في ظل الحجر الصحي الذي يعرفه بلدنا وغيره من بلدان العالم، قد تختلف  نيات الناس، كما قد تختلف طرق توظيف الأوقات التي يقضونها في ظل هذا الحجر، فمن مقبل على القراءة، ومن راغب في تعلم فنون الطبخ، ومن متشوق لسلسة من الأفلام المسلية، ومن حريص على استكمال حفظ القرآن ومن ومن… لكن الذي يحكم فضل هذا العمل أو ذاك هو إخلاص النية لله تعالى.

أهمية إخلاص النية لله عز وجل في الإسلام

أَوْلـى الإسلام أهمية كبرى للنية ـ التي محلها القلب ـ لما لها من مقام عظيم في الشريعة الإسلامية، إذ بسلامتها يقبل العمل أو يرد على صاحبه، وإن كـان في ظاهره صالحـا مباركا. فبالنية الصالحة تصير المباحـات والعـادات أعمالا يؤجر عليها المسلم، فمن أكل وشرب بنية حفظ الحياة، وتقويـة الجسد، ليستطيع القيـام بواجبه نحو ربه وأمته، كـان طعامه وشرابه عبادة متقبلة بحول الله.
قال تعالي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

وعن عُمرَ بنِ الخطَّاب قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم “إنَّما الأعمالُ بالنيَّة، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَن كانتْ هِجرته لدُنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوَّجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه” 1.

قال الإمام النوويُّ رحمه الله تعالى في شرْح الحديث: “أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده وصحته، قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا من الفقه، وقال آخرون: هو ربع الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية. ونقل الخطابي هذا عن الأئمة مطلقا، وقد فعل ذلك البخاري وغيره، فابتدأوا به قبل كل شيء” 2.

بركة النية في مضاعفة الأجور

إذا صلحت النية عظم أجر العمل، وصار جلوسنا في بيوتنا رباطا مفتوحا، فنتوجه لذكر الله عز وجل ونشكر نعمه، ونستحضر ما ضاع من أيام عمرنا حين لم نكن فيها من المرابطين، لعل رباطنا هذا يكون لنا شفيعا، ويدخلنا في زمرتهم المباركة.

طالع أيضا  جلسة ظهيرة الخميس27 رمضان.. ️الثبات علامة قبول العمل مع د. الزاوي

يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام “… وأُحدِّثكم حديثًا فاحفظوه، قال: إنَّما الدنيا لأربعة نفَر: عبد رَزَقه الله مالاً وعِلمًا، فهو يتَّقي فيه ربَّه ويصِل فيه رحمَه ويَعْلَم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزَقه الله عِلمًا ولم يرزقْه مالاً فهو صادقُ النيَّة، يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيَّته فأجرُهما سواء، وعبد رزَقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا، فهو يخبِط في ماله بغير عِلم؛ لا يتَّقي فيه ربَّه ولا يصِل فيه رَحِمَه ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخْبثِ المنازل، وعبد لم يرزقْه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوِزْرُهما سواء” 3.

والشاهد عندنا من الحديث قوله عليه الصلاة والسلام “وعبد رزَقه الله عِلمًا ولم يرزقْه مالاً فهو صادقُ النيَّة، يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيَّته فأجرُهما سواء”.

 فالعبد كلما أخلص نيته لله  تعالى، حافظ على أجر الرباط والمرابطين، وأدركته بركاتهم، وتنسم الروح التي تجري في مجالسهم، وقضى الله حاجاته، وزاده سعة في الرزق المادي والمعنوي. وانظر عفانا الله وإياكم إلى ما ناله هؤلاء الصحابة الكرام من عطاء رباني  يعدل أجر المجاهدين المرابطين في سبيل الله، ولم يبرحوا بيوتهم. عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال: “إنَّ بالمدينة لرِجالاً ما سِرتُم مسيرًا ولا قطعتُم واديًا إلا كانوا معكَم”، قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: “وهُم بالمدينة؛ حبَسَهم العذرُ” 4.

تصحيح النية

على المؤمن أن يكون حريصا على تصحيح نيته وتجديدها حتى لا ترد الأعمال على صاحبها، خصوصا في زمن التواصل الاجتماعي الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. فلنجعل كل أعمالنا في سبيل الله، ولا نمن على أحد، ولا ندعي أننا أصحاب السبق إلى هذا العمل أو ذاك. أو أننا من الناجين وغيرنا من الهالكين. روى الإمام مسلمٌ من حديث أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ رجلاً أتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ الله، الرَّجل يُقاتل للمغنم، والرَّجل يُقاتل ليُذكَر، والرَّجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “مَن قاتل لِتَكونَ كَلمةُ اللَّهِ أَعْلَى فهو في سبيلِ اللَّهِ”. ولنتدبر قول الله تعالى “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين” [الأنعام: 164]

طالع أيضا  حالة الطوارئ.. إضاءات قانونية

كيف؟

أأقضي حياة كلها في العبادة؟

ومن أين أكسب قوت يومي؟، وكيف لي أن أستلذ بنوم هنيء، وأقضي وطري؟ قد يبدو لنا الأمر في غاية المشقة، لكنه هين إذا أخلصنا النية في أمورنا كلها، في مأكلنا ومشربنا، في غدونا ورواحنا، في يقظتنا ومنامنا، في حركاتنا وسكناتنا، فتصير أعمالنا قربات إلى الله الكريم… في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنك لن تعمل عملاً تبتغي فيه وجه الله إلا أجرت عليه، حتى ما تجعله في في -فم- امرأتك.”

وبعد:

– فلنحرص على إخلاص النيات لله تعالى وتعظيمها.

– ولنجعل من هذا الحجر الصحي رباطا مفتوحا.

– وليكن دعاؤنا لإخواننا وأخواتنا بظهر الغيب صلة بأرواحهم.

– وليكن شوقنا إليهم ولمجالستهم أجرا عظيما يُنيلنا الكريم إياه ونحن في بيوتنا.

– وليكن ذكرنا لسيرة إخواننا وأخواتنا العطرة وسط من يعرفهم ومن لا يعرفهم رحمة تتنزل على أهل بيتنا.

– وليكن حرصنا على نشر الخير ونحن في بيوتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كأجر أولئك الصحابة الكرام الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالأجر العظيم وهم في بيوتهم “إنَّ بالمدينة لرِجالاً ما سِرتُم مسيرًا ولا قطعتُم واديًا إلا كانوا معكَم”، قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: “وهُم بالمدينة؛ حبَسَهم العذرُ”.

– وليكن حرصنا على تتبع مجالسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بركة تنير قلوبنا، وتحفظ أولادنا.

لا إله إلا الله، أية حكمة تحت قوله: “من يعلمه حسن النية”!

يقول الامام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى “قال الإمام السهروردي رحمه الله بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: النية أول العمل، وبِحَسَبِها يكون العمل (…)، فإن دخوله (المريد) في طريقهم هجرة حاله ووقته. (…) وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم. (…) ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحبُ من يعلمه حسن النية”.

لا إله إلا الله، أية حكمة تحت قوله: «من يعلمه حسن النية! هناك أجيال من المسلمين طرق سمعَهم الحِسيَّ الفكري قول الله تعالى لنبيه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. الكهف 28، لكن فطرتهم لم تسمعها، لم يعلمهم أحد هذه النية، لم يسألوا أهل الذكر” 5. ونحن بفضل الله سمعناها ونسمعها ونُسمعها غيرنا إن شاء الله في ظلال الصحبة المباركة. ويقول رحمه الله “إن إخلاص النية لله عز وجل هو الطابع الذي يطبع حركتنا بميسم الجهاد. كل تحرك لا يحمل هذا الميسم فهو فتنة من الفتنة، رائده يقودك إلى النار ولا يهدي للجنة” 6.


[1] البخاري في الإيمان، ومسلم في الإمارة.
[2] شرح النووي على مسلم باب قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية.
[3] حديث حسن صحيح، الترمذي في الزهد
[4] البخاري ومسلم.
[5] الإحسان 1/296،297.
[6] الإحسان 2/490.