أعاد مشروع القانون 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، الذي رشحت تسريبات ببعض بنوده متضمنة عقوبات زجرية قاسية بحق كل من يخالفه، الجدل حول سلوك السلطة تجاه الفضاء الافتراضي وعلاقتها به وسعيها الدائم نحو ضبطه بغاية تأميمه بالكامل إن استطاعت إلى ذلك سبيلا.

السلطة المغربية لم تستسغ، كما لا يخفى على أحد، ظهور هذه البوابة العالمية التي اقتحمت سيادتها الوطنية على غير رضاها، والتي وجد فيها الشباب متنفسا يعبر فيها عن آلامه وآماله وتطلعاته، كما وجدت فيها التيارات المعارضة التي رفضت الاشتغال في فضاء مسيج على مقاس السلطة بشروطها المجحفة الذي لا يقبل إلا الخاضعين والمذعنين لها، فرصة للخروج من الحصار الخانق على نشاطاتها.

فالدولة التي كانت تضيق ذرعا بالمناشير السياسية على محدودية انتشارها وتأثيرها في الناس، فتطارد من يروجها وتنكل بهم وتلقي بهم في غياهب المعتقلات لسنوات طوال كما في سنوات الجمر والرصاص سيئة الذكر، والتي أخمدت جل الأصوات المشاكسة في الساحة النقابية والحزبية والجمعوية كما أعدمت الصحافة الورقية الحرة بوسائلها الردعية والإغرائية كذلك حتى أدخلت غالبيتها إلى بيت الطاعة، وقفت حائرة في وجه هذا الوافد الجديد الذي نسف كل جهودها في ضبط المشهد الإعلامي أمام تداول الآلاف من المنشورات الإلكترونية في المواقع الإخبارية ومنصات التفاعل الاجتماعي التي توثق لتجاوزات المسؤولين وتشكك في رواية السلطة وتقدم رواية مضادة لها أكثر تماسكا وإقناعا.

طبعا ما كانت الدولة لتبقى مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع الجديد الذي لم تقبل التعايش معه، حيث استهدفت عددا من المدونين بالاعتقال كما حجبت مواقع المعارضة في أكثر من مرة، لكن هذا لم يكن كافيا لاستئصال الظاهرة الناشئة التي بدأت تتسع بوتيرة سريعة، فكانت من أهم أدوات حركة 20 فبراير زمن الربيع العربي التي استخدمت في الترويج الواسع لها ولحركات احتجاجية فئوية أخرى وكذلك الحال مع حراك الريف وصولا للمقاطعة الشعبية غير المسبوقة لبعض الشركات الاقتصادية النافذة.

طالع أيضا  وقفة الدار البيضاء المساندة للمعتقلين والمنددة بانتكاس حقوق الشعب المغربي (ربورتاج)

ومع ذلك فإن الدولة لم تيأس، حيث اعتبرت أن قضية تأميم مواقع التواصل الاجتماعي مسألة حياة أو موت بالنسبة لها بعد ما لمست تأثيرها الكبير الذي أضحى يشكل خطرا على نفوذها، فاستغلت الردة الحقوقية الأخيرة المتناغمة مع الثورة المضادة على عموم المنطقة والدعم الغربي لها لإطلاق يدها بحملات اعتقالات بالجملة بسبب آراء معبر عليها في تدوينات على الفضاء الأزرق وعلى غيره، وهو ما جعل استراتيجية المخزن تحقق بعض النجاحات، فالملاحظ أن السقف تراجع إن قارناه بما كان عليه في 20 فبراير وما قبلها، الشيء الذي جرّأ المخزن على التمادي في نهجه وصولا إلى طفرته الأخيرة مع أجواء كورونا.

في المقابل فإن رفض هذا القانون قد خلق إجماعا بين الناشطين في الشبكة العنكبوتية بمختلف انتماءاتهم ومرجعياتهم، لكن لا يمكن اعتبار هذا كافيا لكي تسقط مخططات الوصاية السلطوية على مواقع التواصل الاجتماعي، فلئن عبر هذا الاصطفاف عن الوعي بالحق في التعبير ورفض النيل منه، فهو لا يحميه ولا يحرسه، ذلك أن التخوف يكمن في أن تكون هذه الفورة عابرة وأن تعيد سيناريوهات مشابهة سابقة، فكلما حدث انتهاك إلا وتبعته زوبعة من التفاعل ثم تفتر الأوضاع بعد ذلك حتى أصبحت ردود الأفعال متوقعة ومتحكم فيها.

فحتى لو افترضنا إمكانية سحب مشروع هذا القانون أو تعديل بنوده المثيرة للجدل، فلن تنتهي المشكلة، ذلك أن تناول موضوع الحق في التعبير بالوسائط الإلكترونية انطلاقا من هذه الزاوية فقط يعتريه القصور، فالممارسات التعسفية ماضية على قدم وساق بإقرار هذا القانون أو عدمه، خصوصا أن هناك من انخرط في هذا السجال بغرض تمويه المغاربة والتدليس عليهم بجعل 20.22 كبش فداء للدولة من أجل إظهارها بصورة الدولة الحكيمة المستجيبة لتطلعات الشعب ضد رعونة بعض المسؤولين المعزولين، وهكذا تسجل نقاطا مجانية لصالحها مع أن شيئا فيها لم يتغير.

طالع أيضا  لجنة وطنية تكشف سياسات الدولة بعد الوباء للإجهاز على ما تبقى من فضاءات للتعبير

لذلك فإن الواجب التركيز على المطالبة بتجفيف منابع السلطوية التي تنتج مثل هذه القوانين المجحفة. كما أن الاحتجاج الفعال على الدولة وممارساتها تجاه الفضاء الرقمي يجب ألا يقتصر على لحظة انفعالية وأن ينصب حول الحفاظ على سقف المطالب وعلى ذات النبرة الاحتجاجية حتى تتحول ممارسات السلطة إلى ممارسات عبثية عديمة الجدوى. عموما فإن محاولات تأميم الفضاء الرقمي لن تتوقف ما دامت العقلية الأمنية التقليدية هي السائدة، لكنها لن تحصد على المدى البعيد إلا الخيبات في ظل الاحتقان المجتمعي المتصاعد، فلا يمكن أن تبالغ في إيلام الناس ثم تمنعهم بعد ذلك من الصراخ.