مراحل ظهور الثورة البيولوجية

لفهم ما آلت إليه المعرفة البشرية وتطور العلوم، تتابعت ثورات بشرية ضد كل ما من شأنه حصار رغبة الإنسان لتفسير الظواهر الكونية المحيطة به ومحاولة استيعاب سلوكه الاجتماعي والبيولوجي، بدءا بالثورة الكوبرنيسة على الكنيسة وانتهاء بالثورة البيولوجية الحديثة على خبايا جسم الإنسان. يميز المختصون أربع مراحل لظهور هذه الثورة البيولوجية:
– المرحلة الأولى: مرحلة علم الحياة الجزيئية:
moléculaire La Biologie 
وهو علم يحاول فهم آليات الحياة على مستوى الجزيئات والتفاعلات بينها. ظهرت البيولوجيا الجزيئية من أبحاث علماء الفيزيولوجيا (علم الوظائف) الذين درسوا التراكيب الحيوية في الكائن العضوي كله إلى أصغر خلية فيه، ومن أبحاث الفيزيائيين والكيميائيين الذين انتقلوا من الجزيء إلى التراكيب الصغيرة في الخلية. ومن أبحاث علماء الوراثة أولئك الذين اكتشفوا الجينات: إذ أتاح التفسير الجزيئي ولأول مرة في تاريخ علم الحياة، لآليات الحياة الأساسية معرفة القانون الكيميائي الضروري لانتقال وترجمة المعلومات الجينية.
– المرحلة الثانية: مرحلة علم الحياة الخلوية: 
LaBiologie cellulaire 
وهو علم لا يقتصر على دراسة العلاقات داخل الخلايا نفسها، بل يشتمل أيضا وبصفة أساسية دراسة العلاقات بين الخلايا بعضها ببعض. ذلك أن الخلايا تشكل “مجتمعا” داخل الأنسجة؛ إذ تتم التبادلات الخلوية وفق قوانين دقيقة تضمن حياتها وتوازنها.
– المرحلة الثالثة: مرحلة علم الغدد الصماء وعلم الأعصاب:
La Neuro- endocrinologie
وهو علم لا يقتصر على دراسة التواصل الخلوي فقط، بل يتعدى ذلك إلى اتصال الأعضاء بعضها ببعض، وتنظيم وتكامل النظام الكلي للإشارات المتبادلة بين الخلايا عن طريق الهرمونات والأنزيمات والمبلغات العصبية ومضادات الأجسام، وكلها مواد بروتيدية تركبها الخلايا بمقدار، تحرر في الزمان والمكان المناسبين، من أجل ضمان توازن الجسم.
– المرحلة الرابعة: مرحلة الهندسة الوراثية؛ أو ما يسمى بتكنولوجيا ADN 
الهندسة الوراثية تقنية تستهدف الوحدات الوراثية -المورثات- الموجودة على الصبغيات، فصلاً ووصلاً وإدخالاً لأجزاء منها من كائن إلى آخر، بغرض إحداث حالة تمكن العلماء من معرفة وظيفة (الجين) أو بهدف الحصول على كمية معينة من مادة بروتينية (هرمونات، أنزيمات، مواد أخرى…) لاستكمال ما نقص منها في خلية مستهدفة.
ظهر علم الهندسة الوراثية بعد اكتشاف أسرار المادة الوراثية ADN، واكتشاف أنزيمات نوعية تقوم بفصل وربط أجزاء ADN في مواقع محددة.
هذه الاكتشافات فتحت الطريق أمام العلماء للقيام بالمزيد من التجارب من خلال إدخال وإخراج أجزاء من هذه الشفرة الوراثية ومن خلال قطع ووصل أجزائها بل ومحاولة إدخال أجزاء من ADN لكائن معين إلى أجزاء من ADN لكائن آخر.
تعتبر الهندسة الوراثية أداة قوية تحمل في طياتها آمالاً كبيرة للطب والزراعة والصناعة والأمن الغذائي والبيئة. حيث تقدمت الأبحاث بدرجة كبيرة منذ أواسط السبعينيات لدرجة انتشار الحديث عن “ثورة الهندسة الوراثية” التي مكنت الإنسان من الحصول على الأنسولين البشري وعامل التجلط البشري بل وعوامل إذابة الجلطة، وعامل النمو البشري بكميات كبيرة ما كان للإنسان أن يصل إليها أبداً من مصادرها. ومع ذلك فأبحاث الهندسة الوراثية تثير الكثير من المخاوف على المستوى الاجتماعي والقانوني الأخلاقي.
تطبيقات الهندسة الوراثية، فتحت أيضا مجالا واسعا للخيال العلمي وأصبحت وسيلة تستثمر فيها الصناعة السينمائية التي تدر أرباحا ضخمة باستهلاك العقل البسيط مواضيعها. كما وضعت علامات استفهام كبيرة من الزاوية الشرعية؛ عندما تناقلت أجهزة الإعلام أخبارا عن إمكانية تقدم الآباء والأمهات بطلبات إلى العلماء للحصول على أطفال لهم موصفات معينة في الشكل واللون والذكاء والقدرة الجسمانية أو العقلية، بل وذهب الخيال العلمي إلى إمكان إدخال جين (صفة) التمثيل الضوئي من النبات الأخضر إلى الأجنة البشرية للحصول على الإنسان الأخضر الذي يمكن أن يستخدم أشعة الشمس وثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي للحصول على غذائه وطاقته، فيصبح الإنسان “ذاتي-التغذية” وتحل المشاكل الاقتصادية المرتبطة بالغذاء!

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي، ما مفتاحه؟ (1)