يحتفل العالم يوم الثالث من ماي من كل سنة باليوم العالمي للصحافة، والذي يحلّ علينا بالمغرب ووضعية الصحافة والصحفيين في غاية السوء. فبين وجود بعضهم خلف القضبان وملاحقة ومتابعة آخرين لأسباب النشر، كان جديد الأيام الأخيرة تسريبات مرتبطة بما سُمِّي قانون “تكميم الأفواه”!

شعار سنة 2020 الذي اختارته منظمة اليونيسكو بالتزامن مع انتشار جائحة كرورنا كان “الصحافة دون خوف أو محاباة”، وذلك بتدشين حملة عالمية على وسائل الإعلام وقنوات التواصل الاجتماعي من أجل تذكير الحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الصحافة، واعتباره فرصة لتقييم حالة حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم، والدفاع عن وسائل الإعلام من الاعتداءات على استقلالها.

الذكرى التي تحل على المغرب لم تأت متأخرة عن صدور التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود، الذي وضع المغرب في الرتبة 133 من أصل 180 دولة! مسجلاً تراجع تنقطيه الدولي بناقص 1.10، عن سنة 2019، وواصفاً وضع الصحفيّين بأنهم “يئنون تحت وطأة الضغوط القضائية”.

السلطات لا تكتفي بعدد الصحفيين المعتقلين أمثال حميد المهدوي مدير نشر موقع بديل -المتوقف عن الصدور- الذي يقضي عقوبة مدتها ثلاث سنوات نافذة بتهمة “الصياح”، حيث أجمع المتتبعون والحقوقيون وطنياً ودولياً على اعتقاله التعسفي الانتقامي، وكذا الصحافي توفيق بوعشرين الذي رفعت عقوبته من 10 سنوات إلى 15 سنة، رغم إصدار فريق العمل الأممي المعني بالاعتقال التعسفي قراراً يطالب فيه الدولة المغربية بإطلاق سراحه فوراً، معتبراً أن محاكمة بوعشرين غابت فيها كل شروط وضمانات المحاكمة العادلة. بل أرسلت ليقبع خلف القضبان الكثير من المدونين في مواقع التواصل الاجتماعي الذين ضاقت بآرائهم “أنفاس” السلطة، أشهرهم الملقبان بـ “مول الحانوت” و”مول الكاسكيطة”، وكذا النشطاء عبد العالي باحماد والعشرات غيرهم من المدونين ومعتقلي الرّأي بالمغرب ممن أطلقت منظّمة العفو الدولية حملة تضامنية معهم بشعار “#أنا_أعبر_عن_رأيي # أنا_لست_مجرما”. هذا فضلا عن المتابعات العديدة التي تتهدد الصحفيين كان آخرها الحكم الصادر على الصحفي عمر الراضي الذي توبع بسبب تغريدة له على موقع تويتر.

طالع أيضا  اليوم العالمي لحرية الصحافة بالمغرب.. السلطات الثلاث تتحالف ضد السلطة الرابعة

وتوجد أداة أخرى من أجل إركاع الصحافة الحرة وإعدامها، وهي سلاح التضييق المالي، حيث يرفض المعلنون التعامل مع الصحف “المغضوب عليها”، بل قد يصل الأمر إلى التأخير المتعمد أو الامتناع عن سداد مستحقات دعم الدولة المخصص لهذه الصحف، وقد عانت جريدة “أخبار اليوم” وموقع “اليوم 24” الأمرين بسبب ذلك.

وآخر ما كان المغرب على وقعه في ظروف الحجر الصحي، مما يزيد من تأكيد واقع الصحافة المنكوبة بالمغرب، كان إطلاق مجموعة من وسائل الإعلام، المحسوبة على السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر، حملة تشهير واسعة وممنهجة استهدفت الحياة الخاصة للعديد من الوجوه الحقوقية والسياسية والمدنية المغربية بهدف تصفية الحسابات وتكميم الأفواه.

ذكرى اليوم العالمي للصحافة تحلّ على المغرب بنفس الواقع، لكن بشكل أشد سوداوية هذه السنة، فالحكومة تسعى لفرض قانون جديد لخنق حرية التعبير في وسائط التواصل الاجتماعي، حيث تم “تسريب” مضامين أولية شكلّت صدمة بالغة للرأي العام لما تضمنته من هجوم شرس على الحق في حرية الرأي والتعبير، ولما نصت عليه من عقوبات زجرية تتنافى مع مقتضيات دولة الحق والقانون.

ونصت المادة 14 مثلاً على عقوبة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من خمسة آلاف درهم إلى 50 ألف درهم أو بإحدى العقوبتين على “كل من قام عمدا بالدعوة الى مقاطعة بعض المنتوجات والبضائع والقيام بالتحريض علانية عن ذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات NET المفتوح”. وأيضاً المادة 15 التي نصت على “عقوبة بالحبس من ستة أشهر الى ثلاث سنوات وغرامة من الفين درهم الى 20 ألف درهم تطال فضلا عن كل من قام عمدا بحمل العموم أو تحريضهم على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها، من بث محتوى الكترونيا يتضمن خبرا زائفا من شأنه التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتوجات والبضائع وتقديمها على أنها تشكل تهديدا أو خطرا على الصحة العامة والأمن البيئي”.

طالع أيضا  صحفيون يطالبون بالإفراج الفوري عن الريسوني.. وينتقدون الانتقائية المفضوحة في قضيته

يذكر أنه قد تم اختيار الثالث من ماي لإحياء ذكرى اعتماد (إعلان ويندهوك) التاريخي، خلال اجتماع للصحفيين الأفارقة نظمته اليونسكو وعقد بناميبيا في ثالث ماي 1991.

وينص هذا الإعلان على أنه “لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا من خلال ضمان بيئة إعلامية حرة ومستقلة وقائمة على التعددية، وهذا شرط مسبق لضمان أمن الصحفيين أثناء تأدية مهامهم، ولكفالة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقا سريعا ودقيقا”.