يعيش العالم اليوم أزمة غير مسبوقة من تاريخ البشرية. خصوصية هذه الأزمة، أنها نابعة من العولمة التي جعلت العالم قرية كونية مترابطة القارات، تسودها أساسا حرية تنقل الرساميل والسلع وفي درجة أدنى حرية تنقل الأشخاص.
لا يتعلق الأمر اليوم، بأزمة نظام اقتصادي كما كان الحال عليه سنة 1929، ولا حتى بأزمة مضاربة وجشع مؤسسات بنكية وأشخاص إبان أزمة القروض المسمومة لسنة 2008، بل هي أزمة تحديد مصير الإنسانية.
كما بات معلوما لدى المتخصص وغير المتخصص، فإن مصدر الأزمة ليس اقتصاديا بل هو صحي. وهذا السبب دون الدخول في تفاصيل المسببات هل هي طبيعية أو مفتعلة؟ ألزم ثلثي سكان العالم بيوتهم وجعل جل الدول تنغلق على نفسها وتسن حالة الطوارئ لتجنب تفشي الجائحة في صفوف عدد أكبر من السكان. وكان من شأن التقييد شبه الكلي لحرية التنقل والكسب داخليا ودوليا كساد اقتصادي كبير، بكل ما يحمله من صدمات اجتماعية ومعيشية وحتى نفسية.
لا ريب اليوم أن كل الدول تعاني الأمرين، بل يمكن القول أن بعض الدول الفقيرة وجدت نفسها أكثر أريحية وإبداعا من دول تبجح حكامها ـ إلى المدى القريب ـ بقوة اقتصادها أو بسيرها صعودا نحو القمة. من الصعب اليوم وغدا التكهن بما ستأول إليه الأمور، لأن الأزمة لا زالت في طور التشكل وأعطابها تتناسل على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وحتى الثقافية. ويشفع لنا في قصور الرصد والتشخيص والاستقبال أن مؤسسات إحصائية عتيدة، ومراكز بحثية مرموقة، ومستشارون محنكون لدول ومؤسسات دولية كلهم يقرون بصعوبة ما نعيشه، وباتوا لا يحصون سوى النكسات ويتوهمون السيناريوهات في زمن أقل ما يمكن أن ننعته به هو الترقب والتوجس من المستقبل.
وليس المغرب بدعا من الدول، فمنذ ظهور الحالة الأولى الوافدة من إيطاليا، التي اهتزت أركان منظومتها الصحية لتقبل إعانة مستعمرات قديمة لها، وبعد انتقال العدوى للسكان المحليين، قرر المغرب إغلاق الحدود وسن الحجر الصحي ثم حالة الطوارئ الصحية. وضع ترتب عنه توقيف لجل مكونات العجلة الاقتصادية، وتفضيل للعمل عن بعد، ولم يعد يشتغل من القطاعات إلا ما أعتبر ضروريا لاستمرار الحياة.
نخلص مما سلف لطرح سؤالين جوهريين قد يتبادران لذهن كل منا: ما هي التمظهرات الرئيسة في الاقتصاد المغربي للأزمة متعددة الأبعاد الحالية؟ وهل من مخارج ممكنة من عنق الزجاجة؟
نكتشف مع مطلع كل يوم، من خلال التقارير الوطنية والدولية، والنشرات الإخبارية، والبيانات التوضيحية أو التنديدية، والخرجات الإعلامية… معطيات جديدة جلها تقديرية. ما يهمنا هنا، هو استخلاص بعض ملامح المسار الذي أخذته الأحداث والإجراءات بالمغرب في المجال الاقتصادي، توخيا للتقييم التقريبي للوضع ومن تم اقتراح مخارج وركائز لإعادة تموقع الاقتصاد الوطني.
نورد استنتاجاتنا حول الوضع الاقتصادي الراهن فيما يلي:
1) الأثر على العرض: أكبر ما ميز اندلاع الجائحة بالمغرب، هو إغلاق ما يناهز 6300 مقاولة أبوابها والتوقف المؤقت لما يزيد عن 135000 مقاولة 1، وينضاف لذلك تأهب بعض أصحاب الرأسمال الأجنبي المتقلب للمغادرة في حالة استمرار الأزمة لمدة أطول، أي جريان الرياح بما لا تشتهيه سفنهم. إن توقف ما يقارب 60% من المقاولات المسجلة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي معناه: تراجع الصادرات، وانهيار أرقام المعاملات والقيمة المضافة التي هي أساس الناتج الداخلي الخام، وتراجع الطلب على القروض، وتجميد المعاملات البينية بين المقاولات، وعدم القدرة على أداء الضرائب المستحقة وعدم تحصيل الضريبة على القيمة المضافة، وعسر سداد الديون من طرف المقاولات والعمال لصالح الأبناك، علما أن الدولة سنت إجراءات تأجيل السداد وسارعت لوضع آليات جديدة لصندوق الضمان المركزي 2. لكن تبقى الآفة الكبرى، هي التسريح أو التوقيف المؤقت لأزيد من 800000 أجير ومستخدم، مع كل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية السلبية المترتبة عن هذا الوضع. علما أن الدولة بادرت من خلال الصندوق الخاص لتدبير جائحة كوفيد المستجد بصرف إعانة ـ للمصرح بهم نظاميا فقط ـ قدر حدها الأقصى في 7000 درهما للفرد، تصرف على مدى 3 أشهر ونصف إلى متم يونيو 2020 3.
2) الأثر على الطلب النهائي: بالإضافة لتراجع الطلب الخارجي والعمومي والذي يصعب تقديره اليوم، تراجعت وستتراجع القدرة الشرائية للأسر ومعها ستتغير عادات الاستهلاك النهائي والادخار للأسر ما بعد حالة الطوارئ الصحية. تجدر الإشارة هنا، أنه على غرار الإجراء المتخذ في حق العمال المتوقفين مؤقتا عن العمل فقد شرعت الدولة ـ من خلال الصندوق المذكور أعلاه والذي بلغت موارده 32 مليار درهما إلى حدود 24 أبريل 2020 ـ في صرف مساعدات لما يناهز 4 ملايين و300 ألف أسرة التي “قبلت ملفاتها” المتوفرة على بطاقة صالحة لنظام المساعدة الطبية “راميد” أو المشتغل رب الأسرة فيها بالقطاع غير المهيكل وغير المنظم، بمبالغ تتراوح بين 800 و1200 درهما للمدة المتراوحة ما بين 15 مارس و30 يونيو 2020 4. وتبقى الوضعية الاقتصادية لأصحاب المهن الحرة الذين لا يدخلون في الفئتين المذكورتين غير معلومة.
3) الأثر على التوازنات الكلية: سبق لنا أن تطرقنا بإسهاب في مقال سابق لهذا الإشكال. ونركز هنا فقط على تآكل مخزون العملة الصعبة وما يترتب عنه من عجز في ميزانية الدولة وميزان الأداءات. ومعلوم، أن استمرار الاستيراد (مثال الحبوب: متوقع استيراد مليار ونصف دولار بسبب الحصيلة الضعيفة المتوقعة هذه السنة للموسم الفلاحي: 30 مليون قنطار جراء الجفاف) وتراجع الصادرات في قطاعات استراتيجية (مثال السيارات) وتوقف أهم روافد العملة (تحويلات مغاربة العالم ناقص 5 مليار دولار تقريبا، والسياحة الوافدة ناقص ما يناهز 6 مليار دولار…) تشكل إكراهات حقيقية يصعب تدبيرها، مثلا بطابعة الأوراق النقدية، لأن الأمر هنا يتعلق بالعملة الصعبة. فكان الحل الأسهل والسريع الذي انتهجته الدولة هو رفع سقف الاستدانة الخارجية واللجوء لخط السيولة والوقاية، حيث وضع صندوق النقد الدولي 3 مليار دولار رهن إشارة بنك المغرب يتم تسديدها على 5 سنوات بمدة سماح 3 سنوات 5. وتنضاف لهذا الخط مجموعة من القروض العمومية الخارجية ومنها المضمونة والتي استدينت من جهات أخرى من بينها البنك الدولي؛ ويكفي الرجوع للأعداد الصادرة من الجريدة الرسمية منذ بداية سنة 2020 لمعرفة المبالغ والجهات المقرضة. أمام كل هذه الإكراهات، لاح بصيص من اقتصاد العملة مع تراجع أسعار المحروقات عالميا.
في المحصلة، الإجراءات المتخذة لحد الآن، تبقى ظرفية واستعجالية تمتح خاصة من السياستين المالية والنقدية، لكن المخلفات المنتظرة على المستوى الاقتصادي لجائحة كوفيد ستكون أعمق وتستدعي تسخير السياسات الهيكلية (الصناعية والتجارية) والسياسات الداعمة والمواكبة (التشغيل والأسعار).
عنوان مرحلة ما بعد يوليوز 2020 هو إعادة تموقع الاقتصاد المغربي داخليا وخارجيا، وهذا يحتاج تجاوز الانتظارية وعقلية المساعدات والدعم العمومي أو التضامني، والمضي في حلول مبدعة. لسنا هنا ندافع عن تملص الدولة من أدوارها الأساسية، بل نقترح دولة تلعب دورا استراتيجيا في توجيه الفعل المجتمعي خاصة في المجال الاقتصادي مع توخي المرونة اللازمة وتشجيع المبادرات المواطنة.
نخلص لثمانية مخارج استراتيجية متكاملة ومترابطة فيما بينها، مستمدة من دروس الأزمة الحالية وقد تفيد في إعادة التموقع المرغوب فيه:
1) التركيز على الاستثمار الوطني وجلب الاستثمار الأجنبي المواطن والمسؤول؛
2) التعليم والتدريب والبحث العلمي الموجه لمجتمع ومهن الغد؛
3) إدارة عمومية رائدة، منفتحة ورشيقة (agile)؛
4) منظومة تمويلية مواطنة وضمنها التمويل التضامني؛
5) تطوير المقاولاتية الاجتماعية والتضامنية تجاوزا لمنظومة المساعدات والدعم، وتحفيزا للفئات الفقيرة والمعوزة والموجودة في وضعية الهشاشة. على أن تتولى الدولة صياغة ونشر السجل الاجتماعي الموحد والخريطة المحينة للفقر؛
6) تسويد مصفوفة ليونتييف Matrice de Leontief بربط القطاعات الانتاجية فيما بينها ضمانا للاكتفاء الذاتي والأمن الاقتصادي. ولا يلجأ للتزود من الخارج إلا للأساسيات التي لا يمكن توفيرها محليا. وهنا لا بد من علاقات اقتصادية دولية جديدة مع دول آمنة وتنافسية؛
7) الاهتمام بالقطاعات الإستراتيجية التقليدية ومنها الفلاحة والصناعة والسياحة والصيد البحري مع ربطها بحاجيات البلد أولا، وتشجيع القطاعات الواعدة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر واقتصاد الصحة؛
8) تشجيع قطاع التكنولوجيا خاصة في مجالي تقنيات التواصل والذكاء الصناعي، وهذا من شأنه الإقلاع باقتصاد المعرفة.
إن تنزيل هذه المخارج الإستراتيجية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أربع ركائز لا بد منها: المصلحة العامة والخصوصيات الجهوية داخليا، ثم العمق الإفريقي والإشعاع الدولي خارجيا. أما الترسانة الإجرائية فذلك أمر هين إذا ما اعتمدت مخارجنا الإستراتيجية.

طالع أيضا  إخلاص النية لله عز وجل.. من أجل رباط مفتوح في ظل حجر صحي إلى أجل

[1] المندوبية السامية للتخطيط، النتائج الرئيسية للبحث الظرفي حول تأثير كوفيد-19 على نشـــاط المقـــاولات، مارس 2020.
[2] البيان الصحفي للاجتماع السادس للجنة اليقظة الاقتصادية بتاريخ 29 أبريل 2020.
[3] عرض وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة أمام مجلس النواب جوابا على السؤال الشفوي المتعلق بالتدابير المالية والاقتصادية لمجابهة الأزمة الناتجة عن جائحة كورونا كوفيد-19 بالمغرب، 27 أبريل 2020.
[4] نفس المصدر، جواب الوزير المذكور أعلاه.
[5] بيان صحفي مشترك بين بنك المغرب ووزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة بتاريخ 7 أبريل 2020.