كنت كتبت يوم 16 مارس 2020 بداية انتشار فيروس كورونا بالمغرب تدوينة بعنوان: “مسؤولية النقابات في ظل انتشار فيروس كورونا”، اقترحت فيها على القيادات النقابية – سيما المركزيات النقابية- أربعة محاور عمل، لتضطلع بمهامها النقابية والاجتماعية التاريخية خلال هذه الجائحة.

كانت المقترحات عبارة عن مبادرات استباقية في إطار اليقظة المجتمعية، وهي خطوات كان من شأنها تقوية موقع الجسم النقابي في معادلة القرار، وتقوية صفها عبر تكريس فعل وحدوي، وكذا المصالحة مع الشغيلة، من خلال الدفاع عن مصالحها في زمن الأزمة، بالمقابل طالبت الحكومة بإعمال المقاربة التشاركية عوض الانفراد بالقرارات. (أطلب منكم الرجوع إلى التدوينة رفقته)

بمناسبة فاتح ماي 2020، وبعد مرور شهر ونصف على كتابة التدوينة، لا بد أن نشيد بداية بالأدوار البطولية التي قام بها رجال ونساء، لله درهم، للتصدي للوباء بإمكانات جد محدودة وبالكثير من نكران الذات، وفي مقدمتهم: أطر الصحة والتعليم والتعليم العالي والطاقة وعدد من المهندسين والتقنيين المخترعين وعمال النظافة… جزاهم الله عنا خيرا، كما نحيي عاليا المناضلات والمناضلين في مختلف القطاعات، الذين علقوا محطاتهم النضالية، وتناسوا آلامهم ومطالبهم إعلاء للمصلحة العليا للبلد.

بعد هذا، ينبغي أن نسجل بكل أسف أن المسؤولين قرروا الاشتغال بمنطق الانفراد لا الشراكة، وتم إبعاد النقابات عن القرار، ولم تستدع لعضوية لجنة اليقظة الاقتصادية، وطبق عليها “الحجر” باستثناء لقاء “تشاوري تواصلي” عقده رئيس الحكومة معها، وآخر مع وزير التشغيل بطلب منها…

حين اقترحت آنها استئناف جلسات الحوار الثلاثي (حكومة -نقابات -باطرونا) كان ذلك بناء على اعتبارها الآلية الأنجع لتدبير المرحلة. وكان على النقابات أن تبادر إلى اقتراح تشكيل لجنة ثلاثية لتدبير الجائحة، قبل أن تطالب بإلحاقها بلجنة اليقظة الاقتصادية بعد إقصائها منها، وأن توحد تصورها وموقفها وتجمع مقترحاتها إزاء التعامل مع الوضعية الاستثنائية بمنطق اجتماعي اقتصادي متوازن. غيبت النقابات فوقعنا في الكثير من الإشكالات المتعلقة باستحقاق التعويضات عن فقدان الدخل، وبشروط الصحة والسلامة في المؤسسات الإنتاجية والخدماتية، وباختلالات متعلقة بتدبير المقاولات للوضعية…

طالع أيضا  فاعلون نقابيون في ضيافة العدل والإحسان يناقشون رهانات ومعيقات وآفاق الفعل النقابي

للأسف، ضيعت النقابات فرصة أخرى لتصحيح المسار، وتقوية آلية اجتماعية مهمة، والمصالحة مع الذات ومع جماهير الشغيلة. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل الأدهى هو وقوع “بعضهم” في فخ اقتراح “الاقتطاع الإجباري” من أجرة الموظفين دون الرجوع إليهم، لولا الموقف الرافض الذي أوقف “المبادرة الكارثة”، ورغم ذلك تلقفتها الحكومة ناقصة هاملة مائلة!

ماذا بعد كورونا؟

نحن على أبواب ركود اقتصادي عالمي، وتأكيدا سينال بلدنا حظه من الأزمة الاقتصادية وما يتبعها من آثار اجتماعية وتشغيلية ونقابية… وعلى الجسم النقابي أن يكون أقوى ليضطلع بالمهام والواجبات التي من أجلها وجد.

المدخل هو حوار بين مختلف الفاعلين داخل الجسم النقابي من أجل تأسيس جبهة نقابية موحدة وقوية ومناضلة، تكون نواة جبهة مجتمعية واسعة، تسعى للتأسيس لدولة العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية، والواجب الجماعي أن تتحمل الشغيلة من جهتها مسؤولية فرض المبادرة النقابية الوحدوية على قياداتها، وصمام الأمان أن تتشبث الشغيلة بحقوقها العادلة والمشروعة، وبحقها في النضال من أجلها.

بدون هذا، ستبقى النقابات في “الحجر الإجباري” متجاوزة معزولة، وستتغول الإدارة بفرض “قانون للإضراب” على المقاس، يشبه مشروع قانون 02 .22 للتكميم والإسكات والتحنيط، وستمررهما كما مررت قانون التقاعد والقانون الإطار من قبل، وستؤدي الطبقة العاملة ثمن ضعفها وشتاتها، مزيدا من القهر والاستغلال البشع في عالم لا يتقن إلا لغة القوة، لأن الحق ينتزع ولا يعطى، سنة الله التدافعية في الكون.

ختاما، أذكر أن العمل النقابي يفترض أن يمثل “سلطة اليد العاملة”، يفاوض باسمها وينظم نضالاتها في معادلة التوازن مع سلطتي الحكم والرأسمال، حتى لا تستبد الأولى ولا يتملك الجشع الثانية، فيظلما ويتعسفا ويستغلا العامل المقهور بغير وجه حق.

 ودمتم للنضال أوفياء.