بعد مجلسها الأول للنصيحة عن بعد بداية شهر رمضان الفضيل، اختارت له “التوبة محورا”، وانخراطا في تدابير الحجر الصحي تفاديا لانتشار وباء “كورونا”، عقدت جماعة العدل والإحسان، وعبر قناة “الشاهد”، مجلسا جديدا للنصيحة، مساء الجمعة 07 رمضان 1441هــ، الموافق لفاتح ماي 2020، تمحورت مواده حول “مجتمع العمران الأخوي”، انطلاقا من قوله تعالى في سورة الحُجرات: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”(الآية: 13)؛ مجلس نصيحة جاء ليستثمر في مخرجات سابقه، وليرقى بدلالات الصيام فتحا لأبواب خير أوسع وأرحب تشوفا لعطايا الرحمن في شهر العتق من النار.

وتأطيرا لمحور المجلس، تناولت مادة “المدارسة” للآية من سورة الحجرات الدعوة القرآنية للتعاون، حيث لخصت غاية الخلق والوجود الانساني في التعاون، ولا تعاون إلا في إطار من التفاهم والتفهّم الذي تسيجه منظومة قيم متشبعة بالفضائل وخصال المسارعة للبذل والتضحية ونكران الذات، فلا عجب أن تحصر الآية الكريمة معيار الأفضلية في التقوى باعتبارها خَصلة جامعة لصلاح القلب والسلوك.

وإن من لطيف الموافقات أن يأتي المجلس والبشرية تحت وطأة جائحة “كورونا”، حيث ظهرت الحاجة لمنظومة قيم التضامن والإيثار والتخلص من داء الأنانية المستكبرة؛ منظومة قيم لخصها التعبير والبلاغة القرآنية في لفظ “تعارفوا” بصيغة التفاعل والمشاركة في الفعل، تؤسس لمجتمع العمران الأخوي القائم على “العدل في القسمة والقدرة على الإنتاج”؛ عمران أخوي بديلٌ لمجتمع الكراهية والأنانية والتباغض والتحاسد والصراع؛ مجتمع عمران أخوي تتجاوز فيه المواطنة الحدود الجغرافية للبلد الواحد لتستحيل مواطنة إنسانية قائمة على التضامن والتعاون ليهنأ الجميع، وينجو الجميع، ولعل هذا أبلغ درس يُستفاد من جائحة “كورونا”، حيث استباح الوباء الحدود وساوى بين البلدان غنيها وفقيرها، متخلفها ومتطورها، فتنادى الجميع مضطرين، أن هلمُّوا نتعاون ونتضامن لمواجهة الجائحة.

طالع أيضا  شروط الرجولة.. قراءة في فقرة «رجال» من كتاب «الإحسان» مع د. الحلو

غير أن تحقيق مجتمع العمران الأخوي أو المدينة الفاضلة بتعبير الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان في كلمته التوجيهية الصباحية، دونه عقبات كأداء ورصيد قروني من الزيغ عن الجادة يتطلب جهوداً لتربية أجيال وتأهيلها لتحمل أعباء هذا البناء؛ تأهيل أجيال وتزكيتها من داء الأنانية والأثرة والدعة، من هنا جاء التأكيد في المداخلات على أهمية التربية الإيمانية، تحقيقا لمطالب العمران الأخوي، بما هي مواطنة إيمانية انسانية “سِمَتُها النفسية السلوكية الإقلاع عن حب الدنيا والتحررُ من العبودية للهوى”. 

إن عقد جماعة العدل والإحسان لأنشطتها عن بعد، وعلى الهواء، إضافة إلى الإصرار والحرص على انتظام برامج الجماعة التربوية والتعليمية والتكوينية والتواصلية، لا يخلو من دلالة تؤكد تشبعها بالوضوح مبدأً ومنهج عمل وأسلوب تدافع، فانفتاح الجماعة وبسطها لرؤاها ودون أدنى رقابة ذاتية على خطابها يعبر بما لا يدع مجالا للتشكيك في اختيار الجماعة الوضوح أسلوبا للعمل فــ”الوضوح عنصر قوة. والغموض المُعرِض الرافضُ النَّاسَ جملةً مُناخٌ تترعرع فيه عوامل العنف”؛ وضوحٌ أساسه تحمل مسؤولية المواقف وتسمية الأمور بأسمائها، فلا ازدواجية في الخطاب، ولا تقية في التدافع. “والله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”. صدق الله العظيم.

والحمد لله رب العالمين.