بعد توقف معظم مظاهر الحياة في عدد كبير من مدن العالم الرئيسية، وإجبار نسبة كبيرة من البشر حول العالم على البقاء في منازلهم بسبب فيروس كورونا (كوفيد-19)، الذي خطف أرواح مئات الآلاف وأصاب الملايين حول العالم، وصولاً إلى الخسائر الاقتصادية الفادحة.

ومع حالة الهلع التي انتابت المستثمرين في الآونة الأخيرة وموجة البيع العنيفة في كافة الأسواق، وفي عز هذه الأزمة الوبائية، وفي ظل التوقف الاقتصادي للعديد من القطاعات الحيوية بالمغرب والعالم بأسره، يبقى القطاع الفلاحي والغذائي نشيطا في عمله محليا، ومحافظا على بعض مناصب الشغل، بالرغم من الصعوبات التي يواجهها العمال والعاملات في التنقل، أو نتيجة الظروف الأسرية والصحية.

ويعتبر القطاع الفلاحي أحد أبرز القطاعات التي توفر فرصا للشغل؛ حيث يعيش أكثر من 40 في المئة من اليد العاملة على هذا القطاع، وهو واحد من المجالات التي أبانت عن دورها الفعال في تأمين غذاء المغاربة خلال فترة الحجر الصحي، مما يجعل الفلاح يقف في الصف الأول إلى جانب العاملين في قطاع الصحة، والنظافة، والنقل… خلال هذه الجائحة التي يمر منها العالم.

وجراء توالي ظاهرة الجفاف الحاد التي تعيشها البلاد، والحصيلة السيئة المتوقعة للموسم الفلاحي الحالي الذي لم تتحدث عنها الجهات الرسمية رغم المؤشرات الدالة على ذلك، هذه الحصيلة يؤكدها ضعف إنتاج الحبوب الذي تراجع بالثلثين، والذي يمثل 3/2 من الأراضي المزروعة، هذا الأخير يحدد الناتج الداخلي للفلاحة، ويحدد الناتج الداخلي الخام للاقتصاد برمته.

كما توقعت المندوبية السامية للتخطيط أن يتراجع نمو الاقتصاد الوطني بما يقرب 9,8 نقطة خلال الفصل الثاني من 2020 مقارنة مع توقعات تطور الناتج الداخلي الخام قبل تفشي وباء كوفيد 19، عوض 8,3 نقطة المتوقعة في بداية شهر أبريل، مما يعزى إلى انخفاض القيمة المضافة الفلاحية.

طالع أيضا  مسيرة شعبية في الرباط.. مطالب اجتماعية تسائل الإرادة السياسية

وكشف بنك المغرب، من جهته، عن توقعات متشائمة بخصوص أداء الاقتصاد الوطني خلال العام الجاري، في ظل الأزمة المزدوجة التي تعرفها البلاد، والمتعلقة بقلة التساقطات المطرية من جهة، وبجائحة كورونا من جهة أخرى. 

ورغم الضرر المباشر الذي أصاب الفلاح الصغير والمتوسط، والذي ازداد وضعه تأزما، فإن هذا الأخير قد عبر عن تجنده – كعادته دائما – لتوفير جميع المواد الغذائية التي يحتاجها الشعب المغربي في ظرفية الطوارئ الصحية. هذه المهنة التي لا تقل أهمية عن مهنة الطبيب أو المهندس.

وسط هذه الأوضاع تخوض المرأة القروية، التي لا تقل إنتاجيتها عن نظيرها الرجل، نضالا يوميا بعيدا عن الأضواء مقابل اعتراف محدود بمجهودها وكذا تقديره، تتوزع حياتها على عدة جبهات: البيت حيث تنجز الأشغال المنزلية وتربي أبناءها، والحقل حيث تشارك الرجل في العمل الفلاحي، والسوق حيث تتولى تسويق المحصول بنفسها.

نضال يومي تخوضه النساء القرويات في سبيل توفير لقمة العيش لأنفسهن ولأسرهن في ظل معاناتهن من التهميش والتمييز والاستغلال الاقتصادي، وصعوبة الوصول إلى وسائل الإنتاج والخدمات العامة.. وباستحضار لغة الأرقام المعبرة عن حال هاته الفئة، نجد أن النساء يمثلن 43 في المائة من اليد العاملة في القطاع الفلاحي، وهو ما يجلي فداحة الأمر.

وفي خضم كل هذه العقبات، وزيادة أعباء العمل وهيمنة الذكور، لا خيار أمام المرأة القروية إلا أن تواصل نضالها من أجل رفاه أسرتها وضمان الأمن الغذائي للمجتمع، والمساهمة في تحقيق النمو الاقتصادي الذي لا تستفيد من ثماره إلا فيما ندر. حيث تتجاوز نسبة النساء القرويات اللواتي يشاركن في الأعمال الفلاحية 80% في بعض المناطق من البلاد. ووفقا لتقرير صادر عن المندوبية السامية للتخطيط (نشر سنة 2014) فإن حصة المرأة في العمل غير مدفوع الأجر تصل إلى 73,8 في المائة في المناطق القروية، منها 73,6 في المائة من النساء يشتغلن أساسا في الأنشطة الفلاحية، مقابل 4,9 في المائة في المناطق الحضرية.

طالع أيضا  العفو الدولية تدعو المغرب للتوقف عن استغلال قانون الطوارئ "المعيب"

معاناة متواصلة؛ تبتدئ من طفولة مهمشة محرومة ومقصية من الحقوق؛ انقطاع عن الدراسة بسبب الفقر والتهميش، وفرض قيود على حركتها، ثم الزواج المبكر، والإنجاب في ظروف تغيب فيها أدنى شروط السلامة الصحية نظرا للنقص الحاد في البنى التحتية.

كل هذا خلق حالة من التمييز بين وضعية المرأة القروية ومثيلتها التي تعيش بالحواضر والمدن.

يظهر جليا إذن فشل المخططات الرسمية في انتشال المرأة القروية، التي تعتبر أداة فاعلة في تحقيق التنمية الاقتصادية محليا ووطنيا، من وضعية سمتها الأساس التهميش والجحود..

وقد أظهرت أزمة فيروس كورونا القطاعات المهمة في تدبير شؤون الدولة، ومن بينها الفلاحة؛ نظرا لتأثيرها المباشر على سياسة الأمن الغذائي، وهو ما يفرض النهوض بهذا المجال وبالعاملين والعاملات فيه بعد الخروج من الأزمة، ووضع اختيارات جديدة بعدما فشل مخطط المغرب الأخضر في تحقيق هدفه، فكانت النتيجة تأزيم الوضع أكثر.

هذه الاختيارات لابد لها من الاعتماد على مبادئ أساسية، نجمل أهمها فيما يلي:

· وضع نموذج تنموي شامل بالعالم القروي يتطلب الأولوية في تقوية المراكز الاجتماعية والاقتصادية لخلق توازن بين العالم القروي والمدن.

· رفع مستوى الاكتفاء الذاتي الأقصى لتلبية الحاجيات الداخلية مع الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

· الحفاظ على الموارد البشرية، وهو هاجس تنموي يجعل الإنسان في المرتبة الأولى، ويتطلب بذل جهود على مختلف المستويات لتحقيق كرامة الفلاح والعامل الفلاحي، وإعطاء المرأة القروية مكانتها المستحقة ضمن النسيج الاجتماعي والاقتصادي، لإبراز المساهمات القيّمة التي تقدمها جنديات الخفاء دون مقابل، مكرسات حياتهن بتفان ونكران ذات لخدمة أسرهن وخدمة المجتمع.

· الحفاظ على الموارد الطبيعية التي تستغل بشكل غير عقلاني  لتصدير المنتوجات الفلاحية.  

· التركيز القوي على بناء اقتصادات ومخططات أكثر تكافؤًا وشمولًا واستدامة، وأكثر مرونة في مواجهة الأوبئة، وتغير المناخ، والعديد من التحديات العالمية الأخرى، إضافة إلى استخلاص الدروس من الأزمة، بدءًا من دعم التخطيط وإدارة الموارد وربط المسؤولية بالمحاسبة وطرق إنفاق الأموال، مع الأخذ بهذا في صياغة النموذج التنموي المغربي الجديد.

طالع أيضا   كورونا وأسئلة المعنى والمآل