“إن الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك، وتترك الفوضى في قلبك”.

مصطفى صادق الرافعي؛ رحمه الله.

·      معرفة أمراض القلوب وسببها وشفائها.. أول الطريق.

في هذا الجزء الثاني نواصل حديثنا عن فقه القلوب ومعرفة أمراضها وسببها وشفائها؛ وهو فقه عزيز مغيّب، أعزُّ ما يطلب وأول ما ينبغي أن يطلب. عدّه الإمام الغزّالي رحمة الله عليه وغيره من أهل التحقيق فرض عين؛ إذ هو نقطة الانطلاق والارتكاز، والإنسان عند أهل المعرفة والسلوك ما لم تولد روحه وقلبه، ويخرج من مشيمة نفسه، ويتخلّص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته، فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم ير الدنيا وما فيها، فقلب هكذا حاله، عند ابن قيم الجوزية رحمه الله، قلب لم يولد ولم يأنِ له، بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال 1، فالقلب إذا مكمن الداء فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. فعندما انسحب الإيمان من القلوب وانطفأ ما كان مشتعلا من كوانينها ومجاميرها، انسحب الإيمان والإسلام والدين من واقع المسلمين وحياتهم، ولا يمكن أن يتجدد للمسلمين دين ولا إيمان، ولا أن تستجد لهم عزة بعد الذل ولا قوة بعد الضعف إن لم يبدأ البناء من القلوب.

ولذلك فنحن نعتقد أن أول خطوة في نهضة هذا الإنسان هو أن يغير ما بنفسه، أي صلاح قلبه، فإن الحركة والفكر دون معرفة النفس وأمراضها وعلاجها هَوَسٌ وتخبط وعشواء، فلا يقدر أن يغير المنكر من في قلبه منكر الوهن وحب الدنيا والحسد والبغضاء والنفاق، ومتى قاد الركب عميان غشيان!؟ إنما يقوده البصير..

إن وهم “الإسلام الثقافي” إسلام العقل والقراءة، والقلوب فارغة من خشية الله، مرض آخر زائد على أمراض الأمة الكثيرة. فهو يفرغ حركة الأفراد والجماعات من المعنى، فتكون عرضة لسقوط المبنى.

طالع أيضا  أطايب 6: تائب يستغفر الله

يقول الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله متأسفا متحسرا ونقول معه: “فواأسفاه واحسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر، والقلب محجوب، ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما رحل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده حسرة. وواأسفا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك الثكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.” 2.

ينعت ابن قيم الجوزية رحمة الله عليه في هذا النص البديع من رحل عن الدنيا ولم يظفر بصلاح قلبه وتزكية نفسه بنعت “المفاليس”؛ وهو نعت بليغ معبر؛ يسبح من هذا نعته في بحر الوهم فيهيم ويسرح؛ وما ذلك إلا لفقده الدليل في ليل بهيم، فيستنتج القياس العقيم، ويطلب آثار الصحة من الجسم العليل السقيم، ويمشي إكبابا على الوجوه، من حيث يظن أنه يمشي سواءً على الصراط المستقيم؛ ذلك هو الإنسان المحتضر.

إن قدرتنا على فهم واقعنا واقتحام عقباته والسير نحو المستقبل بخطى ثابتة وئيدة؛ رهين بصحة المنطلق والبداية، وهي أمور كلها متعلقة بأعمال القلوب، وبمقدار الصلاح الذي نحوزه، ونسبة صفاء القلب وكثرة الاستغفار وتوالي التوبة، فقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: “أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم”، وكيف يحسن الاختيار لغيره من لم يحسن الاختيار لنفسه؛ كما صاغ هذا الميزان إمام مصر عبد الله بن وهب رحمه الله، فمن أقبل بقلبه على الله تعالى، أقبل بقلوب العباد إليه، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا وسيرنا وحركتنا منوطان بإقبالنا عليه؛ وهذا ميزان آخر اكتشفه الزاهد يحيى بن معاذ إذ يقول: “على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق”.

طالع أيضا  السلوك الإحساني في فكر الإمام مصطلحات السلوك

فالقلب هو العالِم بالله، وهو المتقرِّب إلى الله، وهو العامِل لله، وهو الساعي إلى الله، وهو المكاشَف بما عند الله ولديه، وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات يستخدمها القلب، ويستعملها استعمال المالك للعبيد، والصانع للآلة.

فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله، وهو المُطَالب وهو المُخَاطب، وهو المُعاتب والمُعاقب، وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمرد على الله تعالى، وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره.

وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه؛ إذ كل إناء ينضح بما فيه 3.

فسبحان من أجرى الأمور بحكمته وتقديره، على وَفق علمه وقضائه ومقاديره؛ لتقوم الحجّة على العباد فيما يعملون، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ 4.

(يتبع…)


[1] طريق الهجرتين؛ ص30.
[2] طريق الهجرتين، ابن قيم الجوزية، ص268.
[3] الإحياء؛ أبو حامد الغزّالي؛ ج5؛ ص10.
[4] الأنبياء؛ 23.