بقلم: ثريا البوكيلي

البيت المطمئن أمانة يحملها الزوجان، وبهما تنطلق مسيرة هذا البيت، فإذا استقاما على منهج الله قولا وعملا، وتزينا بزينة النفوس ظاهرا وباطنا، وتجملا بحسن الخلق، أصبح هذا البيت مأوى النور، وإشعاع الفضيلة، وأصبح منطلقا لبناء جيل صالح، وصناعة مجتمع كريم، وأمة عظيمة. قال تعالى: {وَاللَّـهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكمْ سَكَنًا 1، فالبيت نعمة من نعم الله على عباده، يجد الإنسان فيه الطمأنينة والراحة والسكينة في خضم مشاكل الحياة. لهذه الاعتبارات لا بد من بناء العلاقات الأسرية على أسس متينة وقوية.

ظلال العبادة وبركات الطاعة

إن العلاقة بين أفراد الأسرة ليست علاقة دنيوية مادية، فهي أسمى وأعلى من ذلك، إذ هي علاقة روحية كريمة، وصلة إيمانية قوية، إذا ترعرعت ونمت امتدت إلى الحياة الآخرة بعد الممات، وهذا ما وعد به الرحمان: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ 2. وتتجلى سمات هذه العلاقة في كونها:

صلة تعبدية

البيت المطمئن يتعاون أفراده على الطاعة والعبادة، فضعف إيمان الزوج تقويه الزوجة، واعوجاج سلوك الزوجة يقويه الزوج، تكامل وقوة، ونصيحة وتناصح، قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته؛ فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها؛ فإن أبى نضحت في وجهه الماء»، كما لا يجب أن نغفل إشراك أبنائنا في الطاعات تحبيبا وتشجيعا.

صلة أبدية

عن جبير بن نفير عن أم الدرداء أنها قالت لأبي الدرداء: “إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحوني وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة. قال: فلا تنكحي بعدي) فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال لها: عليك بالصيام”. أي سعادة عاشتها سيدتنا أم الدرداء صحبة سيدنا أبي الدرداء حتى اختارته رفيقا أبديا؟ أي سكينة رفرفت فوق بيتهما، وأي مودة جمعت بينهما حتى تمنيا دوام زواجهما في الآخرة؟ أي إحسان نبعت منه روحهما حتى حولا حياتهما جنة أبدية ونعيما مقيما؟

طالع أيضا  الأسرة الراشدة جَنة وجُنة

صلة خلقية

العلاقة بين الإيمان والأخلاق قوية وعميقة، لأن الإيمان قوة عاصمة للإنسان من رذائل الأعمال وخبائث الأفعال، ومن هنا أكَّد الشرع على ضرورة وجود بناء صلة خلقية بين الزوجين وذلك من خلال مخاطبة كل منهما بالتفكير بمصلحة الأسرة، فخاطب الرجل بما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، حاثاًّ الرجل على نكران الذات ونبذ الأنانية في إدارة أسرته، وخاطب المرأة بقوله: “جهاد المرأة حسن التبعل” ليحثها كذلك على ضرورة الانسجام مع مصلحة الأسرة العامة، حتى ولو كان ذلك مخالفاً لقناعاتها الخاصة معتبراً أن ذلك جهاد لها تثاب وتؤجر عليه.

رحيل الجفاء وحلول الصفاء

العواطف هي أرقى المشاعر الإنسانية التي منحها الله تعالى لقلوب العباد، ووهبها للخلق؛ لينتشر الوئام، وتسود المودة، ويعم الخير والأمان. وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً 3. وترتسم صور هذه العواطف في:

الحب والود

الحب كالوردة تماما يحتاج إلى رعاية واهتمام، فإن وجدت العاطفة التي تروي الحب، بات كحديقة ورود غناء تعطي أجمل ما عندها، ويعبق شذى عطرها في كل مكان. إنه غذاء الروح، وعطر القلب، وغيابه يجعل الإنسان يفتقد الكثير في حياته. فالحب الحقيقي يعبر عنه بصور عديدة تشعر به المرأة النبيهة ويلمس حرارته الزوج الفطن. فالحب الزوجي هو حب من نوع خاص، وله نكهة خاصة، وهو روح الزواج وإكسير حياته التي من دونها تصبح العلاقة الزوجية جافة كأوراق الخريف اليابسة.  

حنو وحنان

أودع الله تعالى في قلوب النساء رحمة ورفقا يميز طباعهن؛ لأن المرأةَ هي الأم الراعية، التي تحمل، وتلد، وترضع، وتحتضن؛ ولذلك فإن عالم المرأة الخاص بأنوثتها وأمومتها هو عالَم به لمسة حنان زائدة عن عالم الرجولة. فحب المرأة الحنان جزء أصيل فيها، أما الرجل فقد يفيض قلبه حنانا؛ إلا أنه لا يجيد التعبير عنه وقد يرتبك إذا طُلب منه لمسة رقيقة أو دافئة.  لهذا وجب على الزوجة أن تغدقه على زوجها وأبنائها بما منحها الله سبحانه وتعالى من هذه الهبه بقدر أوفر. وعلى الزوج أن يبادلها حنانها بحنان، فكم من امرأة أحبت زوجها ولكنها فقيرة في إظهار حنانها وكم من زوج أحب زوجته ولكن فشل في تحريك مشاعرها، فقد يؤدي هذا إلى فشل العلاقة بينهما. ولهذا فعلى الزوجين السعي إلى تحقيق التواصل الدائم والاهتمام المتبادل، والحنو المشترك والقدرة على تخطى الأنانية حتى يصلا إلى درجات عالية من العطاء الذي لا حدود له.

طالع أيضا  "قرة العين".. مواطنون مغاربة يُطلقون حملة إلكترونية أسرية لتمتين الروابط بين الآباء والأبناء

رحمة ورفق

هاتان الصفتان أساس الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء فالله تعالى يقول لنبيه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ 4. وليست الرحمة لونًا من الشفقة العارضة، وإنما هي نبع للرقِّة الدائمة.  والرحمة من دعائم قيام البيت السعيد، فالكريم هو الذي لا يتعسف باستخدام سلطاته على زوجته، والكريمة هي التي تراعي حقوق زوجها وتتعبد لله بطاعته. ومن تطبيقات الرحمة بين الزوجين التغافل والتسامح، وعدم وقوف أحدهما عند هفوات الآخر وتدقيقه فيها ومحاسبته عليه، فإن هذا الأمر يعكر صفو الحياة الأسرية.

تعاون وتضحية، سعادة ممتدة

التعاون بين الزوجين هو مفتاح سعادة الأسرة واستقرارها، لهذا وجب العمل على الارتقاء بالعلاقات الأسرية إلى مستوى التدبير المشترك، القائم على مبدأ التعاون والتشارك والتشاور، وتقاسم المسؤوليات بين أفرادها. وقد قال أفضل الخلق وأكمل الأزواج صلوات الله وسلامه عليه: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.

تآزر وتكاتف

ينبغي على الزوج أن يساعد زوجته في القيام بشؤون البيت والعناية بالأطفال، وأن توزع المهام بصورة معتدلة، تضمن توفير الوقت للزوجة وإعانتها على العبادة والطاعة، ولا يلحق الرجل بذلك أدنى عيب أو شين، بل هو من محاسن الأخلاق وشيم الرجال، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “أي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام فصلى”. وكذلك  التعاون مطلوب من جانب الزوجة إذ توفر للزوج جو الراحة وتهيء طعامه وثيابه وشأنه، فيشعر بنوع من الاستقرار ويستطيع ممارسة أعماله دون إرهاق.

تكافل وتضافر

يبدأ التكافل في محيط الأسرة بتأدية الحقوق الواجبة، معنوية كانت أو مادية، لكل طرف على الآخر، وتحمل كل منهما مسؤوليته المناطة به في كيان الأسرة، وذلك بتحمل الزوجين المسؤولية المشتركة في القيام بواجبات الأسرة ومتطلباتها، كل بحسب وظيفته الفطرية التي فطره الله عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الأمير راع والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”.

إيثار وتضحية

طالع أيضا  دة. توفيق: معالم التجديد في قضية الأسرة عند الإمام ياسين رحمه الله

التضحية المتبادلة بين الزوجين ركن هام من أركان السعادة الزوجية، ذلك لأن الحياة الزوجية بمعناها الحقيقي حياة عطاء، حياة قوامها واجبات على كل طرف من الأطراف قبل أن تكون حقوقا لكل من الزوجين، ومن ذلك كان لزاماً على كل منهما أن يتنازل طوعاً عن كل ما كان ينعم به من حرية شخصية ومن استقلال قبل الزواج، وعلى كل منهما أن يضحي عن طيب خاطر، وأن يكون شعار الحياة الزوجية التضحية المشتركة، بمعنى أن يكون كل واحد من الزوجين غاية في كرم النفس، ونداوة الطبع، وفي غاية البعد عن الشحّ والأنانية، ومتى كان الزوجان بهذه المثابة من صفاء النفس ويقظة الضمير، كان مآلهما إلى الوفاق وحسن المآل في كل حال.

ماذا بعد؟

لنتذكر أيها الزوجان أن أصل العلاقة بينكما صلة إيمانية قوية بحب الله وعبادته، صلة قلبية مفتولة بتعابير الحب والحنان، وصلة إنسانية ملفوفة بلمسات حانية من التعاون والتآزر. فعشا حياتكما في طاعة الله، وارتقيا في تعاملكما، وابدعا في أشكال التعبير عن حبكما، وجددا معاني الحياة الطيبة بينكما، واجعلا من بيتكما جنة تنعما بخيري الدنيا والآخرة.


[1] النحل: من الآية 80.
[2] الرعد: 23.
[3] الروم:21.
[4] آل عمران:159.