مقدمة 
يظن بعض الناس أن التجارب السجنية للعلماء والمفكرين والفلاسفة، تشكل استثناء في حياتهم، غير أن الناظر فيها سرعان ما ينتبه إلى أهميتها القصوى في إمعان النظر في مجملات وتفاصيل المشاريع الفكرية والمجتمعية التي يؤمنون بها، مَن كان منهم صاحب فكرة ومشروع. ورغم ما تذكره كتب التاريخ ومؤلفات “أدب السجون” من تنكيل بالسجناء وترهيب وتعذيب لا يطاق، وحشرهم فرادى في زنازين تحت الأرض، أو في أعماق الآبار، أو في فيافي مقفرة بلا كرامة، إلا أن رهبة السجن لا تزيد أصحاب العزائم القوية إلا صلابة وثباتا، بل بذلك الابتلاء القاسي تقاس الرجولة ويُختبر الصدق، ويحدث أن تنقلب المحن منحا، والأمثلة في الموضوع كثيرة، ذكرتُ بعضها باختصار في كتاب “رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواجب وفقه الواقع”، ونذكر منها في هذه الظروف التي دخل فيها الناس إلى سجن بيوتهم بسبب الحجر الصحي من أجل مقاومة جائحة فيروس “كوفيد 19″، تجربة السجن في حياة عالم من علماء المغرب المعاصرين، آمن بفكرة وتحقق بمقتضاها وصدع بها غير عابئ بمن صدقه أو كذبه، ولا ملتفت لمن خوَّفه أو استخرفه، وتحمل تبعاتها في غير وجل ولا اعوجاج، ومضى في طريقه قاصدا غير متردد، وكتب الله له القبول بين خلق كثير، وداع صيته في العالمين، إنه الأستاذ والمربي والمفكر الإسلامي الكبير عبد السلام ياسين رحمه الله (1928-2012م). وذلك من خلال ما تيسر لنا التوفر عليه من مصادر ومراجع في مثل هذه الظروف، ولعل القارئ سيجد ثغرات لم تملأ وأسئلة لم يجب عنها، للسبب نفسه.

 ويفرض الموضوع تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء انسجاما مع مراحل السجن الثلاث التي تعرض لها الإمام.

مرحلة (1974-1978) في سجن المجانين بمراكش

مرحلة (1983-1985) في سجن لعلو بالرباط

طالع أيضا  حصادُ السِّنين.. في التجربة السِّجنية للإمام -5-

مرحلة (1989-2000) في سجن الحصار بسلا

الجزء الأول: (1974-1978) من النصيحة إلى مشفى المجانين!
للعلماء في تاريخ المسلمين قصة طويلة مع الاضطهاد من طرف السلاطين، وخاصة العلماء الذين عبروا بوضوح عن رفضهم للظلم واستغنائهم عن أعطيات الملوك. فقد عضَّ الحكام كما هو معلوم على السلطة بالوراثة والسيف، وأعرضوا عن الشورى وإرادة الأمة، بل استكبروا وأصروا على قطع دابر المعارضة لترويض الأمة وتدجينها، حتى أضحى الاعتراض على رأي الحاكم خروجا عن الدين يستحق صاحبه القتل.

ويحتفظ التاريخ بنماذج تستعصي على العد، أذكر منها محنة الإمام السرخسي، ومحنة الإمام اليوسي، ومحنة الإمام النورسي، ومثلها (المحنة) وقع مع الإمام عبد السلام ياسين بن محمد بن سلام، لما بعث رسالته التاريخية الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” إلى ملك المغرب الراحل الحسن الثاني (1929-1999)، مُذكراً بمسؤولية الحاكم أمام ربِّه وأمام شعبه، وناصحاً له بإبعاد بطانة السوء عن التسلط على رقاب الأمة، وإرجاع أمانة الحكم إلى موضعها الشرعي، معتبرا أن النداءات الحماسية الموسمية وادعاء القوة الحربية وثرثرة أنصاف المثقفين وأحلام القيادة الجماعية، لا تكفي لإنجاز إقلاع صادق يُخرج الأمة من وهدتها، ما لم تُشرك القيادة القادرة بحدسها وروحانيتها وحكمتها المجتمعَ بقُواه الحية في عملية تحولٍّ حقيقية تلامس جوهر الحياة السياسية والاقتصادية، فـ”المثاليون جدا” أو الحالمون بواقع بديل، يكونون كذلك ليس بالغاية التي يسعون إليها، وإنما بعدم إدراكهم للخطوات الموصلة إلى تلك الغاية”. 

أثارت رسالة الإسلام أو الطوفان كما يؤكد المؤرخ زكي مبارك “انتباه كل المهتمين بالشأن الثقافي وكذا السياسي بالمغرب. وكان الجميع ينتظر رد فعل ملك هو في عنفوان سلطته، على هذه الرسالة القوية المباشرة، وما تحمله من أفكار مجدِّدة”، فهي تشكل نداء قويا وواضحا من عالم رباني شجاع، وخبير عارف بالواقع وما يجري فيه، إلى ملك من أعتى ملوك العرب في القرن العشرين، يدعوه إلى التوبة ويرجو أن يفتح الله بصيرته للحق فيقود التغيير المرجو، وفي ذلك يقول محمد العيادي: “إن توبة الحاكم تشكل عند ياسين إحدى الطرق الممكنة لإقامة الدولة الإسلامية، فهو يعتبر أن أمراض المجتمع متأتية من القمة في مستوى القيادة السياسية والروحية؛ لأنها هي المسؤولة عن قيادة الأمة وتربيتها وإصلاحها، وهو خلافا لسيد قطب الذي يعتبر مجتمعات المسلمين المعاصرة “مجتمعات جاهلية” يفرق بين الإسلام الموروث الذي تؤمن به الطبقات الشعبية وبين “الإسلام” الذي تمارسه النظم الحاكمة”، والذي يعتبره مجرد نفاق ومظاهر كاذبة”. 

طالع أيضا  صيحة الإمام عبد السلام ياسين.. التعليم الصوري

فما هي المضامين العامة للرسالة؟

…. تتمة المقال على موقع ياسين نت.