أحدث تسريب وثائق ومعلومات عن قانون مرتبط باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، نقاشا واسعا لدى الرأي العام الوطني، لكون هذا القانون يعد “نكوصا حقوقيا حقيقيا في حرية التعبير” حسب طيف واسع من الفاعلين والناشطين.

وترجح الآراء أن الحكومة صادقت يوم 19 مارس 2020، على مشروع قانون رقم 22.20 يتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، ولم تكشف مضامينه حينها. ورغم الحديث على أن ما تم تسريبه مسودة أولى جرى تعديلها، إلا أن الرفض كان قاطعا لها باعتبار مجرد التفكير في هذا المستوى من تقييد الحريات يعد نكوصا وانتكاسا جديدا بحسب المدونين.

واعتبر رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن هذا المشروع يفضح “ترصد الفرص” من قبل النظام المغربي لـ “تكميم الأفواه”، وفيه “استغلال لحالة الطوارئ الصحية” من أجل الزحف على ما راكمه النضال الحقوقي للشعب المغربي لسنوات، واتخذ السخط في مواقع التواصل ضد هذا المشروع عدة وسوم وشعارات أبرزها “يسقط القانون 2220″، و “أرفض 2220”.

ووصف الفاعل الحقوقي محمد الزهاري هذا القانون بكونه “مشروع الرعب والترهيب وتكميم الأفواه”، بينما اعتبره الناشط السياسي منير الجوري صادرا من “العقول الجامدة المتكلسة” التي تسمح لنفسها بالكتابة “من حبر موغل في الاستبداد على الرأي والوصاية على حق التعبير”، في حين الكاتب بوعشرين الأنصاري تحدث عن “تحويل كمامات واقية من كورونا إلى كمامات لاجمة لحرية التعبير”، أما المؤرخ المعطي منجب فاعتبره “غدرا حقيقيا بالمجتمع”.

وذهب الزهاري، الرئيس الأسبق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، في تدوينة له في فيسبوك إلى أن هذا المشروع “يؤكد وبالملموس – إلى أن يثبث العكس- أن الحكومة الحالية تحاول شرعنة الظلم والاستبداد، وتوسع من سلطات القمع وتلجيم الحريات والاجهاز باسم القانون على ما تبقى من بصيص من النور في الدائرة السوداء، التي أصبحت عنوانا للمرحلة”، مردفا أن هذا يأتي استمرارا في الردة الحقوقية التي ارتفعت وتيرتها منذ خطاب وزير الداخلية السابق محمد حصاد أمام مجلس النواب يوم 15 يوليوز 2015.

طالع أيضا  جائحة كورونا والقيم.. مجرد سؤال

وأوضح الزهاري أن نجاح تمرير هذا القانون يعني “أن المغرب سيدخل مرحلة ستكرس لسلطة الردع العام ورفع عصا القمع والتسلط وإدخال السجن لكل من انتقد أو خالف أو عقب أو علق”.

وبينما اعتبر منير الجوري عضو الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أن “المعركة ضد هذا المشروع/التسريب هي معركة ضد الدهاليز السوداء المتربصة أمس واليوم وغدا”، شدَّد على أنْ “لا بديل عن إسقاطه كليا”.

ويقدر الجوري أنه “من المفزع أن تجد مثل هذه القيود طريقا لتصبح بنودا من نسخة من نسخ مشروع قانون يهم أكبر حق من حقوق الإنسان التي قدم فيها شعبنا نضالات”. وذهب في تدوينة له في فيسبوك، إلى أن هذا التسريب “يأتي ليقول لنا أن الشر مختبئ يتربص في الدهاليز المظلمة، ليس فقط لإعاقة استكمال الصورة المثلى للحق في الرأي والتعبير كما تعرفها الشعوب المعاصرة، وإنما لهدم حتى تلك المساحات الضيقة التي تشكل متنفسا لمغربي اليوم”.

وأضاف: “وحتى إذا كانت هناك تعديلات، فسيشكل القانون ردة حقيقية، لأن المشروع المسرب نزل مائة درجة إلى الأسفل، وإن رفعته التعديلات إلى الدرجة التسعين فلا يمكن اعتبار ذلك انتصارا للرأي. ويكفي الاطلاع على مذكرة الرميد لإدراك ذلك”.

وذهب الحقوقي المعطي منجب بدوره إلى أن “الحكم” في إشارة إلى النظام المغربي، “يترصد باستمرار حرياتنا القليلة”. وأوضح أن هذه الحرية فُرضت على النظام في فترات تاريخية معروفة بالنضال والتضحية، مردفا أنه يتحين الفرصة للإجهاز عليها، وقال: “فها هو كان يتأهب مستغلا فرصة كورونا للإجهاز على أحد الحقوق والحريات الأساسية وهي التعبير والنشر والتعبئة عبر الأنترنيت”.

ووصف المؤرخ المغربي في تدوينة له في فيسبوك، النظام الذي يشتغل بصمت حيال هذا، بكونه “ثعبانا حقيقيا”.

طالع أيضا  ذ. أرسلان: ما يحدث اليوم من شأنه أن يساعد الإنسانية على إعادة اكتشاف ذاتها والاستماع لفطرتها السليمة

أما الكاتب والفاعل السياسي بوعشرين الانصاري فقال: “إنه موسم الحصاد لبروباكندا ظل أصحابها يحشدون نوعا من “شرعية” تصرفات السلطوية في عز محنتنا مع كورونا”. وأضاف: “حتى إذا بدت تباشير خروجنا منها دولة ومجتمعا سالمين، استدعوا ركام حشدهم للسلطوية ليشرعنوا بها كل تصرفاتها وجعلها لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها”.

إن الانتهازية والفقر في الإقناع بمزايا السلطوية يضيف بوعشرين، “تجعل هذه العقول الغبية التي لا تنتعش إلا في دائرة التضييق على الحريات والتسلط على كل هامش ديمقراطي، تجعلها عاجزة عن استشراف أفق مصالحاتي بين السلطة والمجتمع، بل يضيق تفكيرها وخاطرها وحتى هواءها السلطوي الذي تنتعش بوجوده”. وفي وقت تتعالى فيه الأصوات بضرورة الإصلاح الديمقراطي على أرضية المصالحة الوطنية الشجاعة، يكشف بوعشرين قناعته مع تعالي هذه الأصوات بـ “أننا نضيع فرصة أخرى ضمن فرص تاريخية ضائعة، في مغرب الفرص الضائعة، واحزناه على وطننا”.

وفي سياق الضغط لوقف هذا المشروع، أطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي وسياسيون وحقوقيون وإعلاميون مواطنون يوم أمس الثلاثاء، عريضة تحت وسم “قانون 22.20 لن يمر”.

وعبرت العريضة صراحة عن أن ما أقدمت عليه الحكومة بعيد عن القيم الدستورية والحقوقية القائمة على التشاركية.

ومن بين البنود المنصوص عليها في الوثيقة المسربة معاقبة دعاة المقاطعة الاقتصادية للشركات، بمدد سجنية نافذة متفاوتة قد تصل إلى سنة وغرامات مالية قد تصل إلى 50000 درهم، كما أن نشر محتوى إلكتروني يتضمن خبراً زائفاً من شأنه التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتجات والبضائع وتقديمها على أنها تشكل تهديداً وخطراً على الصحة، تطاله العقوبات نفسها.

ويعاقب كذلك بمدة من الحبس قد تصل إلى ثلاث سنوات وغرامة قد تصل إلى 20000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، “من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بوضع أو نقل أو بث أو نشر محتوى إلكتروني بنشر أو ترويج محتوى إلكتروني يتضمن خبرا زائفا من شأنه إلحاق ضرر بشخص ذاتي أو اعتباري”.

طالع أيضا  تقدير موقف.. احتياطي العملة الصعبة والتوازنات الماكرو اقتصادية الخارجية والسيادة الاقتصادية للمغرب

وجاء في مشروع القانون نفسه، أنه “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 3000 إلى 30000 درهم أو بإحدى العقوبتين، من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بوضع أو نقل أو بث أو نشر محتوى إلكتروني ذي طابع عنيف من شأنه المساس بالسلامة النفسية والجسدية للقاصرين وذوي العاهات العقلية”.