الثورة البيولوجية الحديثة

عرف علم البيولوجيا تطورا كبيرا، منذ نشأة النظرية الخلوية، مع مطلع القرن السادس عشر. وتفرعت منه تخصصات عديدة ارتبطت، من جهة، بالأسئلة المتتالية التي يطرحها العقل الاستتقرائي، وبالظواهر البيولوجية المكتشفة بفضل التطور التكنولوجي من جهة أخرى.

المعرفة البيولوجية لا تؤدي حتما إلى تغيير إدراك الإنسان لذاته فقط، بل ترنو أيضا إلى تكيفه مع ذاته حتى يتحكم في سلوكه. الاهتمامات التي يثيرها التقدم العلمي البيولوجي ليست من المسلمات العادية، باستثناء الخيال العلمي والأوهام. ويبقى ثابتا الاهتمام بقضايا الإنسان الجوهرية من حيث الذات الجسمية والقضايا السلوكية والمصير المحتوم.

اهتم علماء البيولوجيا -بتنسيق مع الأنثروبولوجيين- بدراسة تأثير الخاصيات البيولوجية في الإنسان على أسلوب تعبيره عن إنسانيته، علما أن المظاهر الوراثية في الإنسان تحددها حتما إلى درجة لا يمكن تعديلها، قوى البيئة التي تترك آثارها عليه في أطوار نموه الأولى. والسلوك الاجتماعي والأحداث التاريخية نتيجتان حتميتان لفردية الصفات الوراثية البشرية. ولطالما اكتسبت المجتمعات صفات مميزة، لأن أفرادها يشتركون في بعض عوامل الوراثة التي هي بدورها نتيجة تعرض لنوع واحد من ضغوط البيئة، وممارسة سياسة مماثلة في التربية الاصطفائية. فعلى ضوء ذلك، يفسر علم الوراثة الأوجه الخاصة والعامة للسلوك البشري.

يخلص أصحاب هذه النظرية إلى أن العادات والنية الوراثية التكوينية، والقوى الفيزيائية والكيميائية… كل متداخل يحدد “هندسة البشر” وتفاعله الاجتماعي.

الثورة البيولوجية أو الهندسة البشرية جزء من الثورة الكلية للعلوم، ظهرت مع مطلع القرن الحالي. وهي حلقة من سلسلة الثورات العلمية التي عرفتها الإنسانية.

يقول العالم Cream “إننا في القرن العشرين نودع فترة من تاريخ البشرية طولها خمسة آلاف سنة. إننا في وضع شبيه بإنسان ما قبل التاريخ عندما فتح عينيه منذ خمسة آلاف سنة على دنيا جديدة تماما، لكن روعة المشهد ستكون أكبر وأعظم في القرن الواحد والعشرين: قرن الثورة البيولوجية والهندسة الوراثية”.

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي، ما مفتاحه؟ (2)

فالعلم الحديث تقدم في ربع القرن الحالي تقدما سريعا؛ أي بما يعادل تقدم البشرية في كل تاريخها الطويل. “إن القرن الحادي والعشرين سوف يُعرف بعصر تطبيقات الهندسة الوراثية، والذي سوف ينضم إلى عصور سابقة يُؤرّخ لها كمراحل لتطوير العمل الإنساني، كعصر البخار وعصر الكهرباء، باعتبار ما ستمنحه للذين يملكونها من مقدرات وإمكانيات هائلة للتنمية في ميادين إنتاجية وخِدْمية عديدة. حيث إن امتلاك هذه التكنولوجيا -بما لها من قدرات كبيرة على التدخل في تركيب المادة الوراثية للكائنات الحية وإكسابها صفات لم يكن من الممكن أن تكتسبها بالطرق التقليدية- سيفتح آفاقاً رحبة في تربية الكائنات الحية واستخداماته”.

ويرى المهتمون أن أهمية هذه الثورة البيولوجية تكمن في:

– التأثير على العوامل الوراثية لدى الإنسان.

– تعميق الأبحاث البيوكيميائية على الدماغ والمخ خاصة.

– تطوير الأبحاث الخاصة بعقم المرأة.

– تحديد صفات المولود وجنسه…

– علاج بعض الأمراض المستعصية والمزمنة؛ كالسرطان وداء السكري وارتفاع الضغط ومرض الزهايمر الذي يتسبب في موت نحو مليون شخص سنويا في مختلف أنحاء العالم…