يعيش العالم بأسره – منذ شهور – على وقع جائحة كورونا وتداعياتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية… جائحة عابرة للقارات، عطلت جزئيا أو كليا بعض القطاعات، وحولت ريح الاهتمامات إلى وجهة أخرى لم تكن سفن النظام العالمي القائم تتوقعها.. جائحة فرضت إغلاق الحدود، واتخاذ تدابير احترازية مختلفة هنا وهناك، وإعلان حالة الطوارئ القصوى.. وأصبح الأمر جدا بعض أن ظهر للبعض هزلا…

كشفت الجائحة العابرة للمكان – ونرجو الله أن تكون عابرة في الزمان – عن ضعف الإنسان، ومحدودية حيلته رغم الترسانة العلمية والتكنولوجية والمالية وحتى العسكرية أمام كائن لا يرى إلا بالمجهر، ليتجلى لكل لبيب أن الإنسان مهما بلغ عتوه واعتداده بنفسه لا يعدو أن يكون خشيشا فوق كرة أرضية هي نفسها نقطة لا تكاد ترى في ملكوت صاحب الملك.. وليتعلم الدرس – عن قرب أو بعد – من يريد مراجعة كراساته التي خطها في غفلة أو عناد بهيمي..

أماطت الجائحة العابرة اللثام عن الوجه الحقيقي لعالم موبوء بشتى أنواع الوباء المزمن.. لقد كشفت جائحة كورونا عن جائحة مزمنة يعيشها العالم بأسره وهو ماض في عناد يمتطي آلة تطحن من حيث يظن أنها تحرث، وتهدم من حيث يعتقد أنها تبني…

أظهرت الجائحة العابرة وحشية مقيتة همها الحفاظ على صرح العمران الاقتصادي للجهات المتغولة بشركاتها ونفوذها العابر للقارات، ومصالحها الليبرالية المتوحشة، المتحللة من التبعات الاجتماعية والإنسانية بما فيها ترك العجزة يموتون موتهم البطيء على اعتبار أن الانشغال بهم فيه خسارة في الجهد والمادة، وخيار الربح التدبيري والمادي يقتضي الانصراف إلى غيرهم وما إلى ذلك من الحسابات المصرح بها في صلف وعنجهية في عز الأزمة.. فأصبح الإنسان لا يساوي شيئا في معادلة الربح والخسارة.. وانهارت القيم.. وأصاب الذعر مختلف الأمم.. وحتى الهيكل المزعوم المسمى أمما متحدة خرست أصواته كاشفة عن أطلال كان البعض يظن أن من دخلها فهو آمن.. لتتضح الصورة بشكل جلي أن العالم كان يعيش جائحة انهيار القيم وهو يسوق – بترسانته الإعلامية والسياسية للبشرية جمعاء – حضارة الوهم…

طالع أيضا  كفى استغباء، أيها الأبطال

وفي وطني العزيز كشفت الجائحة العابرة – إن شاء الله في الزمان – عن جائحة مزمنة اسمها المخزن الذي يتلون ويتكيف مع كل الظروف والأحوال… وهل هناك وباء أخطر من وباء لقح أصحابه بلقاء سحري ليكونوا جاهزين عند الاقتضاء؟!!

لقد اقتنص المخزن الفرصة التاريخية ليعيد الهيبة لحماه حيث رفع راية الجهاد والتعبئة الجماعية في حرب ضروس لا يمكن لأحد أن ينكر مشروعيتها، أو أن يتثاقل عن الانخراط فيها.. وأصبح هو سيد الميدان.. في السياسة والإعلام.. يصول ويجول.. ولا يتحرج في تصوير مشاهد دونكيشوطية لحملاته..

وحقيقة الأمر أن الشعب المسكين المقهور، الأعزل المعزول منذ زمان، الرازح تحت الكلكل الضريبي، المفروض على شبابه خيارات البطالة أو المغامرة في عرض البحر أو الانحراف… المشتكي على الدوام من تدني الخدمات الأساسية المجانية كالصحة والتعليم الموسومين أصلا بالعجز والإهمال واهتراء بنيتها التحتية المندرجين في المراتب الأخيرة في سلم التقييم عالميا كما في سلم الأولويات محليا.. والمحروم من التعويض الاجتماعي عن انعدام فرص الشغل (الشوماج).. المغبون منذ عقود في الدعم الاجتماعي لعجزته وأرامله ومستضعفيه.. والذي يرى بأم عينيه ثروة بلاده الغنية والمتنوعة تتصرف فيها حفنة من الوصوليين والانتهازيين دون حسيب أو رقيب، تارة بالتبذير والريع وتارة بالتهريب…

هذا الشعب المسكين وجد نفسه بدافع الحشمة واتقاء العار، وبدافع الشهامة وترك الضرار منخرطا بفطرته الأصيلة في مواجهة الوباء: رجال سلطة بسطاء يسيرون ليل نهار من وراء المكاتب الفخمة المكيفة.. ورجال الصحة والوقاية المدنية في الخط الأمامي بإمكانات مجحفة.. وعمال وعاملات النظافة والكنس والمنشفة.. وغيرهم كثير ممن يضمن أن يبقى للحياة نبض: عمال وفلاحون وطبقات من الشعب في خدمة الصالح العام وفي خدمة الفئة المترفة…

في ظل هذه الأجواء التي تنتفي فيها الأنانيات، وتسقط فيها الحسابات، وتتراجع فيها الحساسيات.. يأبى المخزن إلا أن يدشن حملة بغيضة عبر أقلام مأجورة مجندة أصلا للمزايدات والتحرشات والاستفزازات ليحكم إسكات الأصوات.. وحال أمره ومكره ينبئ بما هو آت…

طالع أيضا  الدولة وجائحة كورونا: هل نشهد سعيا لإحياء ثقافة سياسية بائدة؟

قال الراوي: وحدث أنه جاء ربيع مبشر مزهر.. فانتفضت السواعد اللقيطة والمرتزقة المأجورون لتسقط زهره قبل أن يثمر بدعوى أن خراجه مضر.. وقام في الريف منادون أن حي على البناء وكفى من المشهد المقفر.. فألقموا عشرين حولا من غير حول ولا قوة.. وقيل لهذا وذاك ممن صدح وفضح ادخل نفس الكوة.. حتى إذا حلت بالناس الجائحة.. ولزم الكل بيته.. وفوض لله أمره.. وعم الهدوء وقلت الحركة.. تذكر ساحرهم زمن البوار والمقاطعة.. فأسرع – قبل أن تضيع الفرصة وتستحيل المراجعة – بتعويذة يسابق بها الزمن لإخراس كل صوت موعدا بالغرامة والمتابعة..

قال الشاهد: أليس هذا وباء يستحق وصفة ودواء؟!

قلت: بل هو جائحة مزمنة، تستدعي بتر موبوء الأعضاء، واستئصال الورم حتى لا يمسي له بقاء..!