العامل درع واق للرأسمال من الجائحة

صرحت منظمة العمل في تقرير لها (أبريل 2020)، أن العالم سيفقد جراء تبعات جائحة كورونا ما يعادل 195 مليون وظيفة بدوام كامل، من بينها 5 ملايين في الدول العربية، كما يتوقع أن يشهد العالم تقليصا في الوظائف لنحو 200 مليون من الموظفين بدوام كامل في الأشهر الثلاثة المقبلة فقط. وستؤثر إجراءات الإغلاق الكامل أو الجزئي في العديد من الدول، على نحو 2.7 مليار عامل، أي 4 من بين كل 5 عمال في العالم.
وسيكون العاملون في أربعة قطاعات أساسية أكثر تأثرا بسبب المرض وتراجع الإنتاج وهي: قطاع الغذاء والفنادق (144 مليون عامل)، قطاع البيع بالجملة والتجزئة (582 مليونا)، قطاع خدمات الأعمال والإدارة (157 مليونا)، وقطاع التصنيع (463 مليونا).
وقد حذر التقرير من تقديم العاملين في القطاع الصحي والمهن الاجتماعية، البالغ عددهم 136  مليون شخص حول العالم كبش فداء للوباء باعتبارهم يعملون في الخطوط الأمامية في الحرب على كوفيد-19، وتهددهم الإصابة بالمرض في كل وقت وحين، مما يستدعي توفير حماية خاصة لهم.
وستزداد وضعية تسريح العمال استفحالا، حسب المنظمة العالمية، في الدول ذات الدخل المحدود حيث الخدمات والمصانع المتضررة تضم نسبة عالية من العمال ذوي الأجور المتدنية في العمالة غير الرسمية، مع وصول محدود إلى الخدمات الصحية وشبكات الأمان والرفاه التي تقدمها الحكومة، مما يهدد العمّال بخطر الوقوع في براثن الفقر، وسيواجهون تحديات أكبر في العودة لأشغالهم خلال فترة التعافي.
وضع يلخص نظرة الرأسمال العالمي للعامل مثل قطعة غيار، يزيد منها أو ينقص حسب منحنى العرض والطلب، ولا قيمة هنا لإنسانيته وحياته وكرامته قبل التسريح وبعده لتبقى المقاولة حية، وليبقى الاقتصاد المسكون بجنون الصعود والهبوط، الذي يصيب العملات المهيمنة في بورصات العالم.
 تعامل يؤشر على ما وصلت إليه الرأسمالية من الجشع والتوحش، في ظل سيادة التوجه النيوليبرالي في تدبير الاقتصاد العالمي، ورهن الاقتصاديات المحلية به في نظام معولم، يضمن تدفق الديون والمساعدات مقابل تصدير المواد الأولية نحو مراكز الرأسمالية العالمية.
الرأسمال المعولم فيروس يفتك بمقدرات العالم
وصلت الرأسمالية العالمية أوجه هيمنتها على خيرات الكرة الأرضية منذ أن بدأت خطواتها الأولى خلال القرن 18م وما بعده، عن طريق الاستعمار المباشر لبلدان خارج أوروبا، بعد أن تحولت هذه القارة إلى مصنع كبير يحتاج إلى مزيد من المواد الأولية، ويضج بأعداد هائلة من العمال ينبغي تصديرهم للمناطق الفارغة في العالم، ويملك المصنع الأوربي حنفة من الرأسماليين الكبار المستغلين لعضلات الإنسان، غير مكترثين إلا بعدد الساعات التي يقدر فيها العامل على الإنتاج أكثر، ولا يهم إن صادفت ساعة العمل الأخيرة نهاية ساعات حياته.
شوط أول من الجشع أدى إلى استعباد جماعي لفقراء الكرة الأرضية واستباحة لخيراتهم قبل دمائهم، وحربيين عالميين جُند فيها البسطاء والبؤساء لتبقى دولة الرأسمال مهيمنة على أكبر عدد من الأسواق المنتجة للمواد الأولية والمستقبلة للفائض السكاني وفائض المصانع هناك في المصنع الأم في أوروبا.
دمار الحروب واستفحال الأزمات في نظام الرأسمالية، خاصة أزمة 1929، وبروز أنظمة اشتراكية تخطب ود العمال وتلوك شعار العدالة الاجتماعية، جعل دولة الرأسمال تلتفت قليلا لعمالها، لتقدم لهم بعض الضمانات الاجتماعية وتتنازل لهم عن بعض الحقوق الاقتصادية والثقافية والنقابية في إطار ما سمي عندهم بدولة التوزيع أو إعادة التوزيع عوض الدولة المحايدة، حياد المتواطئ مع تغول الرأسمال.
ومع سقوط وفشل النظام الشيوعي المنافس خلال العقد الأخير من القرن الماضي، ستتخلى الرأسمالية عن شعار الدولة الاجتماعية، وستستعيد المبادئ الفردانية، لكن في سياق أشد توحشا من سابقه خصوصا بعد نشوة الانتصار على النظير المنافس، سياق ستنتقل فيه الهيمنة من الحروب التقليدية إلى حروب الاقتصاد الرأسمالي المعولم قسرا، الذي حول شعوب الكرة الأرضية إلى زبناء مستهلكين لبضائع شركات عابرة للقارات، وخارقة للحدود السياسية والجمركية، ومتخطية لسيادة الدول بقوة ثقل شروط مؤسسات الهيمنة اللبرالية، المانحة للقروض والراسمة لقواعد التجارة الدولية، وسيف مجلس الأمن السياسي والعسكري بالمرصاد لكل من يفكر في السباحة خارج حوض الليبرالية العالمية.
مرحلة دأب الباحثون على تسميتها بمرحلة النيوليبرالية، حيث أصبح العالم يدار بسياسة خلق الحاجة (الغداء، الدواء، السلاح…) لتستمر آلات الرأسمال المهمين في الدوران، طاحنة لأعمار العمال ومقدرات الشعوب. ومع دخول العالم مرحلة الانفجار التكنولوجي وتطور المكننة وبروز اختراعات الذكاء البشري، بدأت الشركات الرأسمالية، سعيا وراء خفض مستمر للتكلفة ورفع متواصل للأرباح، تتخلص من فائض العمال الذين أصبحت الآلات المتطورة تقوم بأضعاف عملهم.
تحول جديد ستنتقل فيه الدولة، من دولة التوزيع إلى الدولة الرخوة الهشة المنشطة لسوق الرأسمال، التي أضحت مهمتها خلق قوانين تسهل تسريح العمال وتسوغ طردهم التعسفي، والإجهاز على حقوقهم النقابية واستغلال قيمة عملهم، واسترخاص أرواحهم في حوادث الشغل وعربات نقل الأحياء الأموات في أية لحظة.
هذا كله والرأسمال في عقر داره يتعايش مع ديمقراطية لم تعد تعني سيادة الأغلبية، كما صاغها الفكر اليوناني العتيق، بل آلية تضمن للمواطن حرية أن يكون زبونا محترما، من حقه أن يختار السلعة التي يريد ضمن شروط السوق المتقلبة. أما في دول السلطوية حيث الحاكم مستثمر في شعبه ماسك بزمام السلطة والمال، واقتصاد ريعي لمكافأة الأتباع وتموين المصانع الرأسمالية بالمواد الأولية مقابل غض الطرف عن استبداده، فيفقد العامل في هذه البلدان إنسانيته قبل حقوقه، ويؤدي تعاقب صنوف الظلم الاجتماعي والسياسي على الطبقة المسحوقة، إلى تحول الغضب المدفون في صدورها إلى كرة ثلج تتدحرج، لتتمخض عنها اضطرابات اجتماعية وعدم استقرار سياسي وانقلابات وثورات.
 
هل يطيح فيروس كورونا بفيروس النيوليبرالية؟
شبه خبراء الاقتصاد ما حل بالاقتصاد العالمي بعد تفشي جائحة كورونا بلحظة الكساد الأعظم سنة 1929، حيث اهتزت عدد من المسلمات اللبرالية، فأغلقت الحدود المفتوحة، وبدأ التضعضع يظهر في الكيانات الرأسمالية الموحدة، وانكفأت كل دولة على نفسها تبحث عن سبل لتحقيق الاكتفاء الذاتي، من الغذاء والأدوية لمواطنيها جراء القواعد الجديدة التي فرضها انتشار فيروس كورونا، وعاد الحديث عن ضرورة الرجوع إلى دولة الرعاية الاجتماعية، والاهتمام بقطاعات التعليم والصحة والتصنيع المحلي.
وهذا الانخفاض المهول للنشاط الاقتصادي المعولم، انعكس على الوقود المحرك لآلات الرأسمالية العالمية (النفط)، حيث انخفض سعره إلى أدنى مستوياته، مما ينذر بانعكاسات غير مسبوقة على اقتصادات الريع المصدرة للذهب الأسود المهددة بالانهيار.
وكلما توسعت الإجراءات الرامية إلى حصار فيروس كورونا كلما ضاقت الدائرة على مبادئ الدولة النيوليرالية، وأضحت الدولة تسعى إلى حماية مجتمعاتها من الانهيار بسن قوانين تحفظ حقوق العمالة وتمنع تسريحها، وتبحث عن بدائل في إطار العمل عن بعد، ودعم المقاولة الوطنية المنتجة لقوت الشعب ودوائه، المشغلة لطاقات شبابه والموظفة للأدمغة المبتكرة.
إن نظاما راكم قرونا من التطور وصل معه درجة من التعقيد المصلحي، يكون من السابق لأوانه التكهن بسقوطه، لكن ما يقع وسيقع من تحولات ستشكل حتما بداية تصدع في مبادئ النيوليبرالية الجشعة، وسيدفع الدول إلى البحث أكثر في الذات عن مقومات تطور بديل يرتكز على القطر والإقليم أكثر فأكثر.

طالع أيضا  لا تسألني عن ضمانات وشروط المحاكمة العادلة