عن قريب يطرق طارق الخير أبواب أرواحنا، وتدق ساعة البِشر علينا، وعلى أسرنا، وينادي المنادي غداً رمضان، غدا شهر الغفران، غدا شهر القرآن، وهنيئا لمن رفع الله همته ليطلب الزلفى عنده، وليزاحم على باب الله أولي العزم والحزم، طلبا للدرجات العليا في مقعد صدق عند المليك المقتدر.

لقد بشّر النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم بقدوم رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله يُبَشِّر أصحابه بقدوم رمضان يقول: “قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم”. 1.

وهذا حديث اعتبره العلماء أصلا في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان، لما ساق فيه المولى الكريم من عطايا وأفضال، وما فتح فيه سبحانه من أبواب الخير، لا يُحرم فضلها وثوابها إلا محروم مغبون.

ويشاء الله العليم الخبير أن يصوم أغلب المسلمين في شتى البقاع الشهر الفضيل تحت الحجر الصحي، فأي إضافة لصيام رمضان بين الأهل ومع الأولاد؟ 

صوم رمضان عرض استثنائي لغايات تروم في مجموعها بناء الذات الفردية المسلمة وبناء الجماعة المسلمة تحقيقا لمتطلبات العبودية الحقة لله؛ غايات وأسرار تربوية وأخلاقية واجتماعية عنوانها القرآني “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، والتقوى معنى مركزي يلخص ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن والمؤمنة، من استقامة وطاعة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إن الصوم تربية للنفس وتعويد لها على الانقياد لله تعالى والانقطاع عن شهواتها، كل شهواتها ومنها الإسراف في المباحات؛ انقياد يجليه المسارعة للطاعات وحسن خُلق مع خلق الله، الأقرب فالأقرب، وحضور إيجابي في المجتمع حافزه الإيثار ونكرات الذات والسعي لقضاء حاجات الناس: إفطار صائم، تفريج كربة…

طالع أيضا  منظومة القيم الإسلامية من خلال غزوة بدر الكبرى

أما الغايات على مستوى الجماعة فهي تحقيق معاني التراحم والتكافل والتآزر، الذي يتجاوز المستوى المادي إلى الانخراط في توفير بيئة تسعف لتيسير العبادة والسلوك الإيماني الجماعي، ورمضان بما تكفل الله تعالى فيه من توفير شروط الإقبال عليه كما يجليها الحديث النبوي: “إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ” 2،  يوفر مناسبة فريدة لتحقيق هذه المعاني السلوكية والاجتماعية، وفرصة كذلك للتدريب العملي على اكتساب شعب الإيمان وخصال الخير التي هي عنوان الإيمان. 

وإذا كانت الغاية من الصيام تحقيق التقوى بما هي تسامٍ وترفّــعٌ عن سفاسف الأخلاق، والتصرفات من غضب ورفث وفسوق وزور قولا وعملا بل وشهودا، فلا يستقيم الصيام إلا بمتطلبات تتجاوز الإمساك عن المفطرات الحسية. شروطُ وجوبٍ بها يقاس التحقق من صحة الصيام بعد التثبت من الضوابط الفقهية للصيام، وفي الحديث: “من صام رمضان، وعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ، كفر ما قبله”؛ وإلا فـــقد “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” 3.

 

لذلك، فالصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، وشهوات بقية الجوارح من عين ولسان ويد ورجل ومشاعر قد تخدش في قدسية الصيام وصفائه، كأن يقع الصائم في غيبة أو كذب أو بهتان أو سوء ظن بالناس، أو التهاون في إقامة الصلاة وأداء الواجب المهْني وهجر القرآن. فترك هذه المحذورات تهذيب للنفس وحملها على التخلق بالمكارم، فالصوم بهذا المعنى حماية للصائم ووقايته من شر العواقب. وفي الحديث: “الصوم جُنّة”.

وإذا كان رمضان مدرسة لتربية الفرد والمجتمع، فالتربية تتطلب انضباطا يتعارض وعادات التسيب وهدر الوقت والجهد فيما لا يُكسب إيمانا، فلنحرص ونحن في أجواء الحجر الصحي  أيّما حرصٍ على استثمار سُويعات شهر رمضان في التزود من سائر الطاعات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتثبيت أعمال اليوم والليلة تكون الصلوات الخمس ضابطا وموجها، وتأتي سائر الأعمال مؤثثة لبرنامج اليوم، من حصص للقرآن الكريم تلاوة واستماعا وحفظا ومدارسة، وحصص لذِكْر الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم والاستغفار، وقضاء حاجات البيت وصلة الرحم عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون هدر للأوقات.

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية للعدل والإحسان تستنكر تزايد الانتهاكات الحقوقية في ظل حالة الطوارئ الصحية

فاللهم يسر لنا صيام رمضان وقيامه على الوجه الذي يؤهلنا للفوز بالعطاء الإلهي “وأنا أجزي به”. ونسألك يا كريم بنورانية رمضان وبركة القرآن أن ترفع عنا وعن البشرية جمعاء هذه الجائحة بغير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم سلمنا رمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلاً.

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

والحمد لله رب العالمين.


[1] صحيح أخرجه النسائي رحمه الله.
[2] حسن رواه الترمذي رحمه الله.
[3] رواه البخاري رحمه الله تعالى.