مقدمة

قال تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ 1.

1 – تحديد الهدف ودوره في تحفيز النفس البشرية

يُمكن تحفيز النفس البشرية من خلال وضع الأهداف ذات المعنى، والتفكير في تحقيقها، حيث إن الأهداف، تعد مصدراً للأمل والإلهام بالنسبة لأصحابها، فعند البدء بتحقيق الأهداف الكبيرة وذات المدى البعيد، سيتم تحقيق بعض الأهداف قصيرة المدى، الأمر الذي يجعل الأهداف أكثر واقعيةً على المدى البعيد، فضلاً عن أن تحقيق الأهداف يغذّي الرغبة، ويحفّز الفرد على تحقيق المزيد منها.

2 – أهمية تحديد الهدف في حياة الصائم

عندما يحدد الصائم الهدف من صيامه، فإن ذلك سيساعده على التركيز جيداً على أهمّ الأمور في صيامه، وماذا يريد تحقيقه، وما يطمح للوصول إليه، أما في حال وضع الأهداف دون تركيز، إن تم وضع الأهداف أصلا، فسيجد الصائم نفسه يهدر الوقت على الأمور غير المهمة في شهر رمضان، فينقضي شهر الصيام، شهر التوبة والغفران، الذي هو أفضل شهور السنة، دون تحقيق الهدف المنشود. ويكون ممن صدق فيهم هذا الحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رُبَّ صائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ الجوعُ والعطَشُ، وربَّ قائمٍ حظُّهُ من قيامِهِ السَّهرُ) 2. وفي رواية لابن ماجه (ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ) 3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه) 4. فهذا الحديثُ أصلٌ عظيم في بيان الحكمة من مشروعية الصيام، فإن الله تعالى لم يشرع الصيام لأجل الامتناعِ عن الطعام والشراب ونحوهما من المباحات في الأصل؛ وإنما شرع الصيام لحكمةٍ عظيمة، ذكَرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، وهي تقوى الله جل وعلا، وتقوى الله تعالى تكونُ باتِّباع شرعه وعبادته وطاعته، بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه. وبتحديد الهدف من الصيام، وتفعيل هذا الهدف، والذي هو التقوى في نهار الصائم وليله، يلحظ حلاوة الاستقامة في شهر رمضان، فيستمر بها بعد رمضان. لأن الحق عز وجل لا يطلب منك الاستقامة في رمضان فقط، إنما هو سبحانه قد اصطفى رمضان كزمن تتدرب فيه على الاستقامة، لتشيع من بعد ذلك في كل حياتك كلها إلى أن تلقى الله.  لهذا قال تعالى في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 5.

3 – الهدف من الصيام في شهر رمضان

من رحمة الله بعباده أنه لم يتركهم لاجتهاداتهم المختلفة والمتباينة في تحديد الهدف من الصيام، بل هو سبحانه الذي فرض عليهم الصيام، وهو سبحانه الذي حدد لنا الهدف منه، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ 6، فالهدف الرئيسي الذي لا ينبغي الاختلاف فيه بين المؤمنين الصائمين، هو التقوى وهو هدف عظيم، وفي تدبرنا لعلم الوقف والابتداء في القرآن، نجد الوقف على معدودات في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، ليقول الحق لنا وهو الرحيم بعباده: إذا اتقيتم الله حق تقاته بالصيام في رمضان شهرا، في هذه الدورة التكوينية الربانية الرمضانية. فسأكتبكم من المتقين دهرا، وهذا محقق بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ، التي لم تكن للترجي في حق الله تعالى، وإنما هي للتحقيق، أي لتكونوا من المتقين. فأنتم إن صمتم حق الصيام بتطبيق معاني التقوى، فسأكتبكم عندي من المتقين دهرا، فليجدنا ربنا جل وعلا حيث أمر، ويفتقدنا حيث نهى وزجر، لنكون من المتقين. في رمضان وبعد رمضان إلى أن نلقى الله تعالى وهو عنا راض، قال تعالى في سورة البينة: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ 7.


[1] البقرة: 183، 184.
[2] أخرجه النسائي في السنن الكبرى، (3249)، وابن ماجه (1690)، وأحمد (9683) واللفظ له. والصحيح المسند للوادعي، 1385، حديث حسن.
[3] أخرجه النسائي في السنن الكبرى(3249)، وابن ماجه (1690) واللفظ لهما، صحيح ابن ماجه، الألباني، 1380، حديث حسن صحيح.
[4] رواه البخاري 5/ 2251 (5710)، (1804).
[5] آل عمران: 102.
[6] البقرة: 183، 184.
[7] البينة: 8.
طالع أيضا  منظومة القيم الإسلامية من خلال غزوة بدر الكبرى