور هو نتيجة لعملية الاصطفاء الطبيعي”.

سنة 1830؛ حدثت أول خطوة كبيرة نحو حل لغز التكاثر الخلوي، حيث اتضح أن جسم المتعضي يتكون من أنسجة، وأن النسيج مكون من مجموعة خلايا، إذ استنتج العالمان “ميتاس شيلدن” و “تيودور شوان” أن الخلايا هي الوحدات الأساسية للحياة، بمعنى أن كل جسم حي يرى بالعين المجردة يتكون من مجموعة من بلايين الخلايا. وأن كل جسم حي ينشأ من اتحاد خليتين أساسيتين تسمى الواحدة منهما مشيجا: التقاء المشيج الذكري (الحيوان المنوي) بالمشيج الأنثوي (البويضة) ينتج عنهما خلية واحدة تسمى “البيضة” التي تنقسم وتنمو، حتى يتم تكوين الكائن الجديد.

في أواخر القرن التاسع عشر، طرأ تحسين كبير على تصميم المجاهر ووسائل إعداد الأنسجة الحية للفحص المجهري، مما أتاح دراسة مكونات الخلية ذاتها، أي دراسة العضيات الخلوية ومكوناتها؛ أساسا الصبغيات.

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي.. ما مفتاحه (5)

سنة 1865، ظهرت دراسات مهمة في علم الوراثة أفرزت قوانين اصطلح عليها “بقوانين ماندل”. تهدف قوانين ماندل إلى توضيح كيفية توزيع الصفات الوراثية على الأجيال الجديدة. واتضح آنذاك: “أن كل كائن ينقل إلى نسله مجموعة من الوحدات الوراثية المسماة بالجينات أو المورثات. كل مورثة تحدد صفة وراثية محددة. لذا فالمظهر الخارجي للكائن، يحدده نمطه الوراثي للصبغيات الموروثة من الحيوان المنوي والبويضة.

سنة 1900، تم اكتشاف ظاهرة الطفرة (La Mutation):

وهي تغيرات فجائية في المادة الوراثية، على مستوى المورثات. تؤدي هذه الظاهرة إلى حدوث تغيرات في المظهر الخارجي، وذلك بتبدل الصفات الوراثية المنتظرة بصفات جديدة التركيب. هذه التغيرات التلقائية للمورثات هي المصدر الرئيسي للتجديد والتنوع البيولوجي.

الطفرة إذن هي المحرك الذي يقود عملية التطور، ويوضح أن الاصطفاء الطبيعي إنما ينتخب في الواقع الكائنات التي تحمل مورثات جديدة، أو تركيبات جديدة من المورثات التي تعطي لياقة وصلاحية أكبر للتكيف.

بين نظرية التطور والنظرية الخلوية، برزت فجوة عميقة بين معتقدات داروين وبين العقائد الدينية، التي تؤمن بأن الله هو الخالق، وليس الإنسان نتيجة للاصطفاء الطبيعي، وهذا جدل كبير بين الاتجاهين.

ولقد أدى النجاح العظيم في تقدم علم الوراثة إلى جعل هذا العلم “ملك” العلوم البيولوجية في النصف الأول من القرن العشرين. لكن طبيعة جوهره أي مكونات “المورثة: الجين” أو كيفية فرض صفاته على الجسم، وانقسامه مع انقسام الخلية، قد ظلت غامضة. ولم تكتشف حتى الخمسينات والستينات من القرن العشرين، أي بعد مائة عام من ظهور نظرية داروين، وأول وصف لمورثة ماندل.

ويعود سبب التأخير الشديد في حل مشكلة (المورثة)، إلى أن فهم الظواهر البيوكيميائية المعقدة للخلية، لم يكن قد قطع شوطا يبعد كثيرا عما بلغه في زمن داروين وماندل.

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي.. ما مفتاحه(4)