أجرى موقع لكم الإخباري حوارا مع الدكتور عبد الواحد متوكل، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية، حول الوضع الراهن الذي أحدثته جائحة كورونا، وتداعيات ذلك على المستوى المحلي والعالمي، وتحليل هذا الواقع واستشراف آفاقه، وكيفيات الإفادة منه لصالح الشعوب والمجتمعات والإنسانية كافة.

ما الذي يعنيه لك الحجر الصحي؟

الحجر الصحي يعني عندي أشياء كثيرة، بعضها سلبي وبعضها إيجابي. أما السلبي فكونه أضاف قيدا، وإن مؤقتا، إلى حرية هي أصلا منقوصة في هذا البلد، ولازال النضال جاريا لتوسيع الهامش المسموح به.

فدون سابق إنذار اضطررنا إلى المكث في بيوتنا، وتعطلت أشياء كثيرة كان اللقاء بآخرين شرطا لمعالجتها. لكن العزاء هو أن هذا القيد على حرية الخروج والتنقل قد جاء، بخلاف القيود الأخرى، لمصلحة الجميع، وجزءا من التدابير الضرورية لمواجهة فيروس كورونا والحد من انتشاره. فكان مثل الدواء الذي قد يكون مرا لكن تصبر على تجرعه لما يحصل منه من الفوائد.

ومن جهة أخرى، فإن الحجر، فضلا عن الجانب الصحي، قد أتاح أشياء أخرى إيجابية، منها أنه وفر فرصة مهمة للتدبر والعبادة والمطالعة أكثر، والتواصل مع العائلة، وإن بطرق غير مباشرة مثل الهاتف وغيره، كما أتاح الفرصة لمتابعة بعض المشاريع الشخصية التي كان يتم إرجاؤها باسمرار لضيق الوقت وضغط الالتزامات، مثل مراجعة القرآن الكريم الذي كنت قد حفظته عن ظهر قلب في سجن سلا عام 1990، ثم وجدته بعد فترة بدأ يتفلت مني. لذلك لو لم يكن من فوائد هذا الحجر إلا أنه، فضلا عن السلامة الصحية المرجوة لنا وللآخرين، وفر الفرصة للعكوف على كتاب الله مرة أخرى لكان ذلك كافيا، والحمد لله رب العالمين.

كيف تقضي أيامك في الحجر الصحي؟ وما الذي تنشغل به؟

اعتمدت أنا وأسرتي برنامجا يوميا مرنا ليتجاوب مع اهتمامات كل منا. في صلبه كما أشرت آنفا القرآن الكريم تلاوة ومراجعة واستظهارا، ثم قراءات متنوعة.

أعيد قراءة فصول من كتب أعتبرها مفيدة، منها كتاب A People’s History of the United States (تاريخ الشعب للولايات المتحدة)، وهو كتاب من حوالي 700 صفحة، يروي فيه الكاتب “هاورد زين” تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بمنهجية شرحها وبين لم اختارها. تاريخ، حسب الكاتب، سالت فيه دماء غزيرة، وقدم الشعب فيه تضحيات جساما، ولم تأت إليه الديمقراطية، كما قد يتصور البعض، على طبق من ذهب. وختم الكتاب بأبيات جميلة للشاعر الإنجليزي “بيرسي بيش شيلي” من القرن التاسع عشر تحث على الانتفاض والمقاومة. يقول آخر بيت فيها: أنتم كثر؛ هم قلة (يعني أنتم الشعب المقهور، وهم المتغلبون الاستغلاليون).

ومن المعلوم، أن هذا البيت قد اتخذ شعارا في كثير من الانتفاضات والاحتجاجات، واستعمل في أفلام وثائقية، وخطابات سياسيين معاصرين ومؤلفات مثلما فعل روبرت رايخ بتعديل بسيط في كتابه الصادر عام 2016 بعنوان Saving Capitalism إنقاذ الرأسمالية. باختصار فالكتاب ماتع ومليء بالدروس والعبر.

وهناك كتاب آخر، كنت قرأته قبل أكثر من ثلاثة عقود، وذكرتني الأحداث الجارية به فعدت إليه. وعنوانه بالإنجليزية The Mind Managers لصاحبه هوربيرت شيلر. وقد ترجم إلى العربية تحت عنوان “المتلاعبون بالعقول”. ورغم أن الكتاب قد جمع قبل أكثر من أربعة عقود إلا أنه لا يزال يحتفظ بأهميته، ويفيد في فهم بعض صور التلاعب بالعقول الجارية في خضم الانشغال بوباء كورونا.

ورغم أن كل دراساتي العليا كانت بالإنجليزية، فإن لدي حبا خاصا للغة العربية وأكتب بها أكثر مما اكتب بالإنجليزية. ولذلك أقرأ بين الفينة والأخرى مقاطع من كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي. هذا فضلا عن مقالات مختارة، ولاسيما مقالات الرأي، ومن الصحافة الأجنبية New York times, Washington post  , New Statesman, The Independent, The Guardian, Le Monde, ومقالات مختارة يزودني بها بعض الإخوان، أو متابعة بعض الحوارات أو النقاشات على الإنترنت.

طالع أيضا  الانكشاف العظيم

لا أمر على كل هذا يوميا، ولكن أختار حسب ما تيسر من الوقت. أخصص حصة للمشي في سطح المنزل، وأساعد في أشغال البيت، غالب أكلي من الخضر والحوت بين الفينة والأخرى. أما اللحم ففي فترات متباعدة جدا لأني أجد نفسي راغبة عنه منذ أن بدأ يفقد الطعم الذي كان له أيام زمان، قبل أن تتدخل أيادي العبث والجشع فيه. هذه باختصار أهم فقرات البرنامج التي قد تشاغب عليها الاتصالات الهاتفية أو الرسائل التي تحتاج إلى رد.

وما قراءتك لما يجري اليوم في المغرب والعالم؟

أتابع ما يكتب هذه الأيام وألاحظ أن أصواتا كثيرة تدعو إلى مراجعة كثير من المفاهيم والسياسات والممارسات التي يرونها مسؤولة عن كثير من الأزمات والتوترات الاجتماعية والاقتصادية الحالية. فقد كتب مؤخرا مايكل ساندل، أستاذ الفلسفة السياسية الشهير من جامعة هارفرد مقالا في نيويورك تايمز يدعو فيه إلى ضرورة ما أسماه بـ”التجديد السياسي والأخلاقي”.

وبعد أن تحدث عن التفاوت الاجتماعي ومسألة تكافؤ الفرص وعدم مكافأة القائمين بكثير من الأعمال الضرورية للمجتمع المكافأة المستحقة وعدم تقديرهم، انتهى إلى طرح تساؤل هام قائلا: هل إعادة تشغيل الاقتصاد [بعد كورونا] يعني العودة إلى نظام قد دأب على تمزيقنا خلال العقود الأربعة الماضية أم أننا سنخرج من هذه الأزمة باقتصاد يمكننا من أن نقول ونعتقد بأننا جميعا في هذا الأمر سواء؟ [كلنا نركب السفينة نفسها].

أرى أننا في لحظة تاريخية غاية في الأهمية. والسؤال مثلما طرح ساندل، وإن في سياق مغاير، هو هل بعد زوال هذا الوباء ـالذي نرجو أن يكون قريباـ سيعود ساستنا وصناع القرار في هذا البلد إلى السياسات القديمة المسؤولة عن إشاعة البؤس والتفاوت الاجتماعي والمجالي والهشاشة، وتردي البنيات التحتية، وتدهور المرافق العمومية الحيوية، واحتكار الثروة والسلطة، وغير ذلك من المظاهر التي حالت دون تحقيق التنمية المرجوة والعدالة المأمولة والاستقرار الحقيقي المطلوب، أم سيتحلون بالشجاعة وبعد النظر ويفتحون صفحة جديدة بتغيير حقيقي يبني نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يستطيع كل المغاربة أن يفخروا به، ويقولوا إنه منهم ومن أجلهم؟.

كيف ترى تأثير ما يجري على حياتنا؟

نحن جزء من هذا العالم الذي أصبح كما يقال قرية صغيرة. اشتبكت المصالح، وتداخلت العلاقات، وأصبح ما يقع من إيجابي أو سلبي في أي مكان يكون له صدى في كثير من بقاع المعمور. ومن ثم فما يقع في العالم من أحداث، من توترات أو تفاهمات، من إنجازات أو انتكاسات كل ذلك يؤثر بشكل أو بآخر، قليلا أو كثيرا، على حياتنا وعلى أوضاعنا، كل بلد حسب ظروفه وقدرته، إن كانت له، على التكيف وعلى استثمار الجيد واستبعاد الرديء أو الضار.

والشيء نفسه ينطبق على الوضع الداخلي في البلد. فقد مضى زمان كانت السلطة المركزية تتخذ القرار وقد لا يشعر به إلا القريبون من العاصمة، أما الذين يقيمون في الحواضر البعيدة والبوادي والقرى النائية قد لا يكون لهم به خبر ولا يجدون له أثرا. الآن الأمور تغيرت بشكل جذري. فأي قرار مهما كان بسيطا، فإن تأثيره يصل في اليوم نفسه أو اليوم الموالي إلى أبعد نقطة من التراب الوطني.

طالع أيضا  من الفردانية أو الأنانية إلى الفكر الجماعي أو التضحية

لذلك فكل ما يجري ويتخذ من قرارات فسيكون له أثر على حياتنا. وبالمناسبة ليس كله سلبيا. ولعل من أهم ما فيه هو تنامي الوعي واتساع المعرفة بمواطن الفساد ومكامن الخلل، ومن المسؤولون عن مآسينا، وما الذي ينبغي، وإن بشكل عام، لبناء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي عادل. وهذا تطور مهم.

أكيد أن أزمة كورونا كشفت عن أشياء كثيرة. ماهي في نظركم؟

لقد كشفت هذه الأزمة عن أشياء كثيرة كانت قبيل اندلاع الوباء إما مجهولة، أو لم تكن معروفة بدرجة كافية، أو لم ينتبه إليها كثير من الناس. وقد أشرت إلى شيء من هذا في مقال لي نشر قبل أيام بعنوان “الانكشاف العظيم”.

فعلى المستوى الوطني انكشفت بشكل أكبر الأعطاب الذي يعانيها بلدنا في كل المجالات. انظر إلى قطاع الصحة والمشاكل التي يتخبط فيها لمواجهة فيروس كورونا. ولولا رجال ونساء غيورون على بلدهم، وإخلاصهم وشجاعتهم في هذا الوقت العصيب، لكانت الفضائح أضعاف مما سمعنا. أحيي بالمناسبة كل العاملين في قطاع الصحة، وأسأل الله أن يتقبل منهم صالح أعمالهم، وأن يجعل لهم لسان صدق في الآخرين.

هذا في مجال الصحة، أما في قطاع التعليم فحدث ولا حرج. واستمع إن شئت إلى أحاديث الناس ومعاناتهم مع ما يسمى بالتعليم عن بعد، وما يواجهه رجال ونساء التعليم والإداريون والأسر من مشاكل لا حصر لها، وكم عدد المستفيدين من هذا الأسلوب على علاته. كان الله في عون السواد الأعظم الذي قد لا يجد ما يؤمن به ضروريات العيش، فأحرى أن يمتلك حاسوبا أو هاتفا نقالا لكل واحد من أطفاله الأربعة أو الخمسة. لا ينبغي أن نستغرب لهذه الشكاوى التي تملأ الفضاء الأزرق.

فإذا كنا نعرف أن قطاع التعليم كان قبل تفشي الوباء معطوبا ويتدهور سنة بعد سنة، فهل نتوقع أن يكون الأداء فيه جيدا في ظل هذه الأزمة؟ وباختصار شديد، فإن هذه الجائحة قد كشفت هشاشة البنيات التحتية، وسوء التدبير، والسياسات الخاطئة المتبعة، وما ترتب على ذلك من أعطاب في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

أما على الصعيد الدولي، فلعل أبرز ما انكشف هو هذا الضعف البشري الجلي. وقد تحدث عن هذا كثير غيري. لقد كان الخطاب الرائج هو أن بعض الدول قد أصبحت، في زعمها، قادرة على كل شيء بما تملكه من ترسانة من أنواع الأسلحة الرهيبة ومن تكنولوجية جديدة متطورة تمكنها من الهيمنة على أرجاء واسعة من هذا الكون. جاء هذا المخلوق الذي لا يرى بالعين الجردة فأربك العالم، وليسمع من أراد أن يسمع بأن الإنسان ضعيف غاية الضعف. ومن يدري؟ فلربما يوقف هذا الوباء حالة الجنون التي داخلت بعض القوى الدولية، ويكسر من غلواء الاستكبار العالمي، وأنه آن الأوان لنظام جديد أكثر عدلا وأكثر إنسانية ورحمة بالناس، سواء داخل البلد الواحد لمعالجة التفاوت الاجتماعي المتنامي، أو لمعالجة العلاقات المجحفة بين ما يسمى بدول الشمال والجنوب، ولإيقاف الاستغلال البشع الذي يتعرض له هؤلاء من قبل أولئك. ولكي تعرف أن العلو والجشع والاستئثار لا يتوقف عند حد، وأنه لا مناص عندئذ من التنازع، فها هو قد برز بشكل جلي الآن، ولا ندري كيف سيتم تسويته. فهل سيتفق الكبار، الولايات المتحدة الأمريكية والصين مثلا على ترتيب يكون لصالح كل الشعوب أم على وضع يفيدهم وحدهم دون غيرهم.

طالع أيضا  بن مسعود: لا لاقتطاع الأجور في هاته الظرفية

ظني أن كل تسوية لا تتسع لمصالح كل الأمم لن يكتب لها النجاح.

في ظل زمن كورونا، كيف تنظر إلى المستقبل؟

المستقبل تتنازعه إرادتان. فهناك من يسعى ليبقى كل شيء كما كان قبل اندلاع فيروس كورونا المستجد. بمعنى أن يبقى المتسلطون على الشعوب في غيهم، وتبقى ثروات البلد بيد قلة تعد على رؤوس الأصابع. ومعنى هذا أيضا أن أحزمة البؤس ستزداد، ويزداد معها عجز الأنظمة الاستبدادية عن تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين، وتتراكم نتيجة لذلك الأزمات. وهذا سيفضي حتما إلى هزات أو انتفاضات شعبية لا ندري متى وكيف وحجم الخسارة المتوقعة، علما أننا في غنى عنها. وأنا أتكلم هنا عن المغرب وأيضا البلاد التي تشبهه.

أما السيناريو الآخر، هو أن يكون هذا الوباء قد هز الضمائر وأيقظ العقلاء، وانتبه الجميع لمخاطر الطريق المتبعة لتدبير شؤون البلاد، فيتنادون للقيام بمبادرة تؤسس لتحول جذري. ولا شك أن من شأن هذه الخطوة الحازمة والصادقة بما تقدمه من براهين للدلالة على أن الأمر لا يتعلق بتدبير الأزمة إلى حين، أو بالانحناء للعاصفة حتى تمر، وإنما بسعي جاد لإنقاذ البلد، وبناء مجتمع يتسع لجميع أبنائه وبناته، وليس لفئة دون أخرى، أقول من شأن هذه الخطوة أن تؤسس لمرحلة استقرار مهمة وضرورية للبناء على أسس متينة، تستدرك ما ضاع من الوقت، وما ذهب سدى من فرص. لكن إن غلب السيناريو الأول، سيناريو الصلف والعناد وعمى البصيرة، فإن الآتي صعب، وإن كانت الكلمة في النهاية ستكون للشعوب. فبذلك جرت سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

هل ستؤثر التجربة الحالية على مستقبل عيشنا المشترك؟

التأثير حاصل لا محالة، لكن السؤال هو في أي اتجاه سيكون؟ هل في الاتجاه الإيجابي أم السلبي؟ فإذا أخذنا العبرة المرجوة من هذا الوباء وهي أنه إذا نزل البلاء بأرض، فإنه لا أحد في مأمن من ضرره وأذاه، مثل ما تشير إليه الآية الكريمة “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”، وإذا أيقنا أن الأقدار قد تأتي بما لا يتصور بالحسبان، وإذا أدركنا أن الله يريدنا أن نعيش في هذه الأرض شعوبا تتعارف، وتتبادل بينها المنافع بالقسط، لا وحوشا كاسرة، يأكل القوي منها الضعيف، أو كائنات منزوعا منها الرحمة والإنسانية، ترمي بالأطنان من المواد الغذائية في البحر ولاتجود بها على من يتضور جوعا في بلاد شتى، فإذا حصل هكذا وعي، وتلاه عزم على ضرورة السير في الاتجاه الصحيح، فإننا سنكون بصدد تحول هام في حياتنا جميعا. هل سيحصل هذا؟ لا أدري.

لقد كتب السير جيرمي فارار أحد كبار المستشارين العلميين بالمملكة المتحدة، مقالا في صحيفة الغارديان البريطانية يؤكد فيه على أن وباء كورونا لا يعرف حدودا دولية، ولا ينبغي لعلاجه في نهاية المطاف أن يعرفها، بمعنى أنه لابد من تضافر الجهود الدولية لمواجهة هذه الجائحة.

لكن السؤال هو هل ينبغي أن يقتصر التعاون على هذه الجائحة وحدها، أم ينبغي أن يكون ذلك شاملا لكل الجوائح، مثل الأوبئة الاجتماعية (الفقر والمرض والجهل…)، والسياسية (الاستبداد والفساد…)، والاقتصادية (الاحتكار والنهب والاستغلال…)، والأخلاقية (دعم الأنظمة الفاسدة والاستمرار في تدمير المجال البيئي…)، وما إلى ذلك.

إلا نفعل فسنكون قد اخترنا تكريس منطق الغاب وأنا وبعدي الطوفان، لا حضارة الإنسان وثقافة العيش المشترك.