بقلم: نبيلة الرغاي

التوبة عمل باطني قلبي موجه لكبح جماح النفس، وتقييد أهوائها، والتوجه بها لطلب مغفرة الله ورحمته ونيل رضاه عز وجل. وبهذا المعنى تكون التوبة بداية الطريق لتحقيق العبودية لله تعالى. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “التوبة عندنا رحمة. التوبة رجوع صادق إلى الحق. التوبة طهارة. التوبة وضوء وصلاة وقرآن وطاعات وأعمال صالحات”.  

تعريف التوبة

التائب إلى الله هو العائد لطاعة ربّه، وتاب الله على عبده أي عاد عليه بالصفح والمغفرة، والعبد التوّاب هو العبد كثير العودة إلى الله بالاستغفار.

ويشمل مفهوم التوبة كل المعاني التي تضمنها لفظ التوبة في القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال نجده:

– في سورة التوبة ورد بمعنى التجاوز والصفح والعفو من الله تعالى على عباده، في قوله تعالى: وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة، الآية 15).

– وجاء بمعنى الإنابة والرجوع إلى الله تعالى في قوله تعالى في سورة البقرة: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ (سورة البقرة، الآية 54).

– وجاء أيضا بمعنى الندم على المعصية في قوله تعالى في سورة البقرة: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا (سورة البقرة، الآية 160).

وقد أجمع علماء الأمة الإسلاميّة على أنّ التوبة هي فرض عين على عباد الله المؤمنين، وذلك تصديقًا لقوله تعالى في سورة النور: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (سورة التوبة، الآية 31).

واستجابة لنداء الله تعالى ودعوته للمؤمنين بالتوبة النصوح في قوله تعالى في سورة التحريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (سورة التحريم، الآية 8).

طالع أيضا  تذكرة المرابط مع ذ. أحمد أيت الخو: تجديد التوبة

وبالمثل نجد أحاديث كثيرة في فضل التوبة والمداومة عليها، ونذكر ما رواه مسلم في صحيحه، عن الأغر المزني أبو مالك عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ، في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ، مَرَّةٍ”.

وأيضا الحديث الذي رواه أبو داوود في سننه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، أنّه قال: “إنا كنا لنعد لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم”.

وأجمع العلماء أيضا على مشروعيّة صلاة التوبة من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبدٍ يُذنِبُ ذنبًا فيُحسِنَ الطَّهورَ ثمَّ يقومَ فيُصلِّيَ ركعتَيْن ثمَّ يستغفِرُ اللهَ إلَّا غَفَر له، ثمَّ قرأ هذهِ الآيةَ: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، وفيها يتوسّل العبد إلى بارئه ويظهر ندمه على فعلته ليتوب الله جلّ شأنه عليه، ولا يمنع صلاة التوبة مانع إلّا في أمرين، الأوّل منهما هو أن يبلغ المرء منيّته فتغرغر الرّوح في حلقومه، وهو ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغرغِرْ”، والأمر الثّاني هو حدوث آخر علامات يوم القيامة الكبرى ألا وهي شروق الشمس من مغربها، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “مَن تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عليه”.

التوبة النصوح

التوبة هي عقد النية الصادقة في تلبية نداء المولى عز وجل حين ينادي الإنسانَ: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (سورة الانشقاق، الآية 6)، يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك (سورة الانفطار، الآيات 6-7-8)، تذكير من اللطيف الخبير لهذا المخلوق الغافل عن مولاه المنصرف إلى دنياه.

طالع أيضا  التوبة.. أول خطى التربية

هذا النداء يجد الإنسان صداه في…..

تتمة المقال على موقع مومنات نت.