أجرت أسبوعية الأيام حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، حول كورونا وتداعياتها المستقبلية على المستويات القيمية والأخلاقية والدينية، هذا نصه:

1- هناك حديث في أوساط الإسلاميين -عبر عنه البعض في كتاباتهم- عن دور كورونا في إعادة الناس إلى الدين، هل تتفق مع هذا الرأي؟

من السابق لأوانه الخوض في أي نوع من الاستنتاج وفي أي اتجاه سواء في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو الدين، ومنه هذا الأمر الذي ورد في السؤال. فالحديث عن ما بعد كورونا يبقى نسبيا، خاصة أن التفكير بشكل سليم يصعب والإنسان تحت الضغط، إذ أن سداد التفكير يحتاج إلى شيء من الوقت والتحرر من ضغط الأحداث، لذلك فما يطرح من أفكار هي أولية ونسبية إلى أبعد الحدود.

إن الطابع الفجائي لانتشار هذا الوباء دليل على أن فوق كل ذي علم عليم، وأن أمورا كثيرة ما يزال العقل البشري قاصرا عن فهمها فأحرى أن يجد حلا لها.

هل ستكون هناك عودة إلى الدين؟ أعتقد أن الدروس المستخلصة من كرونا ستختلف من فئة إلى أخرى وربما من فرد إلى آخر، لكن بشكل عام أصبح هناك شك كبير وتساؤلات جمة بخصوص الحضارة المادية وبخصوص قيمها. كما أن الحدث مناسبة للإنسان ليقف فيها على ضعفه وحاجته إلى الإيمان بالله، وأنه رغم كل التقدم والتطور لم يؤت من العلم إلا قليلا. وأن ما يحدث اليوم من شأنه أن يساعد الإنسانية على إعادة اكتشاف ذاتها والاستماع لفطرتها السليمة التي تربطها بالعالم عمارة وحضارة وبخالقها عبودية واتصالا، وهذا نرى مؤشرات مهمة عليه في إعلان كثيرين، سواء من عموم الناس أو من النخب، من مختلف الأجناس عن بروز أسئلة الروح والوجود. وهذا طبعا ستكون له تأثيراته المستقلبية في اتساع دائرة البحث عن الأجوبة الروحية، مع توقع ارتفاع حدة مواجهة هذا الإقبال بموجة من مخططات الإفساد من محاربي الدين والقيم والفطرة السليمة.

طالع أيضا  تعلمت وتذكرت وأيقنت ثم اطمأننت.. من جائحة كورونا

2- ما هي التداعيات المحتملة الجائحة على منظومة القيم والأخلاق؟

نأمل أن تكون غالب التداعيات إيجابية؛ لأن الأهم في هذه الجائحة أن الكثيرين اكتشفوا الحاجة إلى إعادة النظر في منظومة القيم السائدة التي كانت تتجاهل العلماء والعاملين في بعض القطاعات وتعطي الأولوية للترفيه والتفاهة.. كما اكتشف العالم طغيان الأنانية حيث أغلقت كل دولة على نفسها فغاب التضامن حتى بين التكتلات والاتحاد الأوربي مثال على هذا..

اكتشف العالم ضرورة البحث العلمي وضرورة توجيهه لقضايا ذات أولوية. اكتشفت الدول أن تحقيق اكتفائها الذاتي في كل حاجاتها أولوية قصوى، واكتشف العالم أن أهم استثمار يمكن جني أرباح منه حقيقة هو التضامن والتعاون والبذل، وهي قيم كادت تندثر في ظل سيطرة الأنانية والفردانية.. صار العالم في حاجة إلى أخلاق الجماعة، وصوغ توازن خلاّق بين حريات الأفراد وتماسك المجتمعات.

اتضح أيضا أن السيطرة على الطبيعة، التي يعتبرها عالم اليوم أحد عناصر التمكن والقوة، هي مجرد ادعاء ومجرد وهم بعد أن أحدث هذا الفيروس المخلوق اللامتناهي في الصغر ما أحدث في العالم. فسقوط مُسلَّمة السيطرة على الطبيعة لا شك سيكون له تأثير ديني وفلسفي، وهذا يعيد طرح أسئلة وجودية، من شأنها كما قلت زعزعة بعض الاتجاهات الفلسفية المرتكزة على “تأليه الإنسان”.

لكل ما سبق، يمكن أن تشكل هذه الجائحة لحظة يقظة لضمير العالم لإعادة البناء على أسس مغايرة، وإن كانت في الحقيقة تركيبة القوى المهيمنة ومصالحها تفرض الحذر في هذه الخلاصة.

المعول بعد الله عز وجل على منظمات وعقلاء وحكماء متوازنين، والمعول على دور أكبر للمجتمعات والنخب التي تتحرك بمبادئ وقيم لوقف هذا الانتشار الكارثي للغة الصراع والتسابق الهوسي التي يمكن أن تدمر الجميع.

3- كيف تتوقع شكل المجتمع في حقبة ما بعد كورونا؟

طالع أيضا  الحجر الصحي وتوزين الذات

من السابق لأوانه التوصل إلى شكل المجتمع ما بعد كورونا، وإن كانت المؤشرات كلها تؤكد أن المجتمعات استفادت من هذه الجائحة فصار نسيجها الداخلي أكثر تضامنا وإنسانية، ولكن التجربة تثبت أن المجتمعات منقادة لخيارات الدول التي تملك من إمكانيات التأثير الكثير لصناعة وعي يتلاءم مع مصالحها.

ولأن المجتمعات المعاصرة لا تُرسّخ قيمها بعيدا عن تأثير الدولة التي تملك وسائل التأثير الأساسية، وهو تأثير من المفترض أن يزيد، فالسؤال المطروح هو بخصوص اتجاه التأثير الذي ستختاره الدولة؛ هل ستختار الدفع في اتجاه مجتمع متضامن مبادر مسؤول، أم ترى في مجتمع مثل هذا تهديدا لسلطتها، وبالتالي تنحو نحو قرارات وسياسات تسهم في قتل تلك القيم التي ظهرت على السطح بمناسبة كرونا.

إننا نخشى أن لا تتناسب صحوة ضمير المجتمعات مع صحوة ضمير قادة الدول فتستغل هذه الجائحة للاستمرار في نهج نفس المقاربة لتدبير العالم. حينها سنكون أمام اتساع الهوة ونمو المفارقة بين الحكام والمحكومين، وهو ما من شأنه الإبقاء، إن لم يكن تعزيز، أسباب حركة ونشاط المجتمعات والشعوب في مسيرة المدافعة والنضال من أجل استكمال بناء نظم تمثلها حقا وتكون قادرة على تحقيق تنمية قوية قادرة على مجابهة الأزمات والتحديات على عكس ما كشفته أزمة كورونا من بنيات هشة نتيجة عقود الفساد.

وقد علمنا التاريخ وأثبتت الأحداث القريبة أن ما نتحدث لم يعد مجرد أماني معسولة أو آمال بعيدة كما يدعي بعض دعاة الهزيمة والتيئيس، إنما رأينا بالملموس وبأكثر من دليل مادي عملي أنه يمكن لحدث بسيط فجائي أن ينتج تغييرات كبيرة في الشعوب والأنظمة والعلاقات خارج كل التوقعات والحسابات. وإنها سنة الله في الأولين والآخرين بلا تبديل ولا تشكيك المشككين.