أعدت الحكومة مشروع قانون يتعلق باستعمال الوسائط الإلكترونية في الإجراءات المدنية والجنائية.
هذا المشروع يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات عليه، سواء من حيث سياقه أو من حيث مضمونه.

من حيث السياق:

– يأتي المشروع في خضم ظرفية حرجة يطبعها الخطر الداهم لفيروس كورونا وهو ما اضطرت معه دول العالم إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات وعلى رأسها إعلان حالة الطوارئ الصحية والحجز المنزلي، فمع ما يشكله هذا الظرف من ضغوط جمة، فإنه لا يشكل الوقت المناسب للتشريع، الذي يعد عملية شاملة ومعقدة، تستدعي تفكيرا هادئا متحررا من كل الضغوط، وإشراكا حقيقيا لكل أطراف المنظومة والمهتمين بالمجال موضوع التشريع، وليس اشراكا صوريا كما هو الحال في المشروع الحالي (إبداء الرأي في أسبوع في ظل إجراءات الحجز الصحي).

ولذلك ينبغي المطالبة بتأجيل مناقشة المشروع إلى ما بعد انتهاء فترة حالة الطوارئ الصحية.

– الحكومة تملك بموجب المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم 292.20.2 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ الصحية اتخاد جميع التدابير التي تمكنها من مجابهة الوباء بموجب مراسيم قوانين و مقررات تنظيمية، كما أن المشرع خول لها امكانية التشريع حتى في حالة انعقاد مجلسي البرلمان، وذلك بموجب مراسيم تدابير طبقا للفصل 70 من الدستور وذلك باستصدار قانون من البرلمان يأذن للحكومة بالتشريع في ظرف من الزمن محدود ولغاية معينة شريطة عرضها على البرلمان عند انتهاء الأجل بقصد المصادقة.
ومن تم فإنه يمكن للحكومة إقرار المحاكمة عن بعد بكيفية مؤقتة طيلة مدة سريان حالة الطوارئ الصحية وتعطيل المقتضيات المسطرية المتعلقة بالحضورية والتواجهية.

من حيث الملاحظات:

أولا: بخصوص الإجراءات المدنية

1 – هذه المقتضيات واردة في مسودة قانون المسطرة المدنية، ولا تمليها حالة الاستعجال؛

2 – هاجس المشروع هو سرعة البت ولذلك كل ما يطالب به المحامين هو سرعة التبليغ وتسريع الإجراءات من خلال الإدلاء بعناوينهم الإلكترونية لتبليغهم بالإجراءات القضائية ولا يخاطب الهيئات المهنية للمحامين ومن تم لا يتحدث عن المنصات الإلكترونية المستقلة لهذه الهيئات بما توفره من تأمين الاتصال عن بعد وضمان للسر المهني وحماية من الاختراق وخدمات أخرى وعلى رأسها المكتب الافتراضي.

طالع أيضا  تكييف متابعة الريسوني جنائيا.. ومنهج "التهمة الجنسية" بات مستهلكا

3 – المشروع حينما نص على أن تعيين الوكيل يعد اختيارا لمحل المخابرة معه، وهو ما ضمن في القانون الحالي، فإنه لا يفرض على الأطراف الإدلاء بعناوينهم الحقيقة وهو ما يمكن أن يخلق إشكالات في التنفيذ؛

ثانيا: بخصوص الإجراءات الجنائية

1 – المشروع قيد التحقيق والمحاكمة عن بعد في المواد 193-1 و193-2 و347-4 و347-5 بشرطين، وهما وجود أسباب جدية تحول دون الحضور في المكان الذي يجري فيه التحقيق أو المحاكمة، أو لبعد الشخص عن المكان الذي يجري فيه التحقيق أو المحاكمة، والحال أنه يمكن الاكتفاء بالشرط الأول لأن معناه يستغرق ويعم الشرط الثاني؛

2 – المشروع في المواد 193-3 و347-7 لم يقيد المحاكمة عن بعد للمعتقلين عن بعد من السجن بأي شرط أو قيد، أي أنه عطل اهم ضمانات المحاكمة العادلة المتمثلة في الحضورية والتواجهية بدون مبرر، ومن تم فإنه انتقل من الأصل إلى الاستثناء دون قيد أو شرط.

ومن تم فإن حق المتهم في المثول حرا أمام قضاء مستقل نزيه بدون قيود ولا أسوار للفصل في خصومته الجنائية مع السلطة التنفيذية التي احتجزته ووضعته رهن الحراسة النظرية وأجرت معه الأبحاث والتحريات وتابعته في حالة اعتقال قد تم تعطيلها، لأن المتهم لن يشعر بأنه أمام القضاء، لأنه لازال يقبع في السجن في قبضة السلطة التنفيذية.

فالمتهم اجتمع عليه ثلاث استثناءات من الأصل، الأول هو متابعته في حالة اعتقال استثناء من قرينة البراءة، والثاني هو محاكمته عن بعد من السجن، والثاني هو إقرار ذلك بكيفية مطلقة دون شروط خلافا للشخص المتابعة في حالة سراح الذي قيده المشروع بقيدين كما تقدم الحديث سابقا، مع أن منطق الأمور أن المعتقل أولى بالحماية؛

3 – المشروع خول للمحامي الحضور مع موكله أو في المكان الذي يجري فيه التحقيق أو المحاكمة، والحال أن المحامي ينبغي أن يحضر فيهما معا، لأنه رقيب على سلامة الإجراءات وخول له القانون إثارة الدفوع بالبطلان بخصوص إجراءات التحقيق والمحاكمة إذا تمت خلافا للنموذج المقرر قانونا.

طالع أيضا  "المواطن وحده هو بطل المرحلة".. ذ. الجوري يشرح عجز الدولة عن تطويق الوباء

ولذلك كان على المشروع إقرار حق المحامي في الحضور في المكانين معا بالحضور في احدهما بنفسه وفي الآخر بواسطة من ينوب عنه مع تأمين وسيلة الاتصال؛

4 – المشروع نص على تحرير محضرين بخصوص المواد 193-1 و193-2 و347-4، محضر تقني في مكان تنفيذ الإنابة يضمن كل شيء باستثناء مضمون الاستنطاق أو الاستماع أو المواجهة، يوقع عليه قاضي الإنابة والمعني بالإجراء، ومحضر في مكتب قاضي التحقيق أو قاعة المحاكمة يتضمن كل شيء بما في ذلك مضمون الاستنطاق أو الاستماع أو المواجهة، غير أنه لم ينص على ضرورة توقيعه من قبل المعني بالإجراء، والحال أنه سيواجه به، فأي مفارقة هذه؛

أما بخصوص الشخص المعتقل فقد نصت المادتين 193-3 و347-7 على تحرير محضر واحد فقط، ترسل نسخة منه إلى السجن بجميع الوسائل لتوقيعه من قبل المعني بالإجراء؛

5 – المشروع نص في المادتين 193-3 و347-7 على حضور موظف من السجن عند الإستماع إلى الشخص عن بعد بالسجن علما أن هذا الشخص لا تتوفر فيه الضمانات المتوفرة في كاتب الضبط من أداء القسم القانوني ودراية بمهمة توثيق ما راج في الجلسة، ناهيك على أن الشخص المعني بالإجراء قد يكون قد تلقى سوء معاملة في السجن لن يجرأ حسب المجرى العادي والمألوف للأمور على تبليغها لقاضي التحقيق أو المحكمة.

6 – المشروع لم يشترط استصدار موافقة المتهم ومحاميه كشرط لسلوك طريق التحقيق أو المحاكمة عن بعد بالرغم من أن ضمانات وشروط المحاكمة العادلة وعلى رأسها الحضورية والتواجهية تعد من النظام العام ولا يجوز التنازل عنها، ولا تسقط بالتنازل عنها من قبل أي كان رعيا للمصلحة العامة المتمثلة في تحقيق العدالة واطمئنان المجتمع إلى الأحكام التي تصدر عن القضاء.

طالع أيضا  لوموند ديبلوماتيك: إلى أين يسير المغرب؟!

7 – المشروع خول لوكيل الملك أو الوكيل العام للملك حق تمديد الحراسة النظرية بعد الاستماع المحروس عن بعد دون تقديمه وقد يكون قد تلقى سوء معاملة في السجن لن يجرأ على تبليغها للنيابة العامة، والحال أنه لازال في قبضة الضابطة القضائية مع ما يطبع هذه المرحلة من سرية وانعدام للضمانات، ومن تم حرمه المشروع من حق المثول أمام سلطة قضائية.