1- مدخل 

تحيي الشغيلة الأممية، في سابقة غير معهودة، عيدها الأممي في أجواء الحجر الصحي وإغلاق العديد من الوحدات الإنتاجية وتوقف أغلب المطارات والموانئ وإغلاق الحدود برا وبحرا وجوا بين غالب دول العالم.

ترى ما هي تداعيات الوباء على القوة العاملة وعلى وسائل الإنتاج والأجور ومجمل مكونات علاقات الشغل في عام كورونا؟

تميزت فترة ما قبل ظهور الوباء بخلافات تجارية تزعمتها أمريكا ضد منافسيها على قيادة العالم وعلى رأسهم الصين، فألغت الاتفاقيات التجارية وسعت إلى فرض “الحمائية الجمركية”، وإغلاق حدودها مع المكسيك، وفرض عقوبات تجارية على الدول المخالفة لها، والانسحاب من عدد من الاتفاقيات التجارية الدولية.

بل وصل الأمر حد تهديد الرئيس الأمريكي للصين أنه سيتبنى موقفا “أكثر تشددا” في ولايته الثانية إذا ماطلت الصين في المفاوضات (وول ستريت جورنال).

كما تميزت هذه الفترة بصعود اليمين المتطرف بأوروبا، المعادي للهجرة والمناهض لقيم التعايش والتسامح.

وعربيا شهدت القضية الفلسطينية فصولا جديدة من التصفية تجلت في محاولات ترامب فرض صفقة “صفقة العار” بتواطؤ أنظمة الهزيمة العربية.

2- “الإغلاق الكبير” أسوأ من “الكساد الكبير”

“الكساد الكبير” أو “الانهيار الكبير” هي أزمة اقتصادية حدثت في عام 1929م، مروراً بعقد الثلاثينيات وبداية عقد الأربعينيات، وتعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، وقد بدأت الأزمة بأمريكا مع انهيار سوق الأسهم في 29 أكتوبر 1929 والمسمى بالثلاثاء الأسود.

 مع ظهور أول حالة كورونا مطلع شهر دجنبر 2019 بالصين انقسم العالم شطرين: عالم يصرخ ويولول من خطر الوباء وعالم غير مهتم بل مستهزئ بخطورة كورونا.

ومع مرور الأيام والأسابيع بدأت تتكشف خطورة الأوضاع مع ارتفاع عدد الضحايا والمصابين وانكماش الاقتصاد العالمي وإغلاق المصانع والمعامل وتسريح الملايين من الأيدي العاملة.

طالع أيضا  د. بنمسعود: الجبهة النقابية المناضلة هي الخيار الوحيد أمام الفاعل النقابي للتأثير في قرارات السلطة

وبلغة الأرقام يقول تقرير صندوق النقد الدولي “آفاق الاقتصاد العالمي” أن الخسائر الناجمة عن الوباء ستناهز 9 تريليونات دولار (أي 9 آلاف مليار دولار)، وهي خسائر بأرقام فلكية في عالم المال والأعمال تقارب حجم اقتصادي العملاقين: ألمانيا واليابان.

واستنادا لسيناريوهات متعددة لتأثير جائحة كورونا على مجمل الناتج الإجمالي العالمي فسينضاف لطوابير العاطلين عن العمل حوالي 25 مليون عاطل.

والمغرب طبعا ليس بعيدا عن كل ذلك بحكم ارتباطه بالاقتصاد العالمي المرهون للدولار، فقد أغلقت العديد من الوحدات الإنتاجية الخاصة بأجزاء السيارات والطائرات والكابلاج وغيرها اضطرارا وتجاوبا مع متطلبات مرحلة الحجر الصحي وحرصا على سلامة العمال، مع ما يصاحب ذلك من آثار على الالتزامات القانونية لأطراف علاقات الشغل.

ومع تراجع تحويلات مغاربة المهجر وتأخر التساقطات المطرية وكساد سوق السياحة، تبدو وضعية الاقتصاد المغربي جد صعبة لولا انتعاش صادرات الفلاحة والصيد البحري وتراجع فاتورة المحروقات بحكم تهاوي أسعار النفط عالميا.

 وبلغة أرقام المندوبية السامية للتخطيط:

  × ستعرف الصادرات الوطنية انخفاضا يقدر ب 22,8٪.

  × أما صادرات الفوسفاط الخام ومشتقاته، والتي تشكل ما يقرب 17٪ من مجموع الصادرات، فستشهد تراجعا ملحوظا خلال الفصل الأول من 2020، حيث ستتقلص قيمة صادرات الفوسفاط ومشتقاته ب 40٪.

  × وعلى العموم، سيزداد العجز التجاري ب ٪23,8، خلال الفصل الأول من 2020، موازاة مع ارتفاع وتيرة الواردات مقارنة مع الصادرات، فيما سيحقق معدل تغطية الصادرات بالواردات انخفاضا بنسبة 11,6 نقطة لتناهز 49,7 ٪.

كل ما سبق ستكون له آثار مستقبلية على سوق الشغل ووضعية القوة العاملة.

3- استشراف ما بعد كورونا

وفقا تقييم لمنظمة العمل الدولية، ينتظر أن يضاف لطوابير العاطلين عن العمل 5,3 مليون عاطل (السيناريو المتفائل) أو 24,7 مليون عاطل (السيناريو المتشائم).

طالع أيضا  القطاع الصحي للعدل والإحسان يناقش المنظومة الصحية بالمغرب وامتحان كورونا في ندوة رقمية

لكن تحقيق سيناريو متفائل رهين بتوفير شروط نجاحه أكثر منه تمنيات طوباوية عاطفية لتجنب الأسوأ في عالم الشغل والمقاولة.

ولتحقيق خروج آمن من جائحة كورونا وبأقل الخسائر يفترض:

 

أولا: تحفيز الاقتصاد الوطني، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وترسيخ التنافسية، ووضع حد مع اقتصاد الريع، والتهرب الضريبي، وتوفير مناخ استثماري متكافئ وسليم، إذ لا نجاح لأي مشروع تنموي حقيقي في غياب هذه الشروط.

ثانيا: دعم التشغيل والتوظيف، وتحسين دخل الشغيلة، وتشجيعها بالحوافز اعترافا بأدوارها الطلائعية، وتوفير شروط الصحة والسلامة والحماية للعمال، وتحسين ظروف عملهم.

ثالثا: ضرورة إيلاء القطاعات الاجتماعية مكان الصدارة في سلّم الأولويات ضمن لائحة مسؤوليات الدولة.

في الختام، لعل العقيدة التي ترسخت لدى مجمل الباحثين والمهتمين هي أن عالم ما قبل كورونا لن يكون حتما نفس عالم ما بعد كورونا. ولعل نسائم التحول التي يشتمها كل متابع نبيه، تسير في اتجاه إعادة التوازنات في عالم مختل الموازين، طفح فيه الكيل وتعاظمت شراسة الرأسمالية المتوحشة.

وكما أن دوام الحال من المحال، فنسأل العلي القدير أن تهب رياح التغيير في زمن كورونا لصالح المستضعفين المقهورين. وتحمل معها بشائر النصر والتمكين لأنصار العدالة والحرية والعيش الكريم.