لأول مرة في تاريخ الحركة العمالية بالمغرب، يحل العيد الأممي بدون أن ترفع النقابات من سقف مطالبها، بل إن معظمها أعلنت صراحة أن ليس لها مطالب سوى الاحتفاظ بالوضع على ما هو عليه، ورفع درجة الحماية الوقائية للعمال والموظفين بالمزيد من التدابير الاحترازية، وما دون ذلك فهو شعبوية وديماغوجية ومزايدة مجانية.

الوضع الاجتماعي يزداد سوءا يوما بعد يوم، نتيجة القرارات المجحفة وغير العادلة التي سنتها الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأخير كتجميد الأجور لثمان سنوات، وتحرير الأسعار، وتقليص نفقات صندوق المقاصة، ورفع الدعم عن المواد الاستهلاكية، وتسريع وتيرة خوصصة القطاعات الاجتماعية، وتخريب الخدمات العمومية، والاقتطاع من أجور المضربين، ورفع سن التقاعد واقتطاعاته المتتالية، وإقرار التعاقد في الوظيفة العمومية، وتسليع التعليم وتفويته للقطاع الخاص، وتجميد التوظيف والترقيات، وغيرها من الكوارث …

وأمام استمرار “بلوكاج ” الملفات الخلافية مع الحكومة، فلائحة المطالب المرفوعة بمناسبة عيد هذه السنة اقتصرت على مطلبَ إلزام أرباب العمل بالاحتفاظ بالأجراء المتوقفين مؤقتا عن عملهم، وعدم استغلال الظرفية الراهنة لتسريحهم، والقليل من حاول أن يستشعر ثقل المهمة التاريخية، فحذر من مغبة انفراد الحكومة بالقرارات، وطالبها بعقد جلسة مستعجلة للجنة الثلاثية الأطراف، للوقوف على حقيقة الوضع الاجتماعي وتحديد الأولويات والاتفاق على الإجراءات العملية، لتخفيف أثر الأزمة على الأجراء، لكن القائمين على الشأن العام وكعادتهم فضلوا دفع البلاد لمزيد من الاحتقان.

كنا دائما نردد شعار “المطالب قائمة – والحكومة نائمة” لكن ومع هذه الظروف الاستثنائية يبدو أن الحكومة قد استيقظت، لكن ليس لتلبية المطالب بل لفرض حجر اجتماعي على النقابات والشغيلة،  ولازالت تجتهد وفق ما يملى عليها في فرض مزيد من القيود لتكميم الأفواه، ضاربة عرض الحائط كل تحذيرات الأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق والأخطار المحدقة بنا وبالعالم أجمع، وبدل إشراك الجميع في مشاورات تفضي إلى تدابير احترازية ناجعة لمكافحة وتجاوز انعكاسات هذه الجائحة، قررت  إبعاد الجميع، حتى أنها لم تستدع النقابات لعضوية لجنة اليقظة الاقتصادية، وهذا ما يؤكد مرة تلو الأخرى، أن الدولة تفتقد للإرادة السياسية للتعامل مع النقابات ككائن مستقل، لذلك تعمد إلى تكريس مشهد نقابي متحكم فيه، فالحكم ما يزال وفيا لتقاليده في إضعاف حلفائه قبل خصومه، لكي يخلو له المجال العمومي للعبث بحقوق الشعب المنهك، فالدولة تصر على تكريس التبعية، وتتمادى في رهن البلاد لإملاءات صندوق النقد الدولي وباقي اللوبيات المالية العالمية المستكبرة، وتمعن في نهج سياسات جائرة غير شعبية، وضرب التوازنات الاجتماعية، والتنصل من الواجبات الاجتماعية تجاه مواطنيها…

طالع أيضا  الارتباك التشريعي والتنظيمي عنوان المرحلة

لكن أليست النقابات مسؤولة عن هذا الوضع بشكل من الأشكال أو على الأقل مشاركة في تأثيثه؟

أهي مرغمة للعب دور “الكاطاليزور” والامتثال دائما للقرارات التي تأتيها من “الفوق”؟

ما الذي أوصلنا لهذا الانحدار؟ أليس باليد حيلة كما يقال؟ (كجواب عن هذه الأسئلة يمكن الرجوع لمقالات كتبتها وكتبها غيري سبق لي أن توسعت في الأسباب والمسببات). 

إن النقابات اليوم مدعوة إلى مراجعات نقدية لفعلها، والتصالح مع قواعدها، وبنكران للذات يمكن بناء وحدة نضالية متماسكة وقوية، توحد الجهود وتصمد أمام التسلط المخزني وتعنته.

إن الرهانات المستقبلية كبيرة جدا، والظرفية الراهنة (جائحة كورونا) تفرض على النقابات بلورة صيغ نضالية قوية، من أجل إعادة بناء الدولة الاجتماعية ومواجهة أزمات وصدمات المستقبل. 

إن الخيار الوحيد أمام الفاعل النقابي لتعبئة الطبقة العاملة والتأثير النضالي في قرارات السلطة، هو توحيد الصف النقابي في جبهة نقابية مناضلة وموحدة، يؤسس لها بحوار جدي ومسؤول بين مختلف المؤسسات والفعاليات النقابية يفضي إلى ميثاق أخلاقي نضالي، ويشكل أرضية تنسيق الجهود وتوحيدها.

ولا بأس في أن نخلد “فاتح ماي” 2020 افتراضيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل الحجر الصحي، لكن لا بد أن نقاوم الحجر الاجتماعي.