بقلم: إبراهيم أخساي

رحلة البحث عن الإعلام الجاد والمسؤول لا تنتهي، هي رحلة المواطن المغربي للبحث عن الحقيقة الناصعة، عن الخبر كما هو بدون مساحيق، عن فرصة صادقة للتعبير عن الرأي والبوح بما يعتلج في الفؤاد من همهمات وتأوهات وصرخات.

تعتبر وسائل الإعلام؛ السلطة الرابعة التي تساهم في مراقبة القرارات السياسية، وتوجيه الرأي العام، وصناعة التوجهات العامة للدولة والمجتمع. فإلى أي حد ستسمح الدولة لسلطة الكلمة أن تمارس عليها نوعا من الرقابة والنقد والتوجيه؟ أم إن حركية المجتمع، وتفاعله مع وسائل التواصل الإلكترونية؛ سيرغمان الدولة على مسايرة هذه الديمقراطية الإلكترونية، في انتظار تطويع هذه الحرية ولجمها بترسانة من القوانين الزجرية والعقابية. وهل ستصمد الممانعة الشعبية في الدفاع عن حقها في التعبير وإبداء الرأي دون وصاية من أحد أو خوف من متابعة؟ 

ترجع بي الذاكرة عندما كنا نتسابق للظفر بجريدة ورقية، نلتهم عناوينها ومقالاتها التهاما، نبحث بين سطورها عن الإشارة السياسية الفاضحة للواقع المتردي. كانت جرائد الأحزاب والهيئات المعارضة حينئذ، تعتبر ملاذ المواطن الباحث عن المصداقية، وكلما زادت نبرة الجريدة حدة وفضحا للسياسة المخزنية، إلا وازداد عليها الإقبال وأصبح الظافر بنسخة منها، كأنه عثر على كنز دفين في أعماق الواقع السياسي الهجين.

في الزمن الماضي كانت الجريدة الورقية عنوان الوعي السياسي، بما يحمل من معاني التمرد والثورة والمعارضة والفضح للواقع السياسي الرسمي، كانت الجريدة تعبر عن وجهة نظر الحزب أو الهيأة التي تصدرها، وكان المواطن يجد ضالته فيها ويتبنى أفكارها، كلها أو بعضها، حسب قناعاته وأفكاره وميولاته السياسية والفكرية. لذا كانت تنتقل من يد إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، تجوب أصقاع الوطن، حاملة الخبر والموقف والرأي، تلامس ما أمكن هموم المواطن، وتنتقد التوجهات السياسية والاقتصادية للسلطة الحاكمة، فاضحة عقلية التحكم والهيمنة.

طالع أيضا  المغرب يحتفل على "طريقته الخاصة" باليوم العالمي للصحافة!

وهذا ما دفع بعض الحركات التغييرية، إلى محاولة إصدار جرائد تنطق بلسانها، وتعبر عن آرائها وأفكارها، طبعا السلطة الحاكمة لا يمكن أن تقبل بوجود رأي مخالف لها، فتمنع وتصادر وتقمع، ولسان حالها يقول “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد” الآية 29 من سورة غافر.

بعد دخول الأحزاب المعارضة إلى الحكومة، بدأت لغة الجرائد تتراجع تبعا لتراجع المواقف المبدئية لصالح المصلحة الذاتية، لتفسح المجال للجرائد المستقلة، ليستقل المواطن هذه العربة الجديدة، متلمسا الخبر الصحيح والتحليل العميق لما يعرفه الوطن من الأحداث، أكيد أن الرحلة لما تنتهي بعد، خصوصا بعد التطور الذي عرفه الإعلام السمعي البصري.

الذاكرة لا تنسى تلك القناة التلفزية الوحيدة، المتموقعة في “زنقة البريهي” وهي تبث أخبارها وتحليلاتها وبرامجها قبل أن تلتحق بها القناة الثانية، ليجسدا ثقافة الخطاب الوحيد البعيد كل البعد عن انشغالات المواطن المغربي، خطاب واحد تمسكه على هون أو تدسه في التراب، بل هو يدسنا في التراب.

لم يدم هذا الانفراد طويلا، حتى سمعنا باللاقط الهوائي الذي يستقبل إحدى القنوات الفرنسية، واجتهد الناس في التقاطها بشتى الوسائل، وبدأنا نرى على أسطح المنازل بعض الأواني معلقة إلى جانب اللاقط، هي نافذة مهمة حينها، تبدو صغيرة جدا بالمقارنة مع الطفرة الإعلامية التي يشهدها عالم اليوم.

رحلة البحث عن الخبر والإعلام الآخر ولو كان مفرنسا، لم تتوقف حتى هجمت الصحون المقعرة وملأت الأسطح والواجهات، ثورة جديدة في الإعلام، تعطي للمواطن مساحة أوسع للاختيار والتزود بالمعلومة، وضع أحسن بكثير من الجمود الذي طبع الفترة السابقة.

في أعقاب هذه الرحلة لا ننسى الإعلام السمعي، وما كان يلعبه من دور في نقل الخبر وتحليله؛ طبعا الإذاعات المحلية خارج الدائرة مثلها مثل القناة التلفزية الوحيدة، إنما المقصود هنا؛ الإذاعات الخارجية الدولية، أو القسم العربي بإذاعات بعض الدول وعلى رأسها “إذاعة لندن”،  كانت مصدر الخبر وكانت نشراتها الإخبارية تلقى متابعة كبيرة من طرف المتتبعين في ربوع الوطن العربي، ومنها المغرب طبعا.

طالع أيضا  مشروع القانون 20\22.. جريمة في حق الوطن

كانت لذة لا تضاهيها لذة وأنت تدير زر المذياع لتلتقط الموجات الصوتية للإذاعة، وكثيرا ما تضطر إلى تغيير المكان لكي تلتقط الموجة بطريقة أحسن. من طبيعة الحال فان رحلة المواطن مستمرة في البحث عن الخبر خارج الإعلام الموجه والمنمط.

تعددت القنوات الفضائية، وتعددت الاختيارات أمام المواطن المغربي، وبدأ منسوب الوعي السياسي يزداد تدفقا مع مرور الزمن، وبدأ الإعلام الرسمي يفقد مواقع التأثير، وينزعج من الرأي الآخر. أكيد أن هذا التدفق الإعلامي كان إيجابيا، ويسجل نقاطا إيجابية لصالح المواطن، الذي بدأ يستنشق هواء الديمقراطية وحرية التعبير، بعيدا عن دخان الاستبداد الذي أمرض رئتيه وخنق أنفاسه.

الرحلة لم تنته بعد، بل دخلت مرحلة جديدة، جعلت الإنسان يتجاوز مرحلة التلقي، إلى مرحلة صناعة الخبر وتحليله والمشاركة في نقاشه، ولم يتأت هذا التحول إلا مع التطور في المعلوميات، وظهور الحواسيب والهواتف الذكية، وانتشار الانترنت والشبكات التواصلية. إنها طفرة كبيرة في التواصل ونقل المعلومات، جعلت الدولة تفقد تأثيرها وسلطويتها المعرفية.

تراجع إعلام الدولة الموجه لخدمة مصالحها، ليترك المجال مكرها للشبكات العنكبوتية والصحافة الإلكترونية. أصبح للمواطن العادي الحق في التعبير عن رأيه بعيدا عن مقص الرقابة، المسلط على كل من سولت له نفسه أن يغرد خارج السرب، المهجن بالسياسة والمال والمنصب والحظوة.

ظهرت قوة تأثير هذا الإعلام الإلكتروني، بمنتدياته وشبكاته الاجتماعية، عندما بدأ يوجه الرأي العام إلى مقاطعة الفساد والمفسدين، ويحاسب السياسيين على اختياراتهم، وأصحاب المال على احتكارهم للسوق، فكان له تأثير كبير في توجيه الرأي العام إلى رفض الشمولية السياسية والاحتكارية الاقتصادية. مسار وصل إلى ذروته بانطلاق الربيع العربي من رحم إعلام الناس، وكذلك عند الدعوة إلى مقاطعة بعض المنتجات التجارية، التي تحتكر السوق الوطنية.

طالع أيضا  تقرير يرصد الانتهاكات ضد الحريات الإعلامية في فلسطين خلال فبراير

 طبعا أصحاب السلطة والمال لم يرقهم ذلك، فكلما اتسعت دائرة الحرية، إلا وشعروا بالاختناق والضيق لأن مصالحهم أصبحت مهددة، وهذا ما يفسر رغبة الدولة في التضييق على هذه الحرية، عن طريق سن قوانين زجرية تجرم كل فعل يفضح توجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

إن حركية المجتمع نحو الحرية والانعتاق تجد دعامتها الرئيسية في مساحة الحرية التي توفرها وسائل التواصل الحديثة، وهذا يفرض على الدولة أن تعيد النظر في سياساتها، وتعرف أن زمن الإعلام الوحيد الموجه قد ولى إلى غير رجعة.

إن حركية التاريخ، وسنة التدافع بين الحق والباطل، تسير في اتجاه تحرير الشعوب وانعتاقها من الظلم السياسي والاقتصادي، كما أن عجلة المجتمع تسير في اتجاه حرية التعبير والنقاش الحر للقضايا الاقتصادية والسياسية، التي تشغله وتؤرق مضجعه وتسترعي انتباهه، ومشروع قانون 20-22 الذي تريد الدولة تمريره في هذه الظروف الاستثنائية، والذي يمنع المواطنين من إبداء رأيهم في المنتجات التجارية والصناعية وفي واقعهم السياسي والاجتماعي، يجب أن يتوقف لأنه خارج الزمن المغربي التواق إلى الحرية والكرامة والعدل.

فهو مشروع قانون يحاول فرملة العجلة والرجوع بالزمن المغربي إلى الوراء، وهذا ما لا يقبله العقل والمنطق، فالوطن في حاجة إلى حوار بناء لمناقشة القضايا الملحة التي تشغل الرأي العام، والاستماع إلى جميع أبنائه لتجاوز المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعرقل التنمية والتطور. وسياسة تكميم الأفواه، لا يمكن أن تصنع مغربا جديدا، يرقى إلى مستوى التحديات في التعليم والاقتصاد، والتدبير الجيد لطاقات الوطن البشرية والاقتصادية .