بقلم يوسف بويعلا

اجتاح ربوع العالم فيروس covid-19 ومن بينها المغرب، وأقبل المجتمع بأطيافه على التوعية من خطر هذا الفيروس، واتخاذ تدابير وقائية للحد من انتشاره. أمام هذا الوضع انتابتني أسئلة:

 ما دورنا نحن باعتبارنا طلبة في الجامعات تجاه هذا الفيروس؟ أو بالأحرى ما دورنا كفاعلين ومؤثرين داخل المجتمع من منظور علمي وسياسي في آن واحد؟

من البديهي أن يطلب إلينا خوض غمار التوعية، لذلك أتساءل: من أي زاوية ننخرط في التوعية، وما رؤيتنا نحن طلبة الجامعات لما يحدث جراء هذه الجائحة؟ إنه من الجيد أن يكون لكل طالب نظرته ورأيه من منظور تخصصه العلمي، ولا ضير من إحضار الجانب الأيديولوجي في هذه القضية. هي دعوة مني ومبادرة في الوقت نفسه، باعتباري طالبا من طلبة المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وأدرس في تخصص السوسيولوجيا، فأرجو تفضلكم بمتابعة هذا التحليل الذي أدليت به تحت عنوان:

ما الذي سيغيره كورونا؟

التغيرات السوسيولوجية اللاحقة لانتشار جائحة covid-19

تتصف المجتمعات الإنسانية بدائية أم في طور النمو بكونها دائمة التغير، ويذهب الكثيرون إلى أن وباء كورونا المستجد نبأ بنقلة سيشهدها العالم ومجتمعاته، غير أنه بوسعنا القول إن مقدار هذا التغير يقف على مقدار المتغيرات المسببة فيه، أي بمقدار تأثير هذه الكارثة الإنسانية على المجتمعات، تبعا لذلك يطال هذا التغير المذكور نمط العلاقات الاجتماعية في المجتمع، وتحمل هذه العلاقات أبعادا ثقافية، اقتصادية، جغرافية وكذا ديمغرافية… إن هذه العلاقات الاجتماعية هي ما يشكل موضوع علم الاجتماع، “فعلم الاجتماع هو الدراسة العلمية للعلاقات الاجتماعية التي تقوم بين الناس، ولما يترتب على هذه العلاقات من آثار” 1، سواء كانت مجموعات منظمة تنظيما اجتماعيا أم فرادى، وبمقتضى ذلك، فإنه لا محيد من أولوية علم الاجتماع في دراسة هذه التغيرات الطارئة على المجتمعات، فإلى أي حد سيطال هذا التغير المجتمع (نمط العلاقات الاجتماعية)؟

فرضت العديد من دول العالم الحجر الصحي على مواطنيها، وقد اختلف تعامل كل من هذه الدول مع الوضع، أخذا بالاعتبار خصوصية كل من هذه المجتمعات ومدى تفاقم انتشار الفايروس فيها، حيث إنه على مستوى علاقة الأفراد بعملهم وبأرباب العمل؛ أصبح يباشر الأفراد في العديد من الدول عبر العالم (خصوصا منه أوروبا) عملهم عن بعد، ما يثير إمكانية اعتياد العمال على هذا النظام الجديد للعمل، وترسخ فكرة إمكانية مزاولة العمل عن بعد لدى أرباب العمل، بعد أن كان من الصعب إقناعهم بذلك، من جانب آخر، أما عن علاقة الأفراد بالإدارة الرسمية، فإن البيروقراطية التي وضع ماكس فيبر أهم سماتها متمثلة في التعامل الكتابي الورقي؛ قد ألغيت كرها، فبعدما كان الإدلاء بوثائق إدارية إلى المصلحة المختصة إلكترونيا أمرا مستبعدا جدا في إيطاليا وغيرها من المجتمعات، أصبح أمرا محتما أن تودع المعلومات المتضمنة في هذه الوثائق في مواقع إلكترونية خاصة بالمصلحة، وذلك محاولة للحد من انتشار جائحة covid-19، وهذا سيكون له أثر بليغ على المجتمع، فيما يخص تطور تعامل أطياف المجتمع بالتكنولوجيا مستقبلا، في حين يذهب البعض إلى أن اعتياد الأفراد على اقتناء المستحقات الغذائية لمدة أكبر من التي كانوا يقتنونها فيها، وإقبال الأفراد على حملة التحسيس بما تقتضيه من تخلص الأفراد من الأخبار الزائفة والاهتمام بالصحة العامة للأفراد، ينبئ على تغير القيم الأخلاقية لدى الأفراد إلى ما هو إيجابي، غير أن ذلك ليس صحيحا، فإذا كان المجتمع يتغير ببطء كما ذهب إلى ذلك علماء الاجتماع، فإن أبطأ ما يتغير في المجتمع هو الثقافة، باعتبارها مفهوما “يصف الأفكار والمتعقدات والقيم الراسخة في وجدان الأفراد، وفي الطريقة الكلية لحياة الجماعة التي ينتمون إليها” 2، وبالرغم من أن حكم القيمة فيما إن كان ثمة تغير إيجابي أم لا هو ليس من اختصاص علم الاجتماع، فإنه من الواضح كما يرى دوركايم، أن المجتمعات الحضارية انتقلت من سيادة الوجدان المشترك (المعتقدات المشتركة)، إلى سيادة وجدان فردي (الوعي الفردي)، وبموجب هذا فإن الانتقال يعني انتقالا في قواعد السلوك لدى المجتمعات المتحضرة، ينتج عنه تصرف فردي تحكمه تمثلات الفرد عن العالم الاجتماعي، وذلك “بعد أن كانت هذه السلوكات بما فيها الطريقة التي يحب الإنسان أن يتغذى بها أو التي يجب أن يلبس بها في كل ظرف، والحركات التي يجب أن يقوم بها، والكلمات التي يجب أن يقولها [كلها] محددة سلفا حتى في التفاصيل”2، وبالرغم من أن بعد أو عدول الأفراد عن تمثل معتقدات مشتركة -حسب دوركايم- يتأسس في المجتمعات المتحضرة ويشكل التصور الذي يتمثله الناس عن الإنسانية، وهو ما يتصرفون طبقه، فإن الوباء قد بين لنا بجلاء أن الخوف باعتباره عاطفة فطرية كما ذهب إلى ذلك عالم النفس جون واطسون، يمكنه أن يهدم كل هذه التمثلات لدى الأفراد بغية الحفاظ على وجودهم، وهذا ما جعلهم بالتأكيد يبتاعون المواد اللازمة الأساسية بنهم.

طالع أيضا  هل كورونا حصار أم رباط؟.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (2) (فيديو)

انطلاقا مما سبق يحق لنا التساؤل، هل ما يسود الآن المجتمعات حرب؟ أم هو صراع اجتماعي؟ أم غير ذلك؟

يجيبنا السوسيولوجي آلان تورين المعروف بدراساته عن الحركات الاجتماعية، أنها ليست حربا، إذ إن الحرب تستلزم -تقنيا- وجود طرفين، في حين أن الطرف الأول إنسان والطرف الثاني فيروس، كما تستلزم وجود سلاح في حين يقعد الإنسان ضحية لهذا الفيروس دون سلاح [مصل] يواجهه به، كما أنه ليس صراعا اجتماعيا إذ لا وجود لحركة شعبوية ولا لطبقات ولا سياسيون، لا وجود لفاعلين سياسيين عموما، إن كل ما يسود الآن حسب الان تورين هو نوع من اللامعنى، وإن كان دوركايم قد فسر هذا التحول في قواعد الأخلاق بالانتقال من المجتمعات البدائية إلى المجتمعات الصناعية، فإن آلان تورين يقول في خضم الآثار الناجمة عن فيروس كورونا؛ “إن كل ما هنالك هو: انهيار لما كان في المجتمعات الصناعية” 3، إننا بصدد الحديث -إذن- عن ما بعد المجتمعات الصناعية، كما تنبأ آلان تورين بأن ما سيكون بديلا عن المجتمعات الصناعية هو مجتمعات الخدمات إذ يقول “(…) أنبه إلى ﺷﻲء، أﻋﺘﻘﺪ أﻧﻨﺎ دﺧﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﻧﻮع ﺟﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت؛ ﻣﺠﺘﻤﻊ اﻟﺨﺪﻣﺎت، وﻓﻖ ﺗﻌﺒﻴﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﻴﻦ، ﻟﻜﻨﻪ ﻣﺠﺘﻤﻊ خدﻣﺎت ﺑﻴﻦ اﻟﺒﺸﺮ، ﺳﺘﺮﻓﻊ ﻫﺬه اﻷزﻣﺔ ﻣﻦ ﺷﺄن ﻓﺌﺔ ﻣﻘﺪﻣﻲ اﻟﺮﻋﺎﻳﺔ؛ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﺴﺘﻤﺮ ﻫﺆﻻء ﻓﻲ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ رواﺗﺐ ﻫﺰﻳﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ذاﺗﻪ، ﻓﻲ ﻇﻞ ﻫﺬه اﻷزﻣﺎت، ﻫﻨﺎك اﺣﺘﻤﺎل أن ﺗﺆدي ﺻﺪﻣﺔ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ إﻟﻰ ردود ﻓﻌﻞ أﺻﻨﻔﻬﺎ ﻓﻲ ﺧﺎﻧﺔ اﻟﻔﺎﺷﻴﺔ” 4، ومن المتوقع جدا بالإضافة الى ما أشار إليه تورين من احتمال تغيرات على المستوى الاقتصادي، أن تتغير ترتيبات المجتمعات في القطاع الصحي أيضا.

بالرغم من أن ما يسود المجتمعات الآن (جائحة covid-19) ليس صراعا اجتماعيا، فإن بوسعه أن يوجده أو يذكيه كما أشار إلى ذلك الان تورين، في السياق نفسه قد تتبادر لنا أسئلة عن علاقة ذلك مع تعامل سائر الأنظمة مع هذه الكارثة؛ إن سبب إقبال العديد من مسؤولي المجتمعات المتخلفة وكذا المستبدة إلى الأخذ بالاحتياطات، والقيام بالمجهودات لمحاربة هذا الوباء، إنما لأنها تتعلق بهم كأفراد أيضا، ولا يسعنا نكران أن المجتمعات الديمقراطية [القوية] أكفأ في تعاملها مع الكوارث، كما أكد أمارتيا صن أن البلدان الديمقراطية قادرة على مواجهة الكوارث أكثر من البلدان الديكتاتورية، بما فيها من أحزاب حيوية وطاقات تسنهض فعلها الإنقاذي للمواطنين وللدولة ككيان حاكم 5.، ويذهب البعض إلى أن هذه الفترة، إنما هي فترة لتعزيز موطئ قدم الأنظمة السياسية، غير أن تمثل الأفراد للعالم الاجتماعي -كما سبق وأن ذكرنا- من الصعب أن يتغير في حقبة موجزة، كما يمكن أن تتعزز أشكال عدة من الهيمنة على الأفراد في المجتمع، وهذا يطال كل المجتمعات بما في ذلك المتقدمة، إذ إن الإعلام الرسمي يصل إلى أعداد من المتابعين لم يصل إليهم قبل انتشار الوباء، وقد ذكرت صحف إحصاءات شملت كل من إيطاليا وكوريا وغيرها ممن طالهم الوباء، إن أكثر من نصف المتصفحين يزورون المواقع الرسمية لمشاهدة مستجدات آثار الفيروس، دون الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ما يفيد بلغة بورديو، أن هذا قد يؤدي إلى “تعزز/ تقوي للهيمنة الرمزية على الأفراد” 6، إذ تمارس هذه الوسائل الإعلامية الرسمية حسب بيير بورديو عنفا رمزيا على الأفراد وإن لم يكن حينها، فإن هذه الهيمنة لما بعدها.

طالع أيضا  العفو الدولية تدعو المغرب للتوقف عن استغلال قانون الطوارئ "المعيب"

أخيرا، إن وباء كورونا شأنه شأن الوباء الذي تحدثت عنه رواية الطاعون القرمزي لصاحبها جاك لندن، تصف أحداثا شبيهة بالتي يمر بها العالم اليوم، إذ يبين الكاتب أن هذا الوباء فرصة فريدة للتفكير في حالة الإنسان وفي السلوكيات وفي النمو، وفي أنماط الحياة [الاجتماعية]، ويدعونا الكاتب بدوره إلى إعادة النظر في البعد الأخلاقي للإنسان.


[1] الجوهري، محمد. مدخل إلى علم الاجتماع، جامعة القاهرة، 2008، ص 7.
[2] دوركايم، إيميل. تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، المكتبة الشرقية، بيروت -لبنان، 1986، ص 328.
[3] ديفيد إنغليز، جون هيوسون. مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة لما نصير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2013، ص 14.
[4] تورين، آلان. “حوار”، ترجمة توفيق السليماني، جريدة أخبار اليوم، العدد: اليوم السبت4/الأحد 5 أبريل 2020.
[5] صن، امارتيا. التنمية حرية، ترجمة شوقي جلال، المركز القومي للترجمة، العدد:1549، ط 1، 2010، ص 79.
[6] بورديو، لبيير. العنف الرمزي، ترجمة نظير جاهل، ط 1، المركز الثقافي العربي، 1994.